احسن صاحبه

لمحة نيوز

القراءة لحظة، وضمت الورقة لصدرها.
أمها كانت واقفة بعيد، دموعها نازلة وهي أول مرة تشوف بنتها تبكي على كريم من غير ما تنهار.
يوسف قرب خطوة وقال كريم قبل الحادث كان عارف إنك بدأتي تبعدي عن كل حاجة... كان خايف عليكي. ولما طلب مني أساعده في الفستان، قال لي لو أنا مش موجود يوم التخرج، خليك موجود.
سارة رفعت عينيها له يعني هو كان عارف إنه ممكن يمشي؟
يوسف هز رأسه بسرعة لا... محدش كان يعرف. كريم بس كان بيحب يطمن على اللي حواليه دايمًا.
ثم ابتسم بحزن آخر حاجة قالهالي قبل الحادث بيومين كانت متخليش بندق تنسى تضحك.
نظرت سارة للفستان...
لأول مرة لاحظت إن الورود الكبيرة مش مجرد زينة.
كل وردة كان فيها تفصيلة صغيرة.
وردة فيها حرف من اسمها.
وردة فيها تاريخ تخرجها.
وردة فيها جملة كان كريم دايمًا يقولها لها.
لكن وهي بتدقق أكتر...
لاحظت حاجة غريبة.
في آخر الفستان من الداخل، كان فيه جيب صغير مخيط بطريقة لا تُرى.
بصت ليوسف باستغراب إيه ده؟
يوسف اتوتر لأول مرة.
قال ده... آخر حاجة كريم طلب مني أعملها.
سارة قربت إيدها ناحية الجيب.
فتحته ببطء...
وطلعت منه قطعة قماش صغيرة ملفوفة.
ولما فتحتها...
ظهر شيء جعل وجهها يتغير تمامًا.
لأنها لم تكن رسالة جديدة...
كانت حاجة تخص كريم نفسه.
شيء كانت سارة فاكرة إنه ضاع للأبد...طلع يوسف الحاجة من جيبه ببطء...
كانت ميدالية مفاتيح قديمة.
سارة قربت منها، وعينيها اتسعت.
دي بتاعة كريم...
هز يوسف رأسه.
أيوه.
سارة بصت له باستغراب بس دي كانت معاه يوم الحادث... إزاي وصلتلك؟
سكت يوسف لحظات، وكأنه بيرجع بذاكرته لليوم الصعب.
وقال قبل الحادث بساعات، كريم كلمني.
القاعة كلها كانت ساكتة.
قالي يا يوسف، أنا عايز أطلب منك طلب. سارة لما تزعل بتقفل على نفسها... وممكن تفتكر إنها لوحدها. لو في يوم لقيتها بتبعد عن الدنيا... فكّرها إنها عندها ناس بتحبها.
سارة بدأت تهز رأسها وهي تبكي.
يعني هو كان حاسس إني هضعف؟
رد يوسف هو كان عارفك. كان عارف إن قلبك حساس، بس كان مؤمن إنك أقوى من حزنك.
ثم نظر للميدالية وقال قبل ما يقفل المكالمة، قالي خليك فاكر... بندق بتحب النجوم. خليها دايمًا تفتكر إن ليها مكان في السما.
سارة ضمت السلسلة والميدالية مع بعض.
لأول مرة من سنة، لم تشعر أن ذكرى كريم مجرد ألم.
شعرت أنها هدية.
اقتربت منها أمها وحضنتها.
وقالت أنا كنت خايفة أخسرك زي ما خسرت أخوكي...
سارة انهارت في حضنها.
أنا كنت موجودة يا ماما... بس كنت تايهة.
يوسف ابتسم وقال وكريم كان عارف إنك هتلاقي طريقك.
بعد انتهاء الحفل، خرجت سارة وهي لابسة الفستان.
لكن المفاجأة إن الناس اللي كانوا بيتجنبوا يبيعوا لها فستان، بقوا واقفين يمدحوا جمال التصميم.
واحدة من البياعات اللي جرحتها قبل كده قربت منها وقالت بخجل أنا آسفة... أنا حكمت عليكي من غير ما أعرف قصتك.
سارة ابتسمت بهدوء.
زمان كانت الجملة دي ممكن تكسرها...
لكن دلوقتي كانت أقوى.
قالت ولا يهمك... المهم إن الواحد مايحكمش على نفسه من كلام الناس.
وفي طريق العودة، سألت سارة يوسف
إنت ليه تعبت نفسك كل التعب ده؟
ابتسم وقال عشان كريم طلب مني... ولأني كنت شايف إن البنت اللي طول عمرها بتشجع الناس، محتاجة حد يشجعها مرة.
نظرت سارة للفستان.
ولأول مرة منذ رحيل كريم...
لم ترَ فيه نهاية.
رأت بداية جديدة.
لكن في نفس الليلة، وهي بتعلق الفستان في دولابها، لاحظت شيئًا لم تنتبه له في الحفلة...
داخل آخر وردة في الفستان كان فيه ظرف صغير جدًا مخيط بعناية.
وعليه كلمة واحدة بخط كريم
افتحيه لما تكوني مستعدة تعرفي الحقيقة أمسكت سارة الظرف بإيدين مرتعشتين...
كان عليه اسمها بخط كريم
لبندق... يوم ما تلبسي فستان التخرج.
مجرد رؤية الخط خلتها تنهار للحظة.
