ضرتي ضربتني بالقلم بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

إلا بحضور جميع الأسماء الموجودة في القائمة.
تغيرت ملامح الرجل.
واضح أنه لم يكن يعرف بوجود القائمة أصلًا.
في هذه اللحظة، أمسكت الزوجة الثانية بالقائمة وبدأت تراجع الأسماء.
ثم توقفت فجأة عند الاسم الأخير.
قالت
استنوا...
اقتربنا منها.
كانت تركز في الاسم المكتوب أسفل الجميع.
قالت بدهشة
الاسم ده... مش اسم شخص.
سألتها
أمال إيه؟
أشارت إلى الورقة وقالت
ده اسم مكان.
نظر الرجل المسن بسرعة، ثم أخذ الورقة من يدها.
وما إن قرأ الاسم، حتى اتسعت عيناه وقال
معقول... بعد كل السنين دي محدش خد باله؟
سألناه في لهفة
إيه هو؟
أغلق الورقة بسرعة وقال
لو طلع توقعي صح... يبقى كل اللي لقيناه لحد دلوقتي مجرد بداية.
وفي نفس اللحظة، دوى صوت قوي من ناحية شجرة الجميز.
التفتنا جميعًا.
كانت الأرض التي حفرناها قبل دقائق قد انهارت فجأة، وظهرت تحتها درجات حجرية قديمة تنزل إلى أسفل...
وكأن تحت الأرض غرفة كاملة، ظلت مخفية لعشرات السنين، ولم يكن أحد يعلم بوجودها خرجنا من المخزن بسرعة، وكل واحد فينا كان شايل جزءًا من الأوراق، وكأننا خايفين لو ضاع جزء منها يضيع السر كله.
ركبنا سيارتين واتجهنا إلى أرض بيت الجد القديم.
طوال الطريق، كان الرجل المسن ينظر من النافذة في صمت، وكأنه يرجع بذاكرته عشرات السنين.
ولما وصلنا...
تجمدنا في أماكننا.
الجرافة كانت بالفعل واقفة في منتصف الأرض، لكن الغريب أنها لم تبدأ الهدم.
كان العمال واقفين في دائرة، وكلهم ينظرون إلى شيء في الأرض.
اقتربنا بسرعة.
وجدنا شجرة الجميز القديمة ما زالت واقفة، رغم أن البيت كله اختفى.
لكن عند جذعها كانت الأرض محفورة بالفعل.
قال أحد العمال
إحنا أول ما بدأنا الحفر، اللودر وقف لوحده، وكل ما نحاول نشغله يطفي.
نظر الرجل المسن إلى الحفرة، ثم قال
محدش ينزل.
لكن ناجي لم يسمع الكلام.
قفز داخل الحفرة، وبدأ يزيح التراب بيديه.
بعد دقائق اصطدمت يده بشيء صلب.
صرخ
لقيته!
نزلنا جميعًا إليه.
كان صندوقًا حجريًا صغيرًا، عليه قفل حديدي قديم.
أخرجت المفتاح النحاسي الذي وجدناه في الظرف.
وضعته في القفل.
دار المفتاح بسهولة.
انفتح الصندوق ببطء...
لكن المفاجأة...
لم يكن بداخله ذهب، ولا أموال، ولا عقود ملكية.
كان بداخله ساعة جيب قديمة متوقفة عند الساعة الرابعة وعشرين دقيقة، ومفتاح ثالث أصغر من كل المفاتيح السابقة، ورسالة مختومة بالشمع الأحمر.
حاولت فتح الرسالة.
لكن الرجل المسن أمسك يدي وقال
استني.
قلت بعصبية
كفاية أسرار!
قال
بصي للساعة.
نظرت إليها.
كانت العقارب متوقفة فعلًا.
ثم قلبها على ظهرها.
كان محفورًا عليها
لا تُفتح الرسالة إلا عندما تعود الساعة للعمل.
نظرنا إليه في دهشة.
قلت
وساعة واقفة من عشرات السنين هتشتغل إزاي؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
لأنها مش محتاجة تصليح... هي محتاجة القطعة الناقصة.
سألته
وأين القطعة دي؟
رفع المفتاح الصغير الذي وجدناه داخل الصندوق، وقال
ده مش مفتاح باب...
ثم أشار إلى ساعة الجيب وأضاف
ده مفتاحها.
وفي اللحظة التي حاول فيها إدخال المفتاح في فتحة الساعة...
سمعنا صوت إطلاق صفارة سيارة من بعيد، ثم توقفت ثلاث سيارات سوداء عند مدخل الأرض، ونزل منها رجال يرتدون ملابس رسمية، يتقدمهم شخص قال بصوت حازم
اتأخرتم... لأننا جايين نستلم الصندوق والرسالة بأمر قانوني.
وتبادل الجميع النظرات، بينما بقيت ساعة الجيب في يد الرجل المسن... قبل أن يدير مفتاحها لأول مرة منذ عشرات السنين تراجع الجميع خطوة للخلف من هول المفاجأة.
الدرجات الحجرية كانت مغطاة بالتراب، لكنها واضحة، وكأن أحدًا بناها بعناية ثم أخفاها عمدًا.
أحد الرجال الذين وصلوا بالسيارات السوداء حاول يقترب، لكن الرجل المسن وقف أمامه وقال
محدش ينزل قبل ما نتأكد إن المكان آمن.
لكن ناجي لم يستطع الانتظار.
قال أنا هنزل.
وأشعل كشاف هاتفه، وبدأ ينزل السلم ببطء.
وراءه نزلت أنا، ثم الزوجة الثانية، ثم الرجل المسن.
