عيال جوزي بقلم صافي هاني
إيه؟
متقلقش... هي بخير، لكن حصل لها هبوط شديد وإجهاد، والدكتور طلب تفضل تحت الملاحظة كام ساعة.
ليلى قامت من مكانها وهي بتعيط.
إحنا لازم نروح لها.
لكن جلال رفع إيده وقال
استنوا...
وقفل المكالمة.
كان واضح إنه متردد.
حازم لأول مرة قال بصوت هادي
بابا... لو سمحت... خدنا.
بعد أقل من ساعة...
كانوا واقفين قدام باب أوضة كريمة.
جلال خبط بخفة.
وجاله صوت الممرضة
اتفضلوا.
دخلوا.
كريمة كانت نايمة، وشها شاحب، والمحلول متعلق جنبها.
أول ما فتحت عينيها وشافتهم...
ملامحها اتغيرت.
مش غضب...
ولا فرحة...
مجرد هدوء غريب.
قالت بهدوء
خير؟
ليلى جريت عليها.
لكن كريمة رفعت إيدها برفق.
استني يا ليلى.
وقفت ليلى مكانها.
الكلمة دي وجعتها أكتر من أي حاجة.
حازم قرب خطوة وقال
إحنا... شفنا الرسالة.
كريمة هزت رأسها.
تمام.
وشفنا الفيديوهات.
كويس.
سكت ثواني، ثم قال بصعوبة
أنا... غلطت.
كريمة بصت له في عينيه.
لكنها ما ردتش.
هو كمل
لما قلت إنك مربتنيش... كنت بظلمك.
فضلت ساكتة.
الصمت كان أصعب من أي عتاب.
جلال قال بصوت مكسور
سامحينا يا كريمة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا.
وقالت
أنا مش زعلانة عشان كلمة.
كلهم بصوا لها.
وأضافت
أنا زعلانة لأنكم صدقتوا إن كل السنين دي كانت تمثيل.
الكلمات نزلت عليهم كأنها حمل ثقيل.
وقبل ما حد يرد...
خبط حد على باب الأوضة.
دخل المحاسب القانوني نفسه، وكان ماسك ظرفًا جديدًا.
نظر إلى كريمة وقال
آسف يا أستاذة... لكن وصل الرد الرسمي.
كريمة أخذت الظرف، قرأته بسرعة، ثم أغمضت عينيها للحظة.
جلال لاحظ ارتجاف إيدها.
قال بقلق
فيه إيه؟
رفعت كريمة نظرها إليه...
ثم قالت بهدوء
واضح إن حياتنا كلها هتتغير من النهارده...
وأعادت الظرف إلى الملف، دون أن تسمح لأحد برؤية ما بداخله جلال مد إيده ناحية الظرف.
ممكن أفهم؟
كريمة ضمته لصدرها بهدوء وقالت
مش دلوقتي.
المحاسب استأذن وخرج، وقبل ما يقفل الباب قال
أنا هستنى تحت، ولو احتجتِ أي حاجة كلميني.
ساد صمت طويل.
أخيرًا قالت كريمة
الورق ده يخصني أنا... لكن تأثيره هيطولكم كلكم.
حازم قال بقلق
يعني إيه؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
فاكرين البيت اللي عايشين فيه؟
جلال هز رأسه.
طبعًا.
فاكرين لما الشركة كانت هتعلن إفلاسها من سبع سنين؟
تنهد جلال وقال
أنسى إزاي...
كريمة بصت له وقالت
وقتها أنا مبعتش دهبي بس... أنا كمان رهنت الشقة الصغيرة اللي ورثتها عن أبويا.
جلال فتح عينيه بصدمة.
إيه؟!
أيوه... وأنا قلتلك وقتها متقولش لحد. كنت خايفة العيال يحسوا إنهم سبب في أزمة.
ليلى قربت منها وهي بتبكي.
إحنا ماكناش نعرف...
كريمة هزت رأسها.
وده كان اختياري.
ثم رفعت الظرف.
النهارده البنك بعت الرد.
سألها جلال بسرعة
رد على إيه؟
قالت بهدوء
بعد ما سبت البيت، قدمت طلب أفك الرهن وأبيع الشقة.
