بعد 9 سنين بقلم زيزي احمد
المحتويات
أن يكمل، لمحوا ورقة صغيرة موضوعة تحت ماسحة زجاج السيارة.
ندى أخذتها بسرعة.
لم يكن عليها سوى سطر واحد
ابدؤوا من البيت القديم... قبل ما يوصلوا هم.
وفي أسفل الورقة...
كان مرسوم نفس الرمز الموجود على الميدالية.
عادوا إلى الشقة في صمت.
ندى دخلت غرفتها، وجلست أمام الكاميرا القديمة التي أهدتها لها جدتها.
كانت مغطاة بطبقة خفيفة من التراب.
مدت يدها تمسحها.
وأثناء تنظيفها، شعرت بشيء غير طبيعي داخل الحزام الجلدي المعلق بها.
فتحت الحزام بحذر...
فسقط منه شريط فيلم تصوير قديم، ملفوف بعناية، ومعه ورقة صغيرة جدًا.
فتحتها.
كان مكتوبًا بخط الحاجة أمينة
لو لقيتي الفيلم... ما تظهريهوش عند أي حد. الشخص الوحيد اللي يقدر يقرأه... هو الرسام.
ندى نظرت إلى كريم.
ثم إلى دينا.
وقالت بصوت مرتجف
يبقى جدتي كانت مخبية أول دليل قدام عيني طول السنين دي... وأنا ما انتبهتش له أبدًا.
وفي تلك اللحظة...
رن جرس باب الشقة.
نظر الثلاثة إلى بعضهم في توتر.
كريم اقترب من الباب بحذر، ونظر من العين السحرية...
ثم تراجع للخلف، وقد اختفى اللون من وجهه.
همست ندى
مين؟
أجاب بصوت منخفض
راجل كبير في السن...
وفي إيده صورة لجدتك.
يتبع...الجزء الثامن
فضل كريم واقف مكانه، عينه على العين السحرية، وكأنه مش مصدق اللي شايفه.
ندى همست
افتح.
مش قبل ما أعرف هو مين.
في اللحظة دي، الراجل خبط على الباب ثلاث خبطات هادية، وقال بصوت واضح
أنا مش جاي أؤذي حد... أنا جاي أنفذ وعد اتأخر تسع سنين.
ندى اتسمرت.
الصوت كان فيه هيبة غريبة.
كريم فتح الباب بحذر، وهو ماسك مزلاج الباب بإيده.
وقف قدامهم راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، ولابس بدلة قديمة لكنها نضيفة.
في إيده إطار صورة.
الصورة كانت للحاجة أمينة... وهي واقفة جنب نفس الراجل اللي كان وشه متشخبط بالحبر في الصورة القديمة.
الراجل مد الصورة ناحية ندى وقال
دي كانت آخر صورة اتصورت قبل وفاتها بأسبوع.
ندى أخدتها وهي بتبصله باستغراب.
حضرتك تعرف جدتي؟
ابتسم بحزن.
أكتر مما تتخيلي.
دينا سألته مباشرة
إنت الرسام؟
سكت ثواني...
ثم هز راسه بالإيجاب.
ندى شهقت.
يعني إنت اللي كانت جدتي كاتبة عنه؟
دخل الراجل وقفل الباب وراه.
قعد بهدوء، وحط شنطة جلد صغيرة على الترابيزة.
فتحها.
طلع منها عشرات الرسومات القديمة.
كل رسمة كانت لمكان مختلف.
بيت...
شجرة...
سور...
ترعة...
ومخزن قديم.
لكن الغريب...
إن في كل رسمة كان فيه نفس الرمز الصغير مرسوم في زاوية اللوحة.
ندى سألت
الرسومات دي معناها إيه؟
الراجل رد
دي مش لوحات.
أمال إيه؟
دي خريطة.
كل لوحة بتحدد مكان جزء من الحقيقة.
ولو جمعتوا اللوحات كلها...
هتعرفوا السر اللي الحاجة أمينة فضلت تحميه أكتر من ثلاثين سنة.
كريم قال بسرعة
كام لوحة ناقصة؟
تنهد الرسام وقال
كانت اتناشر.
أنا معايا خمسة.
وجدتك كانت مخبية خمسة.
وفاضل اتنين...
ولو حد غيركم وصلهم الأول...
كل اللي عملناه هيضيع.
ندى بصت للكاميرا القديمة، ثم للفيلم اللي لسه طالع منها.
الرسام طلب يشوفه.
أول ما مسكه، ابتسم لأول مرة.
وقال
الحمد لله... كنت فاكر الفيلم ده اتحرق.
ندى قالت بلهفة
فيه إيه؟
الرسام رفع عينه وبصلها.
فيه صورة واحدة بس...
لكن الصورة دي هتجاوب على أول سؤال شغلك من يوم ما بدأ كل ده.
إيه هو؟
ليه جدتك اختارت كريم بالذات علشان يحمي الأمانة.
وقبل ما يكمل...
سمعوا صوت زجاج بيتكسر في البلكونة.
التفتوا بسرعة...
ولقوا حجر ملفوف بورقة وقع على الأرض.
فتح كريم الورقة...
فتغيرت ملامحه تمامًا.
ندى خطفتها من إيده.
كان مكتوب فيها
معاكم 48 ساعة... وبعدها الرسومات هتتحول لذكرى.
ثم في آخر السطر...
إحنا سبقناكم للمكان الأول.
يتبع...الجزء التاسع
ندى كانت أول واحدة كسرت الصمت.
المكان الأول؟ يعني هم عرفوا يوصلوا لواحدة من اللوحات؟
الرسام هز رأسه ببطء، وملامحه اتغيرت.
لا... هم ماكانوش بيدوروا على اللوحات بس... كانوا بيدوروا على حاجة مستخبية وراها.
