احسن صاحبه

لمحة نيوز

أحسن صاحبة لبنتي عملتلها فستان حفلة التخرج بإيده بعد ما كل محلات الفساتين كسرت بخاطرها وقالولها مفيش مقاس ليها... لكن اللي كان مخبيه جوه الفستان خلّى القاعة كلها تتجمد من الصدمة.
كل أتيلية وفستان سواريه رحناه في مدينتنا كان بيصرف بنتي.
وفي واحدة من البياعات بصتلها من فوق لتحت بابتسامة سخيفة لما قالت إنها نفسها تقيس الفستان اللي في الفاترينة.
ولا واحدة فيهم كانت تعرف السنة اللي فاتت عملت فيها إيه.
أخوها الكبير، كريم، مات في حادثة عربية من سنة.
كان أكتر واحد بيهون عليها نوبات القلق، وكان بيناديها بندق، ويضحك ويقولها لو محدش عزمك على حفلة التخرج، أنا هاجي آخدك بنفسي.
بس كريم راح...
ومن يومها وهي اتغيرت.
بطلت تخرج، وبعدت عن الناس، وأكلها بقى ملخبط. يوم تفضل من غير لقمة... ويوم تاكل أي حاجة بس عشان تهرب من الوجع اللي ساكن قلبها.
الحزن غيّرها بطريقة أنا، كأمها، معرفتش أصلحها.
يوم رجعنا من آخر أتيلية، دخلت أوضتها وقفلت الباب، وقالتلي بصوت مخنوق
يا ماما... خلاص. أنا مش رايحة الحفلة. بلاش ترجعيني للكلام ده.
قعدت على الأرض قدام باب أوضتها... وفضلت أعيط في صمت.
تاني يوم الصبح، الجرس رن.
فتحت الباب...
لقيت يوسف، ابن الجيران. الواد الهادي اللي كان صاحب بنتي من أيام إعدادي، وعمره ما سابها في أي أزمة.
بصلي وقال
يا طنط... أنا محتاج مقاساتها. قدامنا 11 يوم على حفلة التخرج. وأنا هعملها الفستان... بس لازم تثقي فيا، ومتقوليلهاش أي حاجة.
استغربت.
ده عنده 17 سنة...
وعمره ما فصل فستان في حياته.
كنت هرفض...
بس كان في نظرة في عينه خلتني أوافق من غير ما أفهم ليه.
ومن الليلة دي...
نور أوضته مكنش بيطفي غير الساعة 3 أو 4 الفجر.
أمه قالتلي إن صوابعه اتجرحت من الإبر، وساب امتحانين في المدرسة، ومكنش فارق معاه.
كل اللي كان هامّه إنه يخلص الفستان.
وفي ليلة الحفلة...
وصل ببدلة بسيطة مستعملة، وخبط على بابنا.
لما بنتي لبست الفستان...
أنا نفسي معرفتهاش.
فستان أوف وايت، واسع بانسيابية، ومتزين بورود كبيرة بارزة، شكله كأنه طالع من عرض أزياء.
ولأول مرة من سنة...
وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها... من غير ما تبكي أو تبص للأرض.
كانت منورة.
ولما دخلوا قاعة الحفلة...
الكل فضل يبصلها.
بس المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
يوسف طلع على المسرح، مسك الميكروفون، وقال
لو سمحتوا... دقيقة واحدة.
القاعة كلها سكتت.
بصلها وقال
يا سارة... بصي تحت أكبر وردة في الفستان.
إيديها بدأت ترتعش.
مدّت إيدها ناحية الوردة، وطلعت حاجة مستخبية جواها...
وفجأة...
صرخت.
ولما رفعتها قدام الناس، والكل شاف هي إيه...
القاعة كلها اتجمدت، ومبقاش في نفس واحد بيتسمع...كانت سارة ماسكة الحاجة بإيدين بتترعش...
الدموع نزلت من عينيها قبل ما حتى تستوعب هي شايفة إيه.
كانت صورة صغيرة لكريم... أخوها.
لكن مش دي المفاجأة.
الصورة كانت متثبتة جوه غلاف رقيق معمول من القماش، ومعاها ورقة صغيرة مطوية بعناية.
بصت لسارة ناحية يوسف وهي مش قادرة تنطق.
قالت بصوت مكسور إنت... إنت عملت ده إمتى؟
يوسف نزل عينيه للأرض وقال قبل ما كريم يمشي بأسبوع.
القاعة كلها بدأت تهمس.
أم سارة قربت منها وهي مش فاهمة قبل ما يمشي؟ يعني إيه يا يوسف؟
يوسف أخذ نفس طويل، ومسك الميكروفون تاني.
كريم كان عارف إن سارة كانت خايفة من اليوم ده... كان عارف إنها نفسها تحضر حفلة التخرج بس مش واثقة في نفسها.
سارة حطت إيدها على بقها، وبدأت تفتكر.
فعلاً...
قبل الحادث بأيام، كريم كان قاعد معاها في البلكونة، وكان بيضحك ويقولها يا بندق، اليوم ده لازم أشوفك فيه لابسة أحلى فستان في الدنيا.
كانت وقتها بتضحك وترد عليه طب لو ملقتش فستان على مقاسي؟
