قصة كاملة بقلم اماني سيد
الجزء الأول
اتجوزته وأنا عندي 18 سنة، وكان هو كل دنياي. بدأنا حياتنا من الصفر، لا شقة جاهزة ولا فلوس متشالة، لكن كان عندنا حلم صغير إننا نبني بيت يفضل واقف مهما هبت عليه الرياح.
ربنا رزقنا ببنت بعد سنة من الجواز، وكانت نور البيت كله. وبعدها ما حصلش نصيب في الإنجاب تاني، فصبّيت كل حبي فيها، وهو في الأول كان بيحبها جدًا، يشيلها على كتفه ويلف بيها الشارع، ويقول للناس دي بنتي وسندي.
السنين جريت، وأنا كنت الزوجة اللي بتصحى قبله، وتحضر فطاره، وتستناه آخر اليوم، وتوفر من مصروف البيت عشان نحقق أحلامنا. مرات كتير كنت أتنازل عن حاجات نفسي فيها عشان هو يكبر في شغله، ولما احتاج رأس مال يوسع تجارته، بعت دهبي كله من غير ما أتردد، وقلت الستر أهم من الذهب.
كبرت بنتنا، وبقت في الثانوية العامة، وكل همي كان أوفر لها هدوء يساعدها تحقق حلمها.
لكن في يوم، رجع البيت وقال بهدوء غريب
أنا عايز أتكلم معاكي.
افتكرت إنه تعبان، أو عنده أزمة في الشغل.
قعد قدامي وقال
إحنا بقينا مختلفين... ومش شايف إننا نكمل.
الكلمات نزلت على قلبي كالصاعقة.
قلت له وأنا مش مستوعبة
يعني إيه؟ بعد خمسة عشر سنة جواز؟
رد بمنتهى البرود
النصيب خلص.
بعد أيام قليلة تم الطلاق في هدوء، من غير خناقات ولا محاكم. خرجت من البيت وأنا ماسكة إيد بنتي، وكل اللي معايا شنطة هدوم، وذكريات عمر كامل.
استأجرت شقة صغيرة، وبدأنا نحاول نتأقلم مع حياتنا الجديدة.
وبعد شهور قليلة، عرفت إنه اتجوز.
العروسة كانت بنت صغيرة في العشرين من عمرها، أصغر مني باثنتي عشرة سنة.
قلت في نفسي دي حياته... وربنا يوفقه.
وحاولت أقنع نفسي إني أقفل الصفحة، وأركز مع بنتي ومستقبلها.
لكن اللي ما كنتش عاملة حسابه، إن حياته الجديدة هتبقى معروضة كل يوم قدام عيني.
كل يوم صورة جديدة...
مرة وهما مسافرين.
مرة في كافيه.
مرة في البحر.
ومرة ماسك إيدها وكأن الدنيا كلها وقفت عليهم.
كانت الصور تنتشر بين الناس بسرعة، وكل شوية حد يبعتها لي أو لبنتي من غير قصد.
وفي يوم، نزل صورة لإيديهم متشابكة.
إيدها صغيرة وناعمة، والخاتم الجديد بيلمع في الشمس.
وكتب فوق الصورة
أول حب.
وقفت أبص للكلمتين وأنا مش قادرة أستوعب.
أول حب؟
يبقى الخمستاشر سنة اللي عشناهم كانوا إيه؟
يبقى البيت اللي بنيناه، والتعب، والشقا، وضحك بنتنا، كانوا إيه؟
قفلت الموبايل وأنا بحاول أتماسك.
لكن بعدها بأيام، ظهرت صورة جديدة.
كان ماسك إيد زوجته، وقربها من شفايفه، بيبوسها بابتسامة هادئة.
وفوق الصورة كتب
تقبيل يديكِ ليس خضوعًا، بل هو فرض عشق لم أذق طعمه من قبل.
فضلت أبص للجملة وقت طويل.
مش لأنها غيرة...
لكن لأنها خلتني أفتكر كل مرة كنت أطلب فيها منه كلمة حلوة، فيبتسم ويقول
إحنا كبرنا على الكلام ده.
عرفت وقتها إن بعض الناس بيتغيروا، أو يمكن يختاروا يطلعوا جانبًا من شخصيتهم مع مرحلة جديدة من حياتهم.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني... مش أنا.
كانت بنتنا.
كانت في أوضتها، بتحاول تذاكر، بينما أصحابها بعتوا لها الصور والاستوريات، وكل واحد بيسألها نفس السؤال
ده باباكِ؟
خرجت من الأوضة وعينيها مليانة دموع حاولت تخبيها.
بصت لي وقالت بصوت مكسور
يا ماما... أنا مش زعلانة إنه اتجوز... دي حياته... بس ليه كل حاجة لازم تبقى قدام الناس؟ ليه كل يوم ألاقي حد باعتلي صورة أو استوري؟ أنا مش عارفة أركز في المذاكرة.
حضنتها بقوة، وربتّ على ضهرها.
وقلت لها
إحنا مالناش دعوة بأي حد... مستقبلك أهم من أي صورة وأهم من أي كلام.
هزت رأسها، لكنها ما قدرتش تمنع دموعها.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
بصيت في الساعة باستغراب.
إحنا ما كناش مستنيين حد...
ولما فتحت الباب...
اتصدمت من الشخص اللي كان واقف قدامي...وقفت مكاني لحظة وأنا ببص للشخص الواقف قدامي.
كانت حماتي.
أم طليقي.
وشها كان باين عليه الإرهاق، وعينيها مليانة كلام كتير قبل حتى ما تنطق.
