بابا بيروح بيت تاني بقلم ليلي
"ابني الصغير قاللي: بابا بيروح بيت تاني... افتكرته بيهزر، لكن الحقيقة اللي اكتشفتها كانت مختلفة تمامًا."
الجزء الأول
"ماما... هو إحنا ليه معندناش بيتين؟"
كنت واقفة في المطبخ بقطع السلطة، فضحكت من غير حتى ما ألف له.
قلت وأنا بهزر:
"عشان بيت واحد مكفينا يا حبيبي."
آدم هز راسه بمنتهى البراءة وقال:
"بس بابا عنده بيت تاني."
وقفت السكينة في إيدي.
لفيت أبصله، لقيته قاعد على الأرض بيركب مكعباته، ولا كأنه قال حاجة غريبة.
ابتسمت وسألته بهدوء:
"مين قالك إن بابا عنده بيت تاني؟"
رد وهو مركز في اللعب:
"أنا رحت معاه."
اتعجبت.
كريم عمره ما كان بياخده غير النادي أو بيت جده أو يلف بيه بالعربية شوية.
قلت:
"إمتى رحت؟"
قال ببساطة:
"من كام يوم... بعد ما خلص شغله."
قبل ما أعرف أسأله أكتر، سمعنا صوت مفتاح الباب.
دخل كريم وهو مبتسم، أول ما شاف آدم فتح له دراعاته.
جرى عليه الصغير واتعلق في رقبته وهو بيضحك.
وفجأة قال بصوت عالي:
"بابا... إمتى هنروح البيت التاني تاني؟"
ابتسامة كريم اختفت للحظة، لكنه بسرعة ضحك وربت على شعره.
"يا سيدي ده بيت عمك."
آدم عقد حواجبه.
"لا... مش بيت عمو."
ابتسم كريم وقال:
"طيب خلاص... كل واحد يغسل إيده عشان هنتعشى."
وانتهى الكلام.
لكن السؤال فضل واقف في دماغي.
بعد العشا سألت كريم بهدوء:
"هو آدم يقصد إيه بالبيت التاني؟"
ابتسم وهو بيشرب الشاي.
"ده أخدته معايا أزور واحد صاحبي في شقته الجديدة... شكله افتكرها بيتي."
ارتحت.
الإجابة كانت منطقية.
خصوصًا إن كريم عمره ما اداني سبب أشك فيه.
عدى كام يوم، وكل حاجة رجعت طبيعية.
لكن آدم كان كل شوية يجيب سيرة البيت ده.
مرة يقول:
"هناك فيه جنينة صغيرة."
ومرة يقول:
"فيه أوضة فيها لعب كتير."
افتكرت إن صاحب كريم عنده أولاد، وعشان كده الولد مبسوط بالمكان.
لحد يوم الجمعة.
كنت بلبسه عشان هننزل عند أمي.
فسألته وأنا بضحك:
"هو صاحبك اللي هناك اسمه إيه؟"
قال:
"يوسف."
"بتحب تلعب معاه؟"
ابتسم جدًا.
"آه... وبابا بيلعب معانا كمان."
استغربت.
قلت:
"وبابا صاحبه بيكون موجود؟"
هز راسه بالنفي.
"لأ... بيكون في الشغل."
سكت شوية، وبعدها قال:
"وبابا بيصلح حاجات كتير هناك."
الكلمة دي خلتني أركز.
لما رجع كريم بالليل، حكيتله كلام آدم.
ابتسم وقال:
"أصل صاحب الشقة مسافر، وسايبلي المفتاح عشان أتابع التشطيبات، وآدم أصر يطلع معايا مرة."
اقتنع عقلي بالكلام.
لكن قلبي حس إن فيه تفاصيل ناقصة.
بعدها بأيام، وأنا برتب شنطة كريم، لقيت ميدالية مفاتيح جديدة.
فيها مفتاح مشوفتوش قبل كده.
ولما سألته عنه، قال ببساطة:
"ده مفتاح الشقة اللي بخلص فيها التشطيبات."
هزيت راسي ومكملتش كلام.
وفي مساء يوم السبت، كريم قال وهو بيلبس:
"هتأخر شوية... الصنايعية مستنياني."
في اللحظة دي...
جري آدم من أوضته وقال بحماس:
"بابا... هتروح البيت الأبيض؟"
ابتسم كريم ابتسامة سريعة، وربت على رأسه وقال:
"آه... أخلص شغل وأرجع."
وقفت مكاني.
لأول مرة...
أحس إن الفضول بدأ يكبر جوايا.
يتبع...الجزء الثاني
فضلت طول الليلة أفكر.
كل كلمة قالها كريم ليها تفسير منطقي.
وكل كلمة قالها آدم كانت بتخليني أسأل نفسي سؤال جديد.
لكن في النهاية، كنت بكرر لنفسي:
"الثقة مش معناها الشك في كل حاجة."
تاني يوم، كريم خرج الصبح بدري كعادته.
