حماتي شدتني بقلم رضوي

لمحة نيوز

حياتهم كلهم رأسًا على عقب.
أخدت نفسًا طويلًا، وقفلت الظرف بهدوء.
كل العيون كانت عليّ.
حماتي كانت لسه ماسكة ورق الشركة بإيد مرتعشة، ودينا واقفة كأنها نفسها تختفي، وأحمد بيبلع ريقه كل ثانيتين.
بصيت لمدير الحسابات.
اتفضل قول قدام الكل... إيه اللي حصل بالظبط؟
قال باحترام
أستاذ أحمد وصل الشركة الصبح، وطلب من قسم الحسابات تحويل خمسة ملايين جنيه لحساب شركة جديدة. ولما الموظفين رفضوا من غير توقيع حضرتك، قال إنه المدير وصاحب القرار.
لف ناحيته.
ولما لقينا إن الحساب باسم شركة مختلفة، وقفنا العملية وكلمنا حضرتك.
حماتي قاطعته بعصبية
يعني إيه؟ هو ابني مدير!
ابتسم مدير الحسابات في حرج.
مدير إداري يا فندم... لكن كل الصلاحيات المالية والتوقيع البنكي باسم الأستاذة ندى فقط.
الكلمة وقعت على حماتي كأنها صدمة.
لفت ناحيتي.
يعني... أحمد ما يقدرش يسحب جنيه واحد؟
قلت بهدوء
ولا جنيه.
أحمد اڼفجر
كفاية بقى! هو لازم تفضحيني قدام أهلي؟
بصيت له بثبات.
أنا بفضحك؟ ولا أنت اللي حاولت تسرق شركتي؟
سكت.
ولأول مرة من يوم عرفته... معرفش يرد.
أخرجت هاتفي، وفتحت تطبيق البنك.
ثم وريتهم كشف الحساب.
كل التحويلات.
كل الرواتب.
حتى راتب أحمد الشهري كان ظاهر.
قلت
ده مرتبك اللي كنت بتاخده آخر كل شهر... واللي كنت ترجع تقول لأمك إنك بتصرفه عليّ.
الخالة أمينة شهقت.
يا نهار أبيض... يعني هي اللي كانت بتصرف على البيت؟
هززت رأسي.
من أول يوم.
أقساط العربية.
الشقة.
مصاريف السفر.
حتى علاج حماتي بعد العملية أنا اللي دفعته.
بصيت لحماتي.
فاكرة لما قولتي للدكاترة ابني دفع ولا يهمكم؟
سكتت.
أنا اللي دفعت.
وفاتورة المستشفى لسه عندي.
بدأت ملامحها تتغير.
لأول مرة شفت الندم في عينيها... لكنه كان متأخرًا جدًا.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما مدير الحسابات قال
وفي حاجة تانية يا أستاذة ندى.
رفعت رأسي.
ناولني ملفًا أحمر.
أثناء مراجعة الإيميلات، لقينا مراسلات من الأستاذ أحمد مع مستثمرين، بيعرض عليهم شراء 40 من الشركة.
اتسعت عيون الجميع.
قلت
يبيع إيه؟
قال
حصص في الشركة... مع إنه ما يملكش سهم واحد.
دينا بصت لأخوها بذهول.
أحمد... الكلام ده صحيح؟
سكت.
السكوت كان اعترافًا.
فتحت الملف.
كل شيء كان موجودًا.
العروض.
العقود.
والتوقيع.
اسمه.
أحمد حسن.
قفلت الملف، وقلت بهدوء شديد
كنت ناوي تبيع تعبي... وتاخد الفلوس... وتهرب؟
صړخ
كنت هارجعهم!
ضحكت لأول مرة.
ضحكة كلها ۏجع.
دي نفس الجملة اللي قلتها يوم سددت ديونك.
هرجعهملك.
ولا رجعت جنيه.
مدير الحسابات قال
وبناءً على تعليمات الإدارة القانونية... تم إلغاء صلاحيات الأستاذ أحمد بالكامل من النهارده.
ناولني ظرفًا آخر.
فتحته.
كان قرار إنهاء تكليفه كمدير إداري.
أخرجت قلمًا.
