رجل الأعمال

لمحة نيوز

رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتخاف منه سمع المربية الجديدة بتغني أغنية كانت مراته المتوفية بس هي اللي تعرفها ولما شاف بنته البكماء بتحرك شفايفها معاها، عرف إن الست دي مخبية سر هيقلب حياته كلها.
أول ليلة سارة غنت فيها جوه بيتي
حسيت نفسي نسيت أتنفس.
مش علشان صوتها كان جميل.
كان جميل فعلًا.
ومش علشان بنتي ملك حركت شفايفها لأول مرة بعد سنتين من الصمت.
مع إن دي كانت معجزة لوحدها.
أنا اتجمدت
لأن الأغنية اللي كانت جاية من السماعة المخفية في مكتبي
كانت نفس التهويدة اللي مراتي الله يرحمها كانت بتغنيها لبنتنا كل ليلة.
أغنية قديمة جدًا
ماحدش تقريبًا يعرفها غير أهلها.
وسارة
الممرضة الجديدة اللي جت بورق تعيين رسمي، لكنها كانت غريبة عننا تمامًا
كانت حافظاها كلمة كلمة.
اسمي عمر الدمنهوري.
في عالم رجال الأعمال
الناس كانت بتهمس باسمي.
رسميًا
كنت مالك شركات شحن، ومقاولات، وأمن.
لكن الحقيقة
كنت وارث إمبراطورية كبيرة.
ومهما كان عندي نفوذ
ولا فلوس
ولا رجالة
ولا سلطة
كل ده كان مالوش أي قيمة قدام بنتي الصغيرة.
ملك.
عندها ست سنين.
ومريضة سرطان دم.
شرس.
ومفيش يوم بيعدي غير وهو بيسرق منها حتة.
ومن يوم ما أمها ليلى ماتت من سنتين
ملك ما نطقتش ولا كلمة.
ثلاث ممرضات سابوا الشغل في شهر واحد.
قالوا إنها صعبة.
باردة.
وما بتتفاعلش.
أما أنا
كنت شايف إنها موجوعة.
بس.
لحد ما سارة دخلت بيتي.
شايلة شنطة هدوم.
وشنطة إسعافات.
وسر
حسيته قبل حتى ما أعرفه.
البيت كان عامل زي القلعة.
كاميرات في كل مكان.
عربيات سوداء.
وحراس أكتر من الخدم.
أول ما دخلت
لقيتها بتعد الحراس بعينيها.
خايفة.
لكن متدربة تخبي خوفها.
دخلت مكتبي.
فتحت ملفها.
سارة شريف.
28 سنة.
متخصصة في رعاية الأطفال.
بتتكلم إيطالي.
وعندها توصيات ممتازة.
فضلت إيديها متشابكة وقالت
تحت أمرك يا فندم.
قلت
بنتي محتاجة حد يفضل معاها بالليل.
مواعيد علاج.
وأعراض صعبة.
ومش عايز حد ينهار.
هزت راسها وقالت
فاهمة.
قلت
كل اللي اشتغلوا قبل كده قالوا إنها طفلة صعبة.
بصتلي بثبات.
وقالت
الصمت مش معناه إن الإنسان اختفى.
أوقات الكبار هما اللي مش بيعرفوا يسمعوا.
لأول مرة من شهور
حد اتكلم عن بنتي كأنها لسه موجودة.
قالت
ممكن أشوفها قبل الليل؟
قلت باستغراب
ليه؟
قالت
علشان ما أخشش عليها في الضلمة وأنا غريبة.
ردها ضايقني.
لأنه كان صح.
كانت ملك قاعدة جنب الشباك.
فاتحة كتاب عن الفراشات.
وشها شاحب.
وشعرها أسود.
والكانيولا باينة من رقبتها.
ركعت سارة قدامها.
وقالت بابتسامة
هاي يا ملك.
أنا سارة.
تعرفي إن الفراشات بتسافر مسافات أبعد من ناس كتير؟
ملك ما ردتش.
لكن صباعها وقف على الصفحة.
أنا لاحظت.
وسارة لاحظت إني لاحظت.
طول الأسبوع
ما ضغطتش عليها تتكلم.
كانت تديها اختيارات.
بطانية زرقا ولا صفرا.
حدوتة ولا موسيقى.