وبعد الظهر كلمني.
"أنا هعدي على الشقة اللي بخلص فيها شغل، وممكن أتأخر ساعة."
رديت بهدوء:
"ماشي."
قفلت المكالمة، وبصيت لآدم اللي كان بيلعب.
سألته من غير ما أحس:
"تعرف الطريق للبيت الأبيض؟"
ابتسم وقال بثقة:
"آه."
استغربت.
"لو ركبنا العربية تدلني عليه؟"
قال بحماس:
"أيوه."
في الأول حسيت إني بعمل حاجة غلط.
لكن قلت لنفسي إن مفيش مانع أشوف المكان اللي ابني بيتكلم عنه كل شوية.
ركبت العربية، وآدم قاعد في الكرسي ورا.
كل شوية يقول:
"لفي يمين."
"كملي."
"ادخلي الشارع ده."
كنت مستغربة إنه فاكر الطريق بالشكل ده.
بعد حوالي عشرين دقيقة وقفنا قدام فيلا صغيرة لونها أبيض، ولسه التشطيبات الخارجية فيها جديدة.
وفي الجراج...
كانت واقفة عربية حمراء.
ابتسم آدم فورًا.
"أهو... العربية الحمرا."
قلبي دق بسرعة.
لكن ماكانش فيه أي حاجة غريبة.
البيت شكله جديد، وفيه عمال داخلين وطالعين.
نزلت من العربية، ولسه هقرب، لقيت كريم خارج من الباب وهو لابس هدوم الشغل، وفي إيده رول رسومات هندسية.
أول ما شافني اتفاجئ.
"إنتوا هنا؟"
بصيتله وقلت بابتسامة خفيفة:
"آدم هو اللي جابني."
ضحك وهو بيبص للصغير.
"كنت عارف إنك هتفضحني."
استغربت.
"أفضحك في إيه؟"
أخذ نفسًا وقال:
"تعالي جوه، وهفهمك."
دخلنا.
البيت كان فاضي تقريبًا، إلا من شوية أثاث متغلف.
وفي الصالة كان فيه ولد صغير بيلعب بالمكعبات.
أول ما شاف آدم، جري عليه وهو بيضحك.
"آدم!"
وضموا بعض كأنهم أصحاب من زمان.
في نفس اللحظة خرجت سيدة في الخمسينات من المطبخ، وعلى وشها ابتسامة دافية.
وقالت:
"أهلاً يا بنتي... أخيرًا اتقابلنا."
بصيت لكريم باستغراب.
أما هو فابتسم وقال بهدوء:
"دي أم محمود... صاحب البيت."
وقبل ما ألحق أسأله أي سؤال...
سمعنا صوت باب بيتفتح، ودخل رجل في أواخر الثلاثينات وهو شايل شنطة سفر، وما إن وقع نظره على كريم حتى ابتسم وقال:
"الحمد لله إنك موجود... كنت مستنيك عشان أوريك المفاجأة."
وتبادل كريم معه نظرة فهم، بينما بقيت أنا واقفة لا أعرف ما هي المفاجأة التي يقصدها...
يتبع...الجزء الثالث
بصيت للرجل باستغراب.
مد إيده يصافحني وهو مبتسم.
"أهلًا يا مدام... أنا محمود، صاحب البيت."
سلمت عليه، ولسه الأسئلة مالية دماغي.
محمود التفت لكريم وقال:
"والله من غيرك كنت هضطر أأجل استلام البيت شهر كمان."
ابتسم كريم وقال:
"إحنا عملنا اللي علينا."
بصيت له باستغراب.
"إحنا؟"
ضحك وقال:
"تعالي أوريكي."
طلعنا الدور التاني.
كان فيه أوض لسه بتتفرش، وعمال بيركبوا الستاير، وكهربائي بيخلص آخر اللمسات.
قال كريم:
"محمود صاحبي من أيام الكلية. اتنقل شغله لمحافظة تانية، وكان محتاج حد يتابع التشطيبات بدل ما يسيب شغل عمره يضيع."
محمود هز راسه وقال:
"وأمانة الراجل ده وفرت عليا فلوس ووجع دماغ كتير."
بدأت أفهم الصورة.
لكن فضلت أسأل:
"وآدم؟"
ضحك محمود.
"آدم هو اللي عرف يوسف على أول صاحب ليه."
في اللحظة دي جري يوسف وآدم من الجنينة، وكل واحد فيهم ماسك عربية لعبة.
كانوا بيضحكوا بصوت عالي.
قال كريم:
"فاكرة اليوم اللي قولتلك اتأخرت بسبب الشغل؟ آدم كان زعل إنه يقعد لوحده، فخدته معايا ساعتين لحد ما نخلص."
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
كل كلمة قالها آدم كانت صحيحة...
بس بعين طفل.
بيت تاني...
وعربية حمرا...
وولد بيلعب معاه...
و"طنط" كانت والدة محمود، اللي كانت بتقعد تراقب الأولاد وهم بيلعبوا.