وقعت أمام الجميع.
ثم رفعت الورقة.
من هذه اللحظة... أحمد لم يعد موظفًا في شركتي.
ساد صمت ثقيل.
حماتي جرت ناحيته.
قول لها تسامحك يا ابني.
لكن أحمد كان ينظر للأرض.
لأنه أدرك أخيرًا أن كل الكذب الذي عاش عليه سنوات انهار في دقائق.
اقتربت من باب الشقة، وأخذت حقيبتي.
وقبل أن أخرج، التفتُّ إليهم وقلت بهدوء
النهارده شدّيتوا شعري قدام الناس... لكن بكرة هتعرفوا إن اللي انكسر في اللحظة دي مش كرامتي... ده زواجي كله.
ثم خرجت من الشقة دون أن ألتفت خلفي، بينما كانت أصواتهم تتعالى لأول مرة ليس للدفاع عن أحمد... بل لمحاسبته. ولم أكن أعرف أن صباح اليوم التالي سيحمل مفاجأة أكبر، حين سيقف شخص أمام باب مكتبي يحمل ملفًا قديمًا يكشف أن محاولة أحمد للاستيلاء على شركتي لم تكن أول خېانة ارتكبها ضدي.
في صباح اليوم التالي، دخلت شركتي
قبل الجميع.
كانت الساعة الثامنة إلا ربع، والمكان هادئ كما أحب دائمًا.
رائحة القهوة تملأ الاستقبال، والموظفون يحيونني بابتسامات معتادة، وكأن شيئًا لم يحدث بالأمس.
لكن داخلي كان يعرف أن حياتي لن تعود كما كانت.
بعد دقائق، طرقت سكرتيرتي الباب.
أستاذة ندى... في راجل بره بيقول إنه لازم يقابلك. بيقول الموضوع يخص الأستاذ أحمد.
سمحت له بالدخول.
دخل رجل في أواخر الخمسينات، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
وقف أمام مكتبي وقال بهدوء
أنا المحاسب القانوني اللي كان بيمسك شركة أحمد قبل ما تفلس.
أشرت له بالجلوس.
فتح حقيبته، وأخرج ملفًا سميكًا.
احتفظت بالملف ده سنين... لأن ضميري كان تعبان.
بدأ قلبي يدق بسرعة.
فتح أول ورقة.
كانت نسخة من عقد قرض قديم.
القرض الذي سددته أنا بعد زواجنا.
لكن أسفل العقد كانت هناك ورقة أخرى لم أرها من قبل.
قال الرجل
حضرتك فاكرة إن أحمد وقع القرض لوحده؟
هززت رأسي.
لا... كان فيه كفيل.
قلّب الصفحة.
وشعرت بالأرض تهتز تحت قدمي.
اسمي.
توقيعي.
لكن...
لم يكن توقيعي الحقيقي.
قلت بذهول
ده مزور.
هز رأسه.
للأسف... أيوه.
سكت لحظة ثم أكمل
أحمد زوّر توقيع حضرتك عشان يحصل على القرض أسرع.
تجمدت في مكاني.
كل السنوات التي دافعت فيها عنه مرت أمام عيني.
حتى الديون التي تحملتها...
كانت مبنية على چريمة.
قال المحاسب
ولما الشركة فلست، حضرتك دفعتي المبلغ كله، فالبنك قفل الملف، وماحدش راجع التوقيع وقتها.
أغمضت عيني.
لم أكن ضحېة الفشل...
كنت ضحېة الخداع.
وفي تلك اللحظة دخل المستشار القانوني للشركة بعدما استدعته السكرتيرة.
قرأ الأوراق بهدوء.
ثم رفع رأسه وقال
لو ثبت التزوير، فدي قضية جنائية، غير محاولة الاستيلاء على أموال الشركة.
سألته
عندي فرصة أحمي شركتي؟
ابتسم بثقة.
أكتر من فرصة... لكن لازم نتحرك قبل ما يتحرك هو.
وفي الوقت نفسه، كان هاتفي يرن.
المتصل...
حماتي.
تركت الهاتف يرن.
ثم أغلقت المكالمة.
بعد دقيقة...
اتصلت دينا.