حازم استغرب.
ليه؟
ردت وهي تنظر من الشباك
عشان أبدأ من جديد... وأفتح حضانة للأطفال اليتامى باسم أبويا وأمي.
الجميع صمت.
ليلى همست
يعني... مش هترجعي البيت؟
كريمة لم تُجب مباشرة.
قالت فقط
فيه بيوت بنسيبها بإرادتنا... وفيه بيوت هي اللي بتخرجنا منها.
جلال نزل رأسه.
كان عارف إنها تقصد يوم سفرة الجمعة.
وفجأة...
رن هاتف كريمة.
نظرت إلى الشاشة، وابتسمت لأول مرة من أيام.
ردت
أيوه يا أستاذة منى...
سكتت لحظة وهي تسمع.
ثم قالت
بجد؟... الحمد لله.
أغلقت الهاتف.
نظر إليها الجميع في انتظار تفسير.
قالت وهي تمسك الظرف
واضح إن ربنا فتح لي باب جديد.
ليلى سألت بسرعة
باب إيه؟
ابتسمت كريمة، لكنها لم تجب.
واكتفت بالنظر إلى الظرف مرة أخرى...
بينما كان جلال يشعر أن الخبر الذي أخفته عنهم قد يكون أكبر بكثير مما يتخيلون خرجت كريمة من المستشفى بعد يومين.
لا رجعت البيت...
ولا طلبت من حد يوصلها.
استأجرت سيارة، وراحت مباشرة للمكان اللي كانت بتحلم بيه من سنين.
مبنى قديم، دورين، في شارع هادئ.
كانت واقفة قدامه وهي ماسكة مفتاح صغير، وابتسمت لأول مرة من قلبها.
المحاسب وقف جنبها وقال
مبروك يا أستاذة كريمة... إجراءات الشراء خلصت.
هزت رأسها وقالت
الحمد لله.
على الجانب الآخر...
كان البيت غارق في صمت غريب.
لا حد بيصحى بدري يحضر الفطار.
ولا حد بيفكر يشتري طلبات البيت.
حتى جلال بدأ يحس إن كل ركن في البيت فيه أثر لكريمة.
فتح دولاب المطبخ يدور على علبة الدوا بتاعه.
ملقهاش.
افتكر إنها كانت كل شهر تروح بنفسها تجيب العلاج قبل ما يخلص.
ليلى دخلت أوضتها.
فتحت درج المكتب.
لقيت كل أدوات الرسم اللي كانت كريمة بتشتريها لها، وكل فرشة كانت ملفوفة بورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيدها
اعملي اللي بتحبيه... النجاح محتاج صبر.
قعدت على الأرض تبكي.
أما حازم...
فنزل الجراج يدور على ملف العربية.
لقى ظرفًا صغيرًا باسمه.
فتحه.
كان فيه إيصال قديم، وتحت الإيصال ورقة مكتوب فيها
مبروك أول عربية يا حازم... يمكن متعرفش، لكني كنت فرحانة بيك أكتر منك.
أول مرة...
حازم انهار.
ضرب الحيطة بإيده وهو بيقول
أنا عملت فيها إيه...
في نفس الوقت...
كانت كريمة واقفة مع مهندس بيشرح لها تصميم المبنى.
قال لها
هنا هتبقى قاعة الأنشطة... وهنا أوضة المذاكرة... وهنا المكتبة.
ابتسمت وقالت
وأهم أوضة...
استغرب المهندس.
إيه هي؟
قالت
أوضة استقبال أي طفل يدخل وهو فاكر إن محدش بيحبه.
المهندس ابتسم دون أن يفهم سبب لمعان عينيها.
وبينما هما بيتكلموا...
وقفت عربية سوداء أمام المبنى.
نزل منها شخص ببدلة رسمية، ومعاه حقيبة جلد.
سأل أول عامل قابله
الأستاذة كريمة موجودة؟
العامل أشار إليها.
الرجل اتجه نحوها وقال باحترام شديد
حضرتك الأستاذة كريمة؟
أيوه.
فتح حقيبته، وأخرج ملفًا سميكًا.