تشرب دلوقتي ولا بعد خمس دقايق.
استحملت القيء.
والتعب.
والكوابيس.
والدموع اللي ملك كانت بتحاول تخبيها.
وأنا
كل ليلة كنت بتفرج عليهم من الكاميرات.
وأقنع نفسي إن ده علشان الأمان.
لكن الحقيقة
إني كنت جبان.
مش قادر أشوف بنتي وهي بتتوجع.
الكاميرات كانت أسهل.
وفي الليلة السابعة
بعد جلسة الكيماوي
ملك كانت منهارة.
سارة مسكت شعرها.
ومسحت وشها.
وهمست
مش لازم تبقي قوية.
بس عدي الدقيقة دي.
ملك مدت إيديها.
ومسكت إيد سارة.
وفي اللحظة دي
سارة بدأت تدندن.
أول نغمة
ضربتني في قلبي.
نفس تهويدة ليلى.
اللي كانت بتغنيها وهي بتحضن ملك وهي رضيعة.
الأغنية اللي عمرها ما كتبتها.
وكانت دايمًا تقول
دي بتاعة ستات عيلتنا بس.
وفجأة
شفايف ملك اتحركت.
بنتي
كانت بتحاول تغني.
جريت على أوضتها.
فتحت الباب بعنف.
سارة اتجمدت.
بصيتلها وقلت
إنتِ عرفتي الأغنية دي منين؟
وشها شحب.
وبهدوء
مدت إيدها تحت ياقة هدومها.
وطلعت سلسلة دهب.
عليها صليب صغير.
السلسلة اللي اختفت يوم وفاة مراتي.
وقالت بصوت مهزوز
ليلى ادهالي قبل ما تموت.
وقالتلي أوعدها إني هرجع
لما بنتكم تبقى مستعدة تعرف الحقيقة.
اتجمدت مكاني.
وسألتها
حقيقة إيه؟
رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت
الحقيقة اللي مراتك خبتها عنك طول السنين
والسبب الحقيقي اللي خلاني اغير هويتي وأدخل بيتك بأي
كان الصمت تقيل لدرجة إن صوت جهاز التنفس بقى أعلى من أي كلمة.
عمر فضل واقف مكانه، عينه على السلسلة، وعقله بيرجع سنتين لورا... لليوم اللي خرجت فيه ليلى من البيت وهي لابساها، وما رجعتش بيها أبدًا.
قال بصوت مخنوق
إنتِ بتقولي إيه؟
سارة بلعت ريقها، وبصت ناحية ملك اللي كانت نايمة بعد ما التعب غلبها.
وقالت بهدوء
لو سمحت... مش قدامها.
خرج عمر من الأوضة وهو بيحاول يسيطر على أعصابه، ولما دخلت سارة وراه المكتب، قفل الباب بنفسه.
اتكلم بحدة
اتكلمي... دلوقتي.
أخدت نفس طويل وقالت
قبل ما مدام ليلى تتوفى بثلاث أيام... طلبت تشوفني.
اتسعت عيون عمر.
إنتِ كنتِ تعرفيها؟
هزت راسها.
من زمان... قبل حتى ما تتجوز حضرتك.
سكت ثواني، وكملت
أنا كنت بنت صاحبة خالتها... وكنا بنقضي الصيف كل سنة في بيت جدتها.
عمر افتكر فجأة صورة قديمة جدًا، كانت ليلى واقفة فيها وسط مجموعة بنات صغيرين في الريف.
واحدة منهم كانت ملامحها شبه سارة...
لكنها كانت طفلة.
قال
ليه عمرها ما قالتلي؟
ابتسمت سارة بحزن.
لأنها كانت بتحب تفصل بين حياتها القديمة والجديدة... لكنها عمرها ما نسيت الناس اللي بتحبهم.
ثم فتحت شنطتها، وأخرجت ظرفًا أصفر قديمًا.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
وقالت
الظرف ده أمانة.
قالتلي... مايتفتحش إلا لما ملك تبدأ ترجع للحياة من تاني.
مد عمر إيده بسرعة.
لكن سارة رجعته.
قبل ما تفتحه... لازم تعرف حاجة.
قطب حاجبيه.
إيه؟
قالت
مدام ليلى كانت عارفة إن في حد بيراقب العيلة من سنين.