قالت بصوت هادي
ممكن أدخل يا بنتي؟
اترددت ثانية... لكن في الآخر وسعت لها الطريق.
دخلت وقعدت على طرف الكنبة، وبنتي أول ما شافتها جريت عليها وحضنتها، لأنها كانت أكتر واحدة بتحس بيها من زمان.
فضلت تمسح على شعرها وهي بتقول
ربنا يقويكي يا حبيبتي... ركزي في مستقبلك، وسيبي كل حاجة على ربنا.
بنتي هزت راسها وسابتنا ودخلت أوضتها تاني.
بصيت لحماتي وسألتها
خير؟
تنهدت تنهيدة طويلة وقالت
أنا جاية أعتذر.
استغربت.
تعتذري على إيه؟
قالت وهي منزلّة عينيها
على ابني... وعلى اللي حصل كله.
سكت شوية، وبعدين كملت
أنا نصحته كتير يخلي حياته الخاصة لنفسه، وما يجرحش أم بنته كل يوم بالصور والكلام... لكنه ما سمعش كلامي.
كنت ساكتة... لا عارفة أزعل ولا أتكلم.
طلعت من شنطتها ظرف أبيض وحطته قدامي.
وقالت
ده حق بنتك.
بصيت للظرف باستغراب.
فتحته...
كان فيه إيصال تحويل بمبلغ كبير.
قلت بسرعة
أنا مش هاخد حاجة.
ردت بحزم
ده مش ليكي... ده لبنته. مصاريف دروسها وجامعتها. وأنا اللي أجبرته يحوله.
وقبل ما أرد...
رن موبايلها.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
ردت بسرعة
إيه؟!... حصل إمتى؟
قامت واقفة فجأة.
إحنا جايين حالًا.
قفلت المكالمة، وإيديها بترتعش.
قلت بقلق
في إيه؟
بصت لي وقالت بصوت متوتر
ابني... حصلت له مشكلة كبيرة.
قلبي دق بسرعة، مهما كان هو أبو بنتي.
سألتها
خير؟
قالت وهي بتاخد شنطتها
مش قادرة أشرح دلوقتي... بس اللي أعرفه إن من ساعة نزل آخر استوري، والدنيا اتقلبت فوق دماغه.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت جملة خلتني مش قادرة أفهم أي حاجة
في ناس كانوا فاكرين الصور دي مجرد رومانسية... لكن الحقيقة إن الصورة الأخيرة كشفت سر كان مستخبي بقاله شهور.
وسابتني وخرجت.
فضلت واقفة في نص الصالة، والجملة بترن في وداني...
الصورة الأخيرة كشفت سر...
لكن...
يا ترى إيه السر اللي صورة عادية قدرت تكشفه؟ ولمين؟ ولماذا قلب حياته فجأة؟قفلت الباب وأنا عقلي بيلف.
إيه سر ممكن صورة وهي بيبوس إيد مراته تكشفه؟
فضلت ألف بالسؤال ده لحد ما الموبايل بتاعي رن.
كان رقم غريب.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت راجل محترم قال
حضرتك الأستاذة... طليقة الأستاذ؟
قلبي انقبض.
قلت
أيوه.
قال بسرعة
أنا محاسب الشركة اللي بيشتغل فيها... آسف إني بكلم حضرتك، لكن كنت محتاج أوصل لحضرتك حاجة.
استغربت.
إيه هي؟
قال
حضرتك ملكيش أي علاقة بالمشكلة... بس الأستاذ من ساعة ما نشر الصور الأخيرة، حصلت أزمة كبيرة جوه الشركة.
سألته بقلق
أزمة إيه؟
رد
الشركة عندها سياسة واضحة بعدم استعراض الحياة الخاصة أثناء تمثيلها في فعالياتها، وهو كان لابس بطاقة الشركة في الصور اللي انتشرت بشكل واسع، والإدارة استدعته للتحقيق بسبب انتشارها وربطها باسم الشركة.
قفلت المكالمة وأنا مستغربة.
دي كانت المشكلة؟
لكن كلام حماتي كان أكبر من كده بكتير.
بعد أقل من ساعة...
الموبايل رن تاني.
المرة دي كانت بنت أخته.
أول ما رديت قالت وهي بتنهج
خالتي... هو عندكم؟
قلت باستغراب
مين؟
قالت
خالي.
لأ.
سكتت ثواني وقالت
إحنا بندور عليه من الصبح... ساب البيت بعد خناقة كبيرة مع مراته، وقفّل تليفونه.
اتصدمت.
خناقة؟
قالت
أيوه... والسبب الصور نفسها.
افتكرت كل كلمة كان بيكتبها تحت الصور.
كل الرومانسية اللي كان بيستعرضها قدام الناس.
قلت
بس الصور كانت معاها هي!
ردت
وده اللي استغربناه كلنا... لأن اللي بيتصور قدام الناس حاجة، واللي بيحصل جوه البيت حاجة تانية.
قبل ما أسألها أي سؤال، سمعت صوتها وهي بتقول لحد جنبها
لقيت العربية!
وقفلت السكة.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش فاهمة.
بعد دقائق...
بنتي خرجت من أوضتها وقالت
ماما... في حد باعتلي رسالة.
أخدت منها الموبايل.
الرسالة كانت من رقم مجهول، ومفيهاش غير صورة واحدة.
فتحتها...
كانت نفس صورة الاستوري اللي كان بيبوس فيها إيد مراته.
لكن الصورة دي كانت كاملة، مش مقصوصة زي اللي نزلها.
ولما ركزت فيها...
لاحظت تفصيلة صغيرة جدًا في خلفية