حطت الظرف على قلبها، وكأنها بتحاول تسمع صوت أخوها من خلاله.
قال عم كريم بهدوء كريم كان عارف إن اليوم ده هيبقى صعب عليكي... كان خايف إن حزنك يخليكي متوصليش للحظة دي.
فتحت سارة الظرف ببطء.
جواه كان فيه ورقة واحدة.
بدأت تقرأ
يا بندق...
توقفت.
مسحت دموعها وكملت.
لو وصلتي لليوم ده، يبقى أنا فخور بيكي أكتر مما تتخيلي. عارفة ليه؟ لأنك عملتي حاجة أنا كنت خايف إنك مش هتقدري تعمليها... كملتي.
ارتجفت شفايفها.
أنا مش عايزك تفتكريني بس في يوم موتي. أنا عايزك تفتكريني وأنا بضحك معاكي، وأنا بأخدك من المدرسة، وأنا بأقولك إنك أشطر واحدة في الدنيا.
بدأ الناس في القاعة يبكوا بصمت.
في حاجة لازم تعرفيها يا بندق... اليوم اللي كنتي بتقولي فيه إنك مش حلوة، وإن مفيش فستان هيليق عليكي... أنا كنت شايف العكس تمامًا.
كنت شايف بنت قوية، بس محتاجة تصدق نفسها.
نزلت دموع سارة على الورقة.
لكن آخر سطر كان مختلف.
كان مكتوب بخط أكبر
لو الفستان ده خلاكي تبتسمي مرة واحدة بس... يبقى أنا كسبت.
في اللحظة دي، سارة ضحكت وسط دموعها.
ضحكة صغيرة...
لكنها كانت أول ضحكة حقيقية من سنة.
القاعة كلها صفقت.
يوسف كان واقف بعيد، مبتسم وهو بيشوفها رجعت للحياة ولو للحظة.
لكن سارة لمحت حاجة غريبة.
بصت للورقة تاني...
كان فيه سطر صغير جدًا تحت الكلام، كأنه اتكتب في آخر لحظة
وفيه حد تاني لازم أشكره... لأنه وعدني إنه مش هيسيبك لو أنا مشيت.
رفعت سارة عينيها ببطء ناحية يوسف.
يوسف اتجمد مكانه.
قالت بصوت منخفض كريم كان يقصدك أنت؟
يوسف لم يرد.
فقط أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا...
شيئًا كان محتفظًا به من يوم الحادث.
ولما شافته سارة...
اتغيرت ملامحها تمامًا.
لأن الشيء ده كشف إن يوسف لم يكن مجرد جار وصديق...
كان يعرف سرًا عن كريم لم تعرفه هي أبدًا فضلت سارة واقفة قدام الدولاب...
إيدها قربت من الظرف الصغير، لكنها توقفت.
كلمة واحدة كانت مخوفاها
الحقيقة.
لأنها من يوم وفاة كريم وهي حاسة إن فيه حاجات كتير اتقالت ناقصة...
حاجات الناس خبّتها عنها بحجة إنها مش مستعدة.
قعدت على طرف السرير، وحطت الظرف قدامها.
دخلت أمها الأوضة ولاحظت توترها.
فيه إيه يا سارة؟
بصت لها سارة وقالت كريم كان سايبلي حاجة تانية.
أمها قربت منها.
افتحيها يا بنتي... يمكن يكون ده الجزء اللي كان ناقص.
فتحت سارة الظرف بحذر.
جواه كان فيه ورقة صغيرة جدًا...
لكن الغريب إن الورقة ماكانش عليها كلام كتير.
كان عليها عنوان واحد
المكان اللي محدش يعرفه.
وتحته رقم قديم.
رقم شقة.
سارة عقدت حاجبيها.
شقة؟ كريم كان عنده شقة؟
أمها بصت للورقة باستغراب.
لا... أخوكي عمره ما كان عنده شقة لوحده.
وفي اللحظة دي، تليفون سارة رن.
كان يوسف.
ردت بسرعة يوسف... أنت تعرف حاجة عن العنوان ده؟
سكت يوسف ثواني.
والسكون اللي في المكالمة كان كفاية يخلي قلبها يدق أسرع.
قال أخيرًا سارة... مين اداكي العنوان ده؟
كان جوه الفستان.
اتغير صوت يوسف.
لازم نتكلم... بس مش في التليفون.
توترت.
ليه؟
يوسف أخذ نفسًا وقال
لأن كريم كان قايلي إن اليوم اللي هتلاقي فيه العنوان ده... يبقى الوقت جه تعرفي السبب الحقيقي اللي خلاه يعمل الفستان.
سارة قامت واقفة.
سبب الفستان؟! مش فاهمة.
يوسف سكت لحظة، ثم قال
كريم ماكانش بس عايز يخليكي تحضري حفلة التخرج...
كان عايز يصلّح حاجة حصلت قبل موته... حاجة أنتِ ماكنتيش تعرفي عنها.
في اللحظة دي، وقعت عين سارة على المرآة.
ولأول مرة لاحظت إن الفستان اللي كانت فاكرة إنه مجرد هدية...
كان فيه تطريز صغير جدًا على الظهر.
حروف لم تنتبه لها من قبل.
قربت من المرآة...
وقرأت
سامحيني يا بندق...
تجمدت مكانها.
لأن كريم لم يكن يكتب
تم نسخ الرابط