ثم قال
أنا موفد من جهة خيرية كبيرة... ووصلنا خبر المشروع اللي حضرتك ناوية تعمليه.
كريمة نظرت إليه باستغراب.
أكمل الرجل
وفيه شخص... رفض يقول اسمه... قرر يمول جزءًا كبيرًا من المشروع.
اتسعت عينا كريمة.
وقالت بدهشة
مين؟
ابتسم الرجل وقال
ده بالضبط اللي جاي أبلغه لحضرتك... لكن قبل ما أقول الاسم، لازم أتأكد من حاجة واحدة...الرجل فتح الملف، ثم نظر إلى كريمة وقال
المتبرع اشترط شرطًا واحدًا... إن حضرتك لو وافقتِ، مش هتعرفي اسمه إلا بعد توقيع الأوراق.
ابتسمت كريمة وقالت بهدوء
لو التبرع فيه أي مصلحة أو مجاملة، أنا مش موافقة.
رد الرجل فورًا
بالعكس... الشرط الوحيد إن المكان يفضل يستقبل الأطفال المحتاجين مجانًا.
سكتت لحظة، ثم وقّعت.
ابتسم الرجل، وأخرج
ورقة أخيرة من الملف.
ناولها لكريمة.
أول ما قرأت الاسم... دموعها نزلت.
كان مكتوبًا
المتبرع جلال محمود.
في اللحظة نفسها، سمعت صوتًا خلفها
أنا اللي طلبت يخفوا اسمي.
لفّت بسرعة.
كان جلال واقفًا، وخلفه حازم وليلى.
لكنهم لم يأتوا كما كانوا دائمًا...
ولا واحد فيهم كان رافع رأسه.
تقدم حازم أولًا، ووقف أمام كريمة، ثم قال بصوت مكسور
أنا فضلت ألف وأدور على أي حاجة أقولها... ملقيتش غير كلمة واحدة.
وسكت لحظة قبل أن يكمل
آسف.
ثم أخرج من جيبه مفتاح السيارة.
وقال
العربية اللي حضرتك دفعتِ تأمينها وساعدتِني أجيبها... بعتها. ودي أول دفعة في المشروع.
ليلى كانت تبكي.
أخرجت حقيبة صغيرة فيها كل الهدايا الذهبية التي حصلت عليها على مدار السنين.
وقالت
أنا كمان بعتها... لأن اللي اداني قيمة الهدية أهم من الهدية نفسها.
أما جلال...
فاقترب من كريمة وقال
أنا غلطت لما سكت يوم كانوا بيكسروا قلبك. السكوت كان أسوأ من الكلام.
ثم مد لها ملفًا.
فتحت الملف.
كان عقد نقل نصف ملكية البيت باسمها.
قال بهدوء
البيت ده وقف على رجليه بسبب تعبك. ومن العدل يبقى ليكي حق فيه.
كريمة أغلقت الملف دون أن توقع.
ونظرت إليهم جميعًا.
وقالت
أنا مش محتاجة بيت... أنا كنت محتاجة مكانة في قلوبكم.
ساد الصمت.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
النهارده لأول مرة... حسيت إن تعبي ما راحش هدر.
اقتربت ليلى منها ببطء، وقالت وهي تبكي
ينفع... لو تسمحيلي... أناديكي يا ماما؟
تجمدت كريمة مكانها.
الكلمة التي لم تطلبها يومًا...
جاءت وحدها، بعد اثني عشر عامًا من الصبر.
ضمتها إلى صدرها وهي تبكي، ثم فتح حازم ذراعيه هو الآخر، واجتمع الثلاثة في حضن واحد.
أما جلال، فوقف ينظر إليهم وعيناه تفيضان بالدموع، وحمد الله أن بيته لم ينجُ بالمال... بل عاد إليه بالاعتراف بالفضل.
وبعد عام واحد...
افتُتحت الدار رسميًا، واستقبلت عشرات الأطفال.
وعلى اللافتة عند المدخل لم يُكتب اسم كريمة وحدها، بل كُتبت عبارة اختارتها بنفسها
الأم ليست من أنجبت فقط... الأم هي من احتوت، وضحّت، وربّت، وأحبت.
تمت.