بعد ماخلص شهر العسل بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

بيحاول يعرف الرسالة كانت بتقصد مين في أقل من ثانية، اندفع اتنين من الرجالة ناحيتي.
لكن قبل ما يوصلوا، أخدت خطوة للخلف، واستغليت تدريب الملاكمة. أول واحد حاول يمسكني، تفاديت إيده، وخليته يفقد توازنه ويخبط في طرف السفرة. والتاني وقف متردد لما شاف اللي حصل.
زعيمهم صرخ بغضب
إوعوا تأذوها... السلسلة لازم تتاخد سليمة.
الكلمة دي أكدتلي إنهم مش جايين عشاني... جايين علشان اللي في رقبتي.
العجوز قرب مني وهمس بسرعة
لما أبوكي عمل السلسلة، محدش كان يعرف إنها مش مجرد ميدالية.
قلت وأنا باصاله باستغراب
يعني إيه؟
رد في ثوانٍ
جواها قطعة صغيرة جدًا... من غيرها، محدش يقدر يفتح الصندوق.
قبل ما يكمل، عمي صاح
اسكت! كفاية لحد كده.
لكن العجوز بصله بحزم وقال
خلاص... بعد السنين دي كلها، لازم تعرف الحقيقة.
البيت كله سكت.
حتى الرجالة وقفوا يسمعوا.
العجوز أخذ نفسًا عميقًا وقال
أبوك قبل وفاته بأشهر، جمعنا إحنا التلاتة أنا، وعمك، ووالد كريم. كان عنده أمانة كبيرة، وخاف تقع في إيد الشخص الغلط. فقسم سرها على أكتر من جزء، علشان محدش يقدر يوصل لها لوحده.
بصيت للصورة اللي كانت لسه في إيدي.
يبقى الصندوق ده... فيه فلوس؟
هز رأسه بالنفي.
لو كان فلوس، كان زمان كل حاجة انتهت. اللي جواه أخطر من أي ثروة.
في اللحظة دي، كريم رفع رأسه لأول مرة وقال بصوت منخفض
أبويا قبل ما يموت، سابلي جواب... وقال ما افتحوش إلا لو سمعت كلمة الصندوق.
كل الأنظار اتجهت ناحيته.
كمل وهو بيطلع مفتاح صغير من جيب محفظته.
كنت فاكره مجرد تذكار... لكن واضح إنه جزء من نفس السر.
زعيم المجموعة ابتسم ابتسامة غامضة وقال
كويس... بقى المفتاح الأول ظهر، والميدالية موجودة... فاضل الجزء الأخير.
سألته وأنا بثبات
وإيه هو الجزء الأخير؟
رد وهو بيبص مباشرة في عيني
دفتر أبوكي الأسود... والكل فاكر إنه اتحرق يوم وفاته.
وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، دوّى صوت انفجار خفيف من أسفل العمارة، واهتزت الأرض تحت أقدامنا، بينما وصل صوت أحد الحراس من الخارج وهو يصرخ
الدفتر... حد سبَقنا ووصل للدفتر!الانفجار ماكنش كبير، لكنه كان كفاية يهز الشبابيك ويوقع كام صورة من على الحيطة.
ساد ارتباك بين الرجالة.
واحد منهم جري ناحية البلكونة وهو بيصرخ
العربية ولعت!
زعيمهم التفت له بعصبية
سيب العربية... الدفتر أهم!
في اللحظة دي، العجوز شدني من دراعي وقال بصوت منخفض
دي فرصتنا.
خرجنا بسرعة من أوضة النوم، لكن قبل ما نوصل لباب الشقة، لقيت كريم واقف في طريقنا.
بصلي نظرة غريبة، وقال
أنا عارف إنك مش هتصدقي أي كلمة هقولها... لكن اسمعيني دقيقة.
قلت بحدة
بعد اللي عملته؟
نزل راسه وقال
أنا فعلًا اتجوزتك عشان الخطة... لكن أول ما عرفت إنهم ناويين يأذوكي بعد نقل الأملاك، حاولت أرجع.
افتكرت لحظات كتير كان بيتراجع فيها فجأة عن كلامه، أو يقفل مكالمات أول ما أدخل عليه.
وقبل ما أرد، سمعنا صوت عمي من جوه الصالة
اقبضوا عليهم!
العجوز فتح باب المطبخ بسرعة.
استغربت.
إحنا هنهرب من المطبخ؟
ابتسم لأول مرة وقال
أبوك عمره ما بنى بيت من غير مخرج احتياطي.
راح ناحية دولاب خشب قديم، وسحب رف التوابل بالكامل.
سمعنا صوت تك.
وفجأة جزء من الحائط اتحرك ببطء، وظهر ممر ضيق مظلم.
اتسعت عيني.
الممر ده... موجود من إمتى؟
قال وهو بيشيرلي أدخل
من قبل ما تتولدي.
دخلت وأنا لسه مش مستوعبة.
كريم دخل ورانا، وقبل ما يقفل الباب السري، بص ناحية الشقة وقال
سامحيني أو لأ... بس المرة دي همنعهم يوصلولك.
أغلق الباب، وغرقنا في ظلام الممر.
بعد خطوات قليلة، وصلنا لباب حديد صغير.
العجوز أشار إلى السلسلة اللي في رقبتي وقال
جربي الميدالية.
خلعت الميدالية لأول مرة في حياتي.
ولما قلبتها على ظهرها، لاحظت خطًا رفيعًا جدًا ماكنتش واخدة بالي منه.
ضغطت عليه...
فانقسمت الميدالية لنصفين.
وسقط منها مفتاح نحاسي صغير، وورقة مطوية بعناية.
