جوزي بعتلي بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

حاسة إن بداية جديدة بتستناني، مبنية على راحة البال، واحترام النفس، والصدق رديت عليه بهدوء
لو الموضوع يخصني... اتكلم.
سكت ثواني، وبعدها قال بصوت متقطع
مش هينفع في التليفون... أرجوكي قابليني نص ساعة بس.
قلت من غير تردد
اتفضل على كافيه جنب المحكمة الساعة خمسة. مش هتدخل بيتي تاني.
قفل المكالمة.
...
الساعة خمسة إلا ربع، وصلت.
كان كريم قاعد لوحده، وشكله غير اللي شفته عليه قبل يومين.
دقنه طالعة، هدومه مكركبة، وعينيه باين فيها إنه ما نامش.
أول ما قعدت، قال
أنا غلطت.
ما رديتش.
كمل
بس المشكلة دلوقتي أكبر من أي خلاف بينا.
طلع ظرف من شنطته، وزقه ناحيتي.
فتحته.
كان فيه إنذارات من الشركة، وصور لمستندات، واستدعاء للتحقيق الداخلي.
قلت
وده مالي أنا؟
نزل راسه وقال
لأن في معاملات اتعملت بالكارت الإضافي اللي كان معايا... والكارت ده باسمك.
بصيتله بثبات.
الكارت كان للمصاريف الشخصية، مش للشركة.
هز راسه وقال
أنا استخدمته مرة... وبعدها اتورطت، وكل مرة كنت بقول هعوض المبلغ.
قفلت الظرف قدامي.
يبقى تتحمل نتيجة قرارك.
بدأ يتوتر وقال
لو أثبتوا كل حاجة... ممكن أخسر شغلي، ويمكن يتحول الموضوع للنيابة.
في اللحظة دي، رن موبايله تاني.
رد بسرعة.
فضل ساكت وهو بيسمع.
بعدها قال
حاضر... أنا جاي.
قفل وهو بيترعش.
سألته
خير؟
قال بصوت خافت
ندى... عملت حادثة بالعربية.
وقام يجري من غير ما يكمل كلام.
فضلت قاعدة مكاني، وبصيت على فنجان القهوة اللي قدامي.
حسيت لأول مرة إن الحياة بترد لكل واحد نتيجة اختياراته.
لكن بعد أقل من ساعة...
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها عن كريم... اقابليني بكرة الساعة 11 الصبح. معايا مستندات هتغير كل اللي إنتِ تعرفيه.
وقريت الرسالة أكتر من مرة...
لأن المرسل ما كتبش اسمه بعد ستة شهور...
كنت واقفة في شرفة البيت بشرب قهوتي قبل ما أنزل الشغل.
الموبايل رن.
رقم غير مسجل.
رديت.
ألو؟
جالي صوت ست كبير في السن.
عرفته من أول كلمة.
كانت أم كريم.
قالت بصوت مكسور
يا بنتي... عارفة إن مليش حق أكلمك، بس ابني تعبان، ومحتاج يشوفك خمس دقايق.
سكت شوية، وبعدين قلت
خير؟
ردت
هو مش عايز منك فلوس... ولا أي حاجة. بس نفسه يعتذر.
شكرتها وقفلت.
فضلت أفكر.
وفي الآخر قررت أروح... مش عشانه، لكن عشان أقفل آخر صفحة في الحكاية.
...
دخلت الكافيه.
كان كريم قاعد في الركن.
خس أكتر من عشر كيلو، وشعره بدأ يشيب عند الجانبين.
أول ما شافني وقف.
وقال
شكرًا إنك جيتي.
قعدنا.
فضل ساكت دقيقة كاملة.
بعدها قال
أنا لقيت شغل جديد.
ابتسمت وقلت
ربنا يوفقك.
هز رأسه وقال
بس المرتب أقل بكتير... وابتديت من أول السلم.
قلت
كل بداية صعبة.
تنهد وقال
أنا النهارده فهمت إن أكبر خسارة في حياتي ما كانتش الشغل... كانت الإنسان اللي كان واقف جنبي وأنا مش مقدر قيمته.
ما رديتش.
طلع من جيبه مفتاح صغير.
حطه قدامي.