وكان يرد أنا هخترعلك فستان مخصوص.
لكنها كانت فاكرة إنها مجرد هزار.
يوسف كمل كريم جه لي قبل الحادث بكام يوم... وقالي إنه عايز يعمل حاجة لسارة. قالي لو حصل أي حاجة، خليها تعرف إنها أجمل مما هي شايفة نفسها.
شهقت سارة.
كريم قالك كده؟
هز يوسف رأسه.
كان سايبلي تصميم الفستان ده... وقال لي أنا مش عايزها تلبس فستان عشان الناس تشوفها، أنا عايزها تلبسه عشان هي تشوف نفسها.
ساد الصمت.
حتى البنات اللي كانوا بيضحكوا من شوية بقوا بيمسحوا دموعهم.
لكن يوسف مد إيده ناحية الورقة وقال بس فيه حاجة تانية جوه.
فتحت سارة الورقة ببطء.
كانت بخط كريم.
أول كلمة قرأتها كانت
يا بندق...
وفي اللحظة دي، قلبها وقف للحظة.
لأنها سمعت صوته في خيالها كأنه واقف جنبها.
بدأت تقرأ...
لكن كل سطر كان بيكشف سر مخبيه كريم عنها قبل رحيله.
سر خلاها تبص ليوسف بصدمة...
وتسأله
إنت كنت تعرف كل ده من سنة... وسكت؟فتحت سارة قطعة القماش ببطء...
وفي اللحظة اللي شافت اللي جواها، شهقت بصوت عالي.
كانت السلسلة اللي كان كريم بيلبسها طول عمره.
السلسلة اللي كانت فيها تعليقة صغيرة على شكل نجمة.
سارة حطت إيدها على قلبها.
دي... دي كانت معاه يوم الحادث.
القاعة كلها سكتت.
أمها قربت وهي مصدومة إزاي وصلتلك يا يوسف؟
يوسف بلع ريقه وقال بعد الحادث... المستشفى سلمت حاجاته لأهله. بس كريم قبلها بأيام كان مديهالي.
سارة بصت له بعدم تصديق مدهالك؟ ليه؟
يوسف نزل عينه وقال كان بيقول لي إن السلسلة دي مهمة عنده... وإنه عايز يحطها في مكان يخليها دايمًا قريبة منك.
سارة مسكت السلسلة وضمتها لصدرها.
لكن يوسف كمل بس في حاجة كريم ماقالهاش لحد غيري.
رفعت سارة عينيها له.
إيه هي؟
يوسف أخرج نفسًا عميقًا كريم كان شايف إن أكتر حاجة كسرتك مش وفاته... كان شايف إنك من جواكي بدأتي تصدقي كلام الناس عنك.
سارة سكتت.
لأنها عرفت إنه لمس الحقيقة.
كلام البياعات...
نظرات الناس...
إحساسها إنها مش زي غيرها...
كل ده كان بيكبر فوق وجع فقدان أخوها.
يوسف قال كريم كان بيقول لي سارة طول عمرها شايفة نفسها أقل من الناس، وأنا الوحيد اللي بعرف أفكرها هي مين.
ثم ابتسم وعشان كده عملت الفستان.
سارة بصت للفستان مرة تانية.
وفجأة لاحظت إن كل الورود اللي عليه مش متثبتة عشوائيًا.
كانت عاملة شكل معين.
قربت من المرآة الموجودة في القاعة...
وفهمت.
الورود كانت مرسومة على شكل نجمة كبيرة.
نفس النجمة اللي في تعليقة كريم.
حطت إيدها على فمها وهي بتبكي.
لكن قبل ما أي حد يتكلم...
دخل صوت من آخر القاعة.
صوت رجل كبير في السن قال
استنوا... فيه حاجة لازم سارة تعرفها.
الكل لف ناحية الصوت.
كان عم كريم... ماسك ظرف قديم.
اتقدم ببطء وقال الظرف ده كريم سابه عندي قبل الحادث... وقال لي ما أفتحه إلا يوم حفلة تخرجها.
سارة وقفت مكانها.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
لأنها فهمت إن كريم كان سايب لها رسالة أخيرة...
لكن السؤال كان
إيه السر اللي كان كريم مخبيه في الظرف؟فضل يوسف ساكت ثواني...
كان واضح عليه إنه كان مستني اللحظة دي من سنة كاملة.
بص لسارة وقال بهدوء أيوه... كنت أعرف. بس كريم طلب مني ماقولش حاجة غير لما تكوني جاهزة تسمعي.
إيد سارة ارتعشت وهي ماسكة الورقة.
رجعت تبص للكلام المكتوب بخط أخوها
يا بندق... لو إنتي بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش واقف جنبك وأنا بضحك عليكي زي عادتي.
اتحبست أنفاسها.
بس أوعديني ما تزعليش مني... أنا عارف إنك هتزعلي، وعارف إنك هتقولي إن الدنيا وقفت من غيري... بس أنا كنت دايمًا شايف فيكي حاجة إنتي مش شايفاها.
سارة بدأت تعيط.
إنتي مش البنت اللي محتاجة حد يحميها طول الوقت... إنتي البنت اللي بتقع وتقوم، حتى لو خدتي وقت.
وقفت عن

تم نسخ الرابط