عمر اتغير وشه.
مين؟
هزت رأسها.
هي نفسها ما كانتش متأكدة.
لكنها كانت متأكدة إن في مستندات مهمة لو وصلت للشخص الغلط... هتضيع حق ناس كتير.
اقترب عمر منها خطوة.
مستندات إيه؟
قالت
ملفات قديمة خاصة بالشركة... وبأرض كبيرة كانت باسم والد حضرتك.
هي اكتشفت إن الأوراق الأصلية اختفت... واتبدلت بنسخ مزورة.
عمر شهق.
لأن الموضوع ده كان سبب خلاف كبير بين أبوه وشريكه قبل سنوات طويلة... وانتهى فجأة من غير تفسير.
قال
إزاي تعرفي كل ده؟
أجابت
لأن ليلى كانت بتراجع الملفات بنفسها.
ولما شكت إن حد عرف إنها وصلت للحقيقة... بدأت تخبي الأدلة.
فتح عمر درج مكتبه بسرعة، وأخرج نسخة من تقرير وفاة زوجته.
ظل ينظر إليه طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض
التقرير بيقول إن الحادث كان بسبب انفجار إطار العربية.
رفعت سارة عينيها إليه وقالت
وأنا عمري ما قلت إنه ماكانش حادث.
لكن ليلى قبل وفاتها كانت مقتنعة إن الحادث ممكن ما يكونش مجرد صدفة.
قبل أن يرد...
رن هاتف المكتب.
ظهر على الشاشة اسم مدير الأمن.
رد عمر بسرعة.
جاءه الصوت مرتبكًا
يا فندم... في حد حاول يدخل المخزن القديم اللي محدش بيفتحه.
تجمد عمر.
اتقبض عليه؟
لا يا فندم... هرب.
لكن الغريب...
كان بيدور على صندوق خشب صغير.
نظر عمر تلقائيًا إلى الظرف الأصفر الموجود في يد سارة.
فقالت وهي تشد عليه بقوة
واضح إننا اتأخرنا...
وفي نفس اللحظة، دوّى صوت صرخة من الدور العلوي...
صرخة الحارس المكلف بحراسة غرفة ملك عمر اندفع ناحية الباب قبل حتى ما مدير الأمن يكمل كلامه.
فتح الباب بعنف، وطلع السلم درجتين درجتين.
وسارة كانت وراه، قلبها بيدق بعنف.
أول ما وصلوا قدام أوضة ملك...
لقوا الحارس واقف مذهول، وإيده على رأسه.
قال عمر بلهفة
بنتي فين؟!
رد الحارس بسرعة
جوا يا فندم... الحمد لله بخير.
دخل عمر يجرى.
لقى ملك قاعدة على السرير، حضنة الدبدوب بتاعها، وباصّة ناحية الشباك.
لكن الغريب...
إن الشباك كان مفتوح.
رغم إن الحراس بيقفلوا شبابيك الدور كله كل ليلة.
بص عمر للشباك، ثم للحارس.
مين فتحه؟
الحارس هز رأسه.
والله يا فندم معرفش... سمعنا صوت خبطة، ولما دخلت لقيته كده.
سارة قربت من ملك بهدوء.
ركعت قدامها.
ولاحظت إن إيدها الصغيرة ماسكة ورقة مطوية.
برفق قالت
ممكن أشوفها يا ملك؟
ملك بصتلها ثواني...
ثم مدت إيدها.
فتحت سارة الورقة.
اتغير لون وشها.
خدها عمر بسرعة.
كان مكتوب بخط واضح
احموا البنت... السر الحقيقي معاها هي، مش في الورق.
عمر حس بقشعريرة.
التفت فورًا لمدير الأمن اللي كان وصل.
راجع تسجيلات الكاميرات... حالًا.
بعد دقائق...
اتجمعوا في غرفة المراقبة.
الفني شغّل التسجيل.
ظهر الممر هادئًا.
ولا شخص مر أمام الكاميرا.
لكن فجأة...
انقطعت الصورة لمدة سبع ثوانٍ فقط.
ثم رجعت تاني.
قال الفني بتوتر
دي أول مرة يحصل كده يا فندم.
عمر ضرب المكتب بقبضته.
سبع ثواني كفاية

تم نسخ الرابط