ثم أحمد.
ثم أرقام لا أعرفها.
لم أرد على أحد.
بعد ساعة، نزلت إلى بهو الشركة.
وفجأة رأيت أحمد واقفًا عند البوابة.
ملابسه غير مرتبة، وعيناه حمراوان من السهر.
أول ما رآني، جرى نحوي.
ندى... اسمعيني خمس دقائق بس.
وقفت على بعد خطوات.
قلت للحرس
سيبوه يتكلم.
اقترب وهو يكاد يبكي.
والله غلطت... كنت مضغوط... أمي كانت كل يوم تقولي لازم تبقى صاحب الشركة... ولازم يبقى كل حاجة باسمك.
نظرت إليه في هدوء.
ولما زورت توقيعي... كانت أمك برضه هي اللي ماسكة إيدك؟
انخفض رأسه.
لم يجب.
ولما حاولت تحول خمسة ملايين لحسابك؟
صمت.
ولما كنت واقف بتتفرج عليّ وأنا بتشد من شعري؟
بدأ يبكي.
لكن دموعه لم تحرك فيّ شيئًا.
قلت له
في فرق كبير بين الإنسان اللي يغلط... والإنسان اللي يبني حياته كلها على الكذب.
ثم أخرجت من حقيبتي ظرفًا أبيض.
ناولته له.
فتح الظرف بيد مرتعشة.
كانت صحيفة دعوى طلاق.
ومعها إنذار رسمي يمنعه من دخول الشركة أو التصرف باسمها بأي شكل.
قرأ أول سطر...
وسقط الظرف من يده.
قلت بهدوء
انتهى كل شيء يا أحمد.
استدرت لأدخل الشركة.
لكن قبل أن تُغلق الأبواب الزجاجية خلفي، سمعت صوت حماتي تصرخ من بعيد وهي تركض نحوي، غير مدركة أن المرة القادمة التي سنلتقي فيها لن تكون في بيتها... بل داخل قاعة المحكمة، حيث لن ينفعها الصړاخ ولا شدّ الشعر، لأن الكلمة هناك ستكون للأدلة فقط.
وصلت حماتي وهي تلهث، وشعرها مبعثر، وعلى غير عادتها لم تكن تنظر إليّ بتعالٍ... بل پخوف.
وقفت أمام باب الشركة، والحرس يمنعونها من الدخول.
صړخت
يا ندى... استني! ما تبوظيش بيتك!
الټفت إليها ببطء.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
بيتي؟ هو كان لسه فيه بيت؟
اقتربت وهي تبكي.
أحمد غلط... بس الراجل بيغلط. سامحيه علشان خاطري.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
يوم ما شدّيتِ شعري قدام الناس، كان ممكن تقولي غلطت. لكنك وقتها كنتِ فخورة.
سكتت.
خفضت رأسها.
ولأول مرة منذ
عرفتها... لم تجد ردًا.
قلت للحرس
سيبوها تدخل خمس دقائق.
دخلت إلى غرفة الاجتماعات.
جلست هي أمامي، وكانت تنظر إلى الأرض.
قالت بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
لم أتكلم.
أكملت
كنت فاكرة إن أحمد هو اللي بنى كل حاجة... وهو اللي بيصرف عليكي... وكل مرة كان يرجع البيت يحكيلي إنه صاحب الشركة.
فتحت درج مكتبي.
وأخرجت ملفًا آخر.
دفتر صغير.
كل صفحة فيه كانت تحمل تاريخًا.
قلت لها
تعرفي ده إيه؟
هزت رأسها.
ده دفتر كنت بكتب فيه كل مرة أساعد أحمد فيها.
فتحت أول صفحة.
سداد قرض الشركة.
ثم الثانية.
شراء سيارة أحمد.
الثالثة.
مصاريف عملية أم أحمد.
الرابعة.
تشطيب شقة أخو أحمد.
الخامسة.
مصروفات دراسة ابن دينا.
كل صفحة كانت تحمل رقمًا وتاريخًا وإيصالًا.
بدأت دموعها تنزل.
همست
كل ده... إنتِ؟
قلت
أيوه.
وإحنا كنا
تم نسخ الرابط