دينا سألت باستغراب
وراها إيه؟
الرسام بص لهم واحد واحد، وقال
كل لوحة كانت بتخفي دليل... والدليل لما يتجمع، يوصل لحقيقة واحدة.
إيه الحقيقة؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
لسه بدري تعرفوها.
ندى بدأت تفقد أعصابها.
من أول امبارح وأنا بسمع لسه بدري... استنوا... مش وقته... كفاية ألغاز!
الراجل فتح الشنطة الجلد مرة تانية، وطلع دفتر صغير قديم.
غلافه كان متآكل، لكن أول صفحة كانت مكتوب عليها بخط الحاجة أمينة
يُفتح بحضور ندى فقط.
ناولها الدفتر.
ندى فتحته بحذر.
كل الصفحات كانت فاضية...
إلا الصفحة الأخيرة.
كان فيها رسم لبيت قديم من دور واحد.
وتحته عنوان.
ندى شهقت.
ده... ده بيت جدتي في البلد!
الرسام وقف بسرعة.
يبقى لازم نتحرك حالًا.
كريم بص له.
ليه السرعة؟
لأن اللي سبقونا هناك، مش هيفضلوا مستنيين.
بعد ساعة، كانوا في الطريق.
البيت كان مقفول من سنين.
الشبابيك مكسورة، والجنينة مليانة حشائش.
ندى وقفت قدام الباب وهي بتفتكر آخر مرة دخلته مع جدتها.
أخرجت المفتاح القديم من شنطتها.
لفته في القفل...
والمفاجأة إن الباب اتفتح بسهولة.
دخلوا.
البيت كان كما هو.
الساعة الحائطية واقفة.
الستائر مغطاة بالتراب.
وريحة الخشب القديم مالية المكان.
الرسام اتجه مباشرة إلى غرفة الجلوس.
وقف قدام لوحة معلقة على الحائط.
كانت مجرد منظر طبيعي عادي.
مد إيده ورفعها.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحائط.
لكن...
كان فاضي.
ندى بصت له.
كنت مستني تلاقي إيه؟
قال بصوت مخنوق
اللوحة السادسة.
في نفس اللحظة، لمح كريم شيئًا على الأرض.
ظرف أبيض.
عليه اسم ندى.
فتحته بسرعة.
كان جواه مفتاح صغير جدًا.
ومعاه ورقة مكتوب فيها
لو لقيتوا الظرف... يبقى هم أخدوا اللوحة، لكنهم سابوا لكم الطريق.
ندى قلبت الورقة.
على ظهرها كان فيه سطر واحد فقط
ابحثوا تحت الساعة التي لم تتحرك منذ ثلاثين عامًا.
كلهم بصوا تلقائيًا ناحية الساعة القديمة المعلقة على الحائط...
لكن قبل ما حد يقرب منها...
سمعوا صوت محرك سيارة وقف قدام البيت.
ثم صوت باب عربية بيتقفل.
وأعقبه طرق هادئ على الباب الخارجي...
وكأن الزائر كان واثق إنهم بالفعل في الداخل.
يتبع...النهاية
عمّ الصمت في البيت القديم.
الطرق على الباب تكرر ثلاث مرات.
نظر كريم إلى ندى، ثم اتجه ببطء نحو الباب وفتحه.
وقف أمامهم رجل في السبعين من عمره، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
قال بهدوء
الحمد لله... وصلتوا قبل ما يضيع كل شيء.
الرسام عرفه فورًا، وابتسم لأول مرة منذ سنوات.
كنت فاكر إنك مش هتيجي.
دخل الرجل، وأغلق الباب خلفه، ثم نظر إلى ندى وقال
جدتك الحاجة أمينة كانت ست ذكية جدًا. كانت عارفة إن الحقيقة لو اتجمعت في مكان واحد، أي شخص طماع هيحاول يسرقها. علشان كده قسمت الأدلة في أماكن مختلفة، واختارت ناس مختلفين يحافظوا عليها.
ندى سألت
الحقيقة دي كانت إيه؟
فتح الرجل حقيبته، وأخرج ملفًا كبيرًا.
قال
من أكتر من ثلاثين سنة، كان فيه مشروع خيري ضخم لإنشاء مستشفى مجاني ومدرسة لأهل البلد. ناس كتير تبرعت بفلوسها وأرضها، لكن مجموعة من أصحاب النفوذ حاولوا يستولوا على كل شيء بتزوير العقود.
الحاجة أمينة كانت شاهدة على كل اللي حصل.
وقبل ما تموت، جمعت العقود الأصلية، وإيصالات التبرعات، وأسماء أصحاب الحقوق الحقيقيين، وخبّتها بطريقة محدش يقدر يوصل لها بسهولة.
أما ال ألف جنيه...
فابتسم كريم وقال
دي كانت الفلوس اللي دفعتها على مدار ثلاث سنين لاسترجاع المستندات الأصلية من ورثة الناس اللي كانوا محتفظين بيها، وسداد رسوم قانونية، وتأمين حفظها. كنت مضطر أخبي الحقيقة، لأن أي كلمة كانت هتعرّضك للخطر، ووعدت جدتك إني منفذش الوصية إلا في الوقت المناسب.
ندى دمعت عيناها.
لأول مرة فهمت سبب خوفه، وسهره، وتصرفاته الغريبة.
لم يكن يخونها...
بل كان يحمل حملًا أثقل من أن يشرحه.
فتح الرجل الملف الأخير.
كانت كل الأوراق مكتملة.
قال الرسام وهو يبتسم
دلوقتي الأمانة رجعت لأصحابها.
بعد شهور، صدر حكم قضائي أعاد الأرض إلى أهلها،
متابعة القراءة