فتحت الورقة بسرعة.
كانت بخط أبويا
يا بنتي... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى معناه إن السر خرج للنور. لكن اعرفي إن الصندوق الحقيقي مش صندوق... وإنما مكان، ومكانه مرتبط بالبيت اللي اتولدتِ فيه، واللي الكل فاكر إنه اتهدم من سنين.
رفعت رأسي بذهول.
همست
بس البيت القديم اتهد فعلًا...
العجوز هز رأسه بهدوء وقال
وده... أكبر كذبة اتعاشت عليها العيلة كلها فضلت أبص في الورقة كأني مستنية الكلمات تتغير.
أكبر كذبة اتعاشت عليها العيلة كلها.
رفعت عيني للعجوز وقلت
يعني البيت القديم لسه موجود؟
هز رأسه بالنفي.
البيت فعلًا اتهد... لكن المكان اللي كان تحته عمره ما اتهد.
قبل ما أسأله، طلع من جيبه مفتاح صدئ صغير، وحطه جنب المفتاح اللي خرج من الميدالية.
كانوا شبه بعض... لكن مش مطابقين.
قال
ولا واحد فيهم يشتغل لوحده.
كريم كان واقف ساكت من أول ما دخلنا الممر، وفجأة قال
أبويا قبل ما يموت قالي جملة واحدة... لما تشوف المفتاحين مع بعض، اعرف إن العد التنازلي بدأ.
سألته باستغراب
عد تنازلي لإيه؟
وقبل ما يرد، سمعنا صوت خبطات قوية على الباب السري من الناحية التانية.
حد عرف مكاننا.
العجوز بص للممر وقال بسرعة
مفيش وقت.
فضلنا نجري لحد ما وصلنا آخر الممر.
كان فيه سلم حديد قديم نازل لتحت.
الجو بقى أبرد، والهوا ريحته تراب ورطوبة، كأن المكان مقفول من عشرات السنين.
في آخر السلم لقينا بابًا خشبيًا صغيرًا.
فتحه العجوز بصعوبة.
دخلنا غرفة ضيقة، مفيهاش غير ترابيزة حجرية، وفوقها صندوق معدني صغير.
قلبي دق بعنف.
هو ده الصندوق؟
ابتسم العجوز لأول مرة من ساعة ما شفته.
لأ... ده مجرد الدليل.
حطيت المفتاح في القفل، لكنه ما لفش.
قال العجوز
قلتلك... محتاج مفتاحين.
حط كريم مفتاحه جنب مفتاحي، ولفّوه في نفس اللحظة.
صدر صوت تكة خفيفة.
الصندوق اتفتح ببطء...
لكن مكنش فيه دهب، ولا فلوس، ولا أوراق ملكية.
كان فيه ساعة جيب قديمة، ورسالة مختومة، وخريطة مرسومة بإيد أبويا.
فتحت الرسالة بسرعة، ووقعت عيني على أول سطر
إذا وصلتم إلى هنا، فاعلموا أن كل ما حدث خلال السنوات الماضية كان ليحمي الشخص الذي يحمل الاسم الحقيقي لوريث العائلة... لأن الوريث ليس ابنتي وحدها.
توقفت أنفاسي.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت ناحية كريم... ثم ناحية العجوز.
وفي نفس اللحظة، وصلنا صوت طفلة صغيرة من آخر الممر، بتقول بهدوء غريب
لقيتكم أخيرًا...
التفتنا كلنا ناحية الصوت...
لكن ما كانش فيه أي حد دخل معانا الممر تبادلنا النظرات في صمت.
الصوت كان واضحًا جدًا... صوت طفلة عمرها ما يزيد عن ثماني أو تسع سنين.
قالت مرة تانية، بنفس الهدوء
متخافوش... أنا مش جاية أؤذي حد.
سلطت كشاف الموبايل ناحية آخر الممر.
ظهر ظل صغير واقف في آخره.
ومع اقتراب النور، ظهرت بنت صغيرة لابسة فستانًا أبيض بسيط، وشايلة في إيديها صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وعليه نفس رمز الشمع الأحمر الموجود على الظرف.
اتسعت عينا العجوز.
همس لنفسه
مستحيل...
سألته بسرعة
إنت تعرفها؟
رد وهو ما زال مصدومًا
لأ... لكن أعرف الصندوق اللي معاها.
البنت قربت بخطوات هادئة، وبصتلي مباشرة وقالت
بابا قالي إنك هتيجي.
ركعت قدامها وقلت بلطف
باباكي مين؟
هزت رأسها وقالت
قال ما أقولش اسمه غير لما أشوف الساعة.
بصيت بسرعة لساعة الجيب اللي كانت داخل الصندوق المعدني.
أول ما شافتها، ابتسمت البنت وقالت
أيوه... دي هي.
مدت إيدها الصغيرة، لكنها ما لمستش الساعة.
قالت
افتحوها.
ناولني العجوز الساعة.
قلبتها بين إيديا، ولاحظت إن الغطاء الخلفي فيه تجويف صغير على مقاس المفتاح النحاسي اللي خرج من الميدالية.
دخلت المفتاح.
لفّيته ببطء.
صدر صوت نقرة خافتة.
انفتح ظهر الساعة، لكن بدل التروس المعتادة، كان فيه ورقة ملفوفة بعناية، وخاتم فضي قديم.
على الخاتم كان منقوش حرف واحد...
س.
قبل ما أمد إيدي للورقة، شهقت البنت وقالت بسرعة
لأ... الأول الخاتم.
استغربت.
ليه؟
ردت بثقة غريبة على طفلة في سنها
لأن من غير الخاتم...
تم نسخ الرابط