كل درجة كنا ننزلها كان الهواء يصبح أبرد، ورائحة المكان أقدم.
وصلنا إلى باب خشبي ضخم، عليه حلقة نحاسية كبيرة، وفوقه نقش باهت لم نستطع قراءته من كثرة الأتربة.
دفع ناجي الباب.
صدر صوت صرير طويل...
وانفتح.
دخلنا بحذر.
كانت الغرفة واسعة، لكنها خالية تقريبًا.
لا يوجد فيها إلا طاولة حجرية في المنتصف، وعلى الطاولة صندوق خشبي صغير، وبجواره فانوس نحاسي قديم، وكأنه وُضع بالأمس.
اقترب الرجل المسن من الصندوق، لكنه توقف فجأة.
قال بصوا تحت الصندوق.
رفعناه بحذر.
وجدنا ورقة صفراء مكتوبًا عليها
من وصل إلى هنا قبل أن يعرف الحقيقة كاملة، فلا يتعجل فتح الصندوق.
نظرت إلى ناجي وقلت كل خطوة بنلاقي ورقة تقول استنوا!
ابتسم الرجل المسن لأول مرة وقال يمكن لأن التسرع هو اللي ضيع الحقيقة من البداية.
مد ناجي يده وفتح الصندوق.
لكن المفاجأة...
كان فارغًا.
تبادلنا النظرات في ذهول.
قلت إزاي؟
في نفس اللحظة، لاحظت الزوجة الثانية شيئًا غريبًا.
كان داخل الصندوق أثر غبار على شكل مستطيل، كأن شيئًا كان موضوعًا فيه وأُخرج منذ وقت قريب جدًا.
قالت الصندوق ده ماكانش فاضي... حد أخد اللي فيه.
ساد الصمت.
وفجأة سمعنا صوت باب الغرفة يُغلق من تلقاء نفسه.
التفتنا بسرعة.
لكن لم يكن هناك أحد.
ثم انطفأ نور هواتفنا جميعًا في اللحظة نفسها، وبقي الفانوس القديم وحده يضيء بضوء خافت... وكأن شخصًا أشعله من غير أن يلمسه أحد.
وعلى ضوء الفانوس، ظهرت على الحائط المقابل كلمات لم تكن موجودة قبل لحظات
إذا اختفى ما في الصندوق... فابحثوا عمّن عرف مكانه قبل وصولكم.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض...
لأن الشخص الوحيد الذي كان يعرف بوجود هذا المكان قبلهم، هو الرجل المسن نفسه عمّ الصمت في الغرفة، واتجهت كل الأنظار إلى الرجل المسن.
قال ناجي بصوت مرتجف
إنت كنت تعرف المكان... قول الحقيقة.
تنهد الرجل، وجلس على المقعد الحجري، ثم قال
أخيرًا جه الوقت اللي تعرفوا فيه كل حاجة.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا لم يره أحد من قبل، واتجه إلى الفانوس النحاسي. لفّ قاعدته، فانفتح جزء سري بداخله، وأخرج منه لفافة قديمة.
قال
ده اللي كان جوه الصندوق. أنا خرجته من سنين، مش عشان أسرقه... لكن عشان أحافظ عليه. كنت عارف إن في ناس بتدور عليه.
فتح اللفافة أمام الجميع.
لم تكن كنزًا، ولا عقودًا بملايين، ولا سبائك ذهب.
كانت وصية قديمة بخط الجد الأكبر.
قرأ الرجل بصوت واضح
أوصي أولادي وأحفادي ألا يجعلوا المال سببًا للفرقة بينهم، وأن يكون ما أتركه بينهم بالعدل، ومن يأخذ حق غيره فليرده قبل أن يلقى الله.
ثم أخرج من بين الأوراق كشفًا قديمًا يوضح نصيب كل فرد من ممتلكات العائلة، ومعه إقرار بأن الأموال التي دُفعت في شراء الشقة الأولى كانت من بيع ذهب الزوجة ومدخراتها، وأن حقها محفوظ ولا يجوز إنكاره.
نظر ناجي إلى الورقة، وانحنى رأسه في خجل.
قال بصوت مكسور
أنا غلطت لما سجلت الشقة باسمي، وكنت ناوي أصلح الغلطة بعد ما أخلص الإجراءات، لكن خوفي وكثرة الأسرار خلت الأمور تكبر.
ثم التفت إلى زوجته الأولى وقال
حقك هيرجع كامل، والشقة هتتسجل بالشكل اللي يحفظ حقك.
ونظر إلى زوجته الثانية وقال
وأنتِ أيضًا مكنتيش تعرفي الحقيقة، واتورطتي في أمور ماكنش لكِ ذنب فيها.
بعد أيام، اجتمعت العائلة كلها أمام المحامي، وتم تصحيح الأوراق، وإثبات حقوق كل صاحب حق، وانتهت كل النزاعات التي استمرت سنوات.
أما الرجل المسن، فكشف أنه لم يكن والد ناجي كما ظن الجميع، بل كان شقيقه التوأم، وكان يشبهه إلى درجة أن الناس خلطوا بينهما. وبعد وفاة والد ناجي الحقيقي، ابتعد سنوات تنفيذًا لوصية قديمة حتى يحين وقت تسليم الأمانات وكشف الحقيقة.
خرج الجميع من الجلسة وقد أدركوا أن السر الحقيقي لم يكن كنزًا مدفونًا، بل كان الثقة والعدل، وأن إخفاء الحقيقة، حتى لو كان بنية الإصلاح، قد يحول حياة أسرة كاملة إلى سلسلة من الشكوك والأسرار.
تمت.

تم نسخ الرابط