وقال
ده مفتاح المخزن اللي كنت مأجره. فيه كل الحاجات اللي اشتريتيها لبيتنا، وكنت واخدها معايا. رجعتها كلها.
استغربت.
قال
دي حقك.
خدت المفتاح.
وقبل ما أقوم، قلت
شكراً إنك رجعت الحقوق لأصحابها.
ابتسم لأول مرة من شهور.
وقال
اتأخرت... بس اتعلمت.
قمت أمشي.
وقبل ما أوصل باب الكافيه، ناداني.
يا منى.
لفيت.
قال بابتسامة هادئة
ربنا يعوضك خير... لأنك تستحقي كل خير.
ابتسمت باختصار.
ورديت
وربنا يهديك ويعوضك عن أخطائك بالطريقة الصح.
خرجت من المكان وأنا حاسة إن آخر خيط كان بيربطني بالماضي انقطع أخيرًا.
رجعت بيتي، فتحت الشبابيك، ودخل نور الشمس يملأ كل الأوضة.
وساعتها أدركت إن النهاية السعيدة مش معناها إن كل حاجة رجعت زي الأول...
أحيانًا النهاية السعيدة هي إنك تعرف تمشي لقدام، من غير ما تبص وراك مرت ثلاثة أسابيع.
بدأت أرجع لحياتي بالتدريج.
رجعت أركز في شغلي، ووقفت أي نقاش يخص كريم.
لكن في صباح يوم هادئ، وصلني اتصال من رقم معروف.
كان محامي كريم.
قال باحترام
أستاذة منى، الأستاذ كريم طالب يقابلك في وجودي. في موضوع قانوني لازم يتقفل.
وافقت، لأن أي حاجة تخص الحقوق لازم تتخلص بشكل رسمي.
دخل كريم المكتب، وكان شكله مختلف تمامًا.
مبقاش الشخص الواثق اللي كان واقف قدام البيت.
حط قدامي ملف، وقال
دي كل الأوراق اللي تثبت إن البيت ملكك بالكامل، وأنا هوقع على أي تنازل مطلوب.
بصيتله باستغراب.
قال
أنا ظلمتك سنين... ومش عايز أخرج من حياتك وأنا سايب لك مشكلة.
المحامي طلع العقود، وبدأ يشرح الإجراءات.
وقبل ما كريم يمضي، سألني سؤال واحد
هو فيه أي فرصة تسامحيني؟
بصيتله بهدوء وقلت
المسامحة شيء... والرجوع شيء تاني.
هز راسه وقال
فاهم.
ومضى كل الأوراق من غير أي اعتراض.
وأثناء ما كنا خارجين من المكتب، جري شاب من موظفي الاستقبال وهو بينادي على كريم.
أستاذ كريم... استنى.
لف كريم.
الشاب اداله ظرف مختوم، وقال
ده وصلك من شركتك السابقة.
فتح الظرف بسرعة.
قرأ أول سطر...
واتغيرت ملامحه.
ناولني الورقة من غير ما يتكلم.
كان القرار النهائي.
تم حفظ التحقيق الجنائي بعد ثبوت عدم وجود شبهة اختلاس، لكن تم فصله نهائيًا من الشركة، وإلزامه بسداد كل المبالغ التي ترتبت على مخالفاته الإدارية، مع حرمانه من أي مستحقات أو مكافآت.
قفل الظرف، وابتسم ابتسامة باهتة.
وقال
الفلوس ممكن ترجع... لكن السمعة لما تروح، صعب ترجع.
قلت بهدوء
كل واحد بيحصد نتيجة قراراته.
خرج كل واحد في طريق.
هو بدأ حياته من الصفر، يتحمل نتيجة أخطائه.
وأنا رجعت بيتي، البيت اللي حافظت عليه بتعبي، وبدأت صفحة جديدة، من غير غضب، ومن غير كراهية... لكن بدرس عمره ما هيتنسى الثقة نعمة، ولازم تتحط في المكان الصح بعد سنة كاملة...
الحياة كانت اتغيرت.
أخدت ترقية في شغلي، وبقيت مسؤولة عن فريق كامل.
البيت بقى أهدى من أي وقت فات.
وفي يوم الجمعة، وأنا برتب الدولاب، لقيت ظرف قديم واقع ورا درج.
كان مكتوب عليه بخط كريم
ما يتفتحش إلا لو أنا مشيت من حياتك.
استغربت.
أنا عمري ما شفته قبل كده.
فتحته.
كان جواه جواب طويل.
قرأته بهدوء.
يا منى... لو إنتِ بتقري
الكلام ده، يبقى أكيد خسرتك. يمكن أول مرة في حياتي أكون صادق من غير ما أدور على مصلحة. أنا كنت دايمًا فاكر إن الاستقرار شيء مضمون، وإنك مهما زعلتي هتسامحي. كل مرة كنت بأجل الاعتذار لحد بكرة... لحد ما مفيش بكرة فضل.
بين سطور الجواب، كان فيه ظرف صغير.
فتحته.
لقيت مفتاحًا، ومعاه ورقة.
دي خزنة البنك اللي كنا فاتحينها من سنين. فيها كل الذهب اللي اشتريتيه بنفسك، والورق اللي يثبت إن كل حاجة ملكك. عمري ما بعته ولا لمسته.
قفلت الظرف وأنا ساكتة.
مش لأن الجواب رجع مشاعري...
لكن لأنه أكد لي إن الإنسان ساعات ما يعرفش قيمة اللي في إيده إلا بعد ما يضيعه.
حطيت الظرف في الدرج، وقفلت عليه.
وفي نفس اللحظة...
الموبايل رن.
كان رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل قال
حضرتك الأستاذة منى؟
قلت
أيوه.
قال
أنا مدير الشركة الجديدة اللي بيشتغل فيها الأستاذ كريم.
استغربت.
قال
هو اتعرض لحادث في موقع العمل، وأول رقم للطوارئ كان رقم حضرتك... لو تقدري تيجي، هنكون شاكرين.
اتجمدت مكاني.
لأنني كنت متأكدة...
إني حذفت رقمي من كل أوراقه من زمان.
فإزاي... لسه مختار اسمي؟لبست بسرعة، وخرجت.
طول الطريق كنت بفكر...
أروح ليه؟
إحنا خلاص كل واحد بقى في طريق.
لكن في الآخر قلت لنفسي الموقف ده إنساني، مش أكتر.
وصلت المستشفى.
سألت في الاستقبال عن كريم.
الممرضة بصت في الكمبيوتر وقالت
هو في العمليات، والإصابة في رجله وكتفه، والحالة مستقرة.
ارتحت شوية.
بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور.
قال
الحمد لله، العملية نجحت.
وأنا همشي، لقيت مدير الشركة خارج من الأوضة.
قرب مني وقال
حضرتك مدام منى؟
قلت أيوه.
قال بابتسامة
أنا آسف إننا أقلقنا حضرتك، بس كريم كان كاتب اسمك للطوارئ من أول يوم اشتغل عندنا.
استغربت وقلت
بس إحنا منفصلين.
هز رأسه وقال
إحنا عرفنا بعد كده، وطلبنا منه يغير البيانات.
سكت لحظة، ثم أكمل
قال جملة عمرها ما خرجت من دماغي.
سألته
قال إيه؟
رد
قال يمكن مبقتش مراتي... لكن هي أكتر إنسانة أثق إنها هتيجي لو حياتي كانت في خطر.
سكت.
ما عرفتش أرد.
بعد شوية، سمحوا بدخول الزوار.
دخلت الأوضة.
أول ما فتح عينه وشافني، ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
قلت بهدوء
جيت أطمن عليك... وبس.
هز رأسه باحترام.
وقال
وده كفاية.
قعدنا دقائق قليلة، من غير عتاب، ومن غير لوم.
ولما قمت أمشي، قال
متقلقيش... المرة دي هعرف أقف على رجلي لوحدي.
ابتسمت وقلت
وده أفضل قرار ممكن تاخده.
خرجت من المستشفى، وأنا حاسة إن كل واحد فينا أخيرًا وصل للمكان اللي يستحقه.
هو اتعلم يتحمل مسؤولية حياته.
وأنا اتعلمت إن الطيبة لا تعني الرجوع، وإن المساعدة وقت الشدة لا تعني فتح باب اتقفل.
وانتهت الحكاية... وكل واحد كمل طريقه بسلام.

تم نسخ الرابط