عمي ضغط علي ابنه بقلم اماني سيد
المحتويات
خبط بعنف.
دخل مدير الشؤون القانونية وهو بيقول بسرعة
يا فندم... في لجنة مراجعة وصلت فجأة، وبتطلب كل ملفات الإدارة والعقود اللي اتوقعت آخر سنة.
عمه وقف فورًا، وبص ناحية الباب.
وفي نفس اللحظة، كان منير واقف في الخارج، ووشه شاحب لأول مرة، كأنه عارف إن الساعات الجاية هتحدد مستقبله كله.
أما أنا، فبدأت أفهم إن اللي كنت فاكراه نهاية حياتي... يمكن يكون بداية انكشاف الحقيقة كاملة، وإن الأيام القادمة هتحسم كل شيء دون حاجة لأي انتقام، بل بما ستكشفه الوقائع نفسها عمّي خرج من قاعة الاجتماعات بخطوات سريعة، وأنا مشيت وراه. أول ما وصلنا للممر، كانت لجنة المراجعة واقفة بالفعل، ومعاهم حقائب مليانة ملفات وأجهزة.
منير حاول يبتسم وقال بثقة مصطنعة
أهلًا بحضراتكم... لو كنتوا بلغتونا قبلها كنا جهزنا كل حاجة.
رئيس اللجنة رد بهدوء
المراجعات المفاجئة مبتبقاش بميعاد.
سكت منير، لكن إيده كانت بتضغط على الموبايل بعصبية.
عمّي لاحظ الحركة وقال بصوت حازم
منير... حط تليفونك على المكتب.
اتجمد مكانه.
ليه يعني؟
عشان محدش يكلم أي قسم قبل ما اللجنة تبدأ شغلها.
اضطر يحط الموبايل قدام الجميع.
بدأت اللجنة تراجع الملفات، وبعد أقل من نص ساعة، أحد المراجعين رفع ملف وقال
في عقد هنا ناقص آخر صفحة.
رد منير بسرعة
أكيد خطأ في الأرشفة.
لكن مسؤول الأرشيف، وهو رجل كبير بقاله سنين في الشركة، اتكلم لأول مرة وقال
مستحيل... النسخة الكاملة كانت عندي الأسبوع اللي فات.
الكل بص له.
منير اتوتر وقال بانفعال
يمكن حضرتك ناسي.
الرجل هز رأسه بثقة
أنا مبنساش شغلي.
في اللحظة دي، دخل عامل قديم في الشركة وهو ماسك صندوق كرتون صغير.
قال
يا فندم... وأنا بنضف المخزن لقيت الصندوق ده عليه اسم الإدارة.
فتحوا الصندوق.
كان جواه مجموعة ملفات قديمة، وبينها النسخة الأصلية للعقد الناقص.
أخذها رئيس اللجنة، وقارنها بالنسخة الموجودة في الإدارة.
بعد ثوانٍ رفع رأسه وقال
الصفحة الأخيرة متبدلة.
ساد الصمت.
عمّي بص لمنير وقال بهدوء شديد، لكن صوته كان مليان غضب
تقدر تفسر ده؟
منير فتح بقه، لكنه ما لقى أي رد.
أما رانيا، التي كانت تتابع من بعيد، اختفت ابتسامتها تمامًا، وبدأ القلق يظهر على ملامحها وهي تشعر أن الأمور خرجت من سيطرة الجميع، وأن الحقيقة بدأت تنكشف خطوة بعد خطوة منير أخد نفسًا عميقًا وقال بسرعة
أكيد في حد بيلبسني الموضوع... أنا معملتش حاجة.
رئيس لجنة المراجعة ما ردش عليه، لكنه سلّم العقد للمستشار القانوني وقال
هنراجع كل التوقيعات قبل ما نحكم.
في اللحظة دي، عمّي لف ناحيتي وقال
من النهارده، هتحضري كل اجتماعات المراجعة معايا.
منير رفع صوته لأول مرة
ليه هي؟ دي مجرد موظفة!
عمّي بص له نظرة حادة وقال
لأنها بقت شريكة في اللي بيحصل، ولازم تعرف الحقيقة بنفسها.
ساد الصمت.
بعد دقائق، دخل مدير تقنية المعلومات وهو ماسك جهاز تخزين صغير وقال
يا فندم... أثناء مراجعة السيرفر، لقينا نسخة احتياطية من الملفات قبل ما تتعدل.
الكل اتلفت ناحيته.
وصل الجهاز بالكمبيوتر، وظهرت النسخة الأصلية للعقود، ومعاها سجل يوضح مواعيد التعديلات والأجهزة اللي خرجت منها.
منير بدأ يتصبب عرقًا، لكنه حاول يتمالك نفسه.
وقبل ما حد يتكلم، قال مسؤول الأمن
في حاجة كمان.
ووضع على الطاولة دفتر تسجيل الدخول لغرفة الأرشيف.
فتح رئيس اللجنة الصفحة الخاصة بتاريخ تعديل العقد، فظهر اسم الشخص الذي استخدم بطاقة الدخول في ذلك اليوم.
نظر الجميع إلى الدفتر في توتر شديد...
أما منير، فبقي ثابتًا في مكانه، وعيناه معلقتان على الاسم، وكأنه يدرك أن السطر التالي سيغيّر كل ما حاول إخفاءه طوال الشهور الماضية اقترب رئيس اللجنة، وقرأ الاسم بصوت هادئ.
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم قال
بطاقة الدخول المستخدمة كانت باسم... منير.
شهقت رانيا وهي ترجع خطوة للخلف، أما منير فهز رأسه بسرعة وقال
مستحيل! أي حد يقدر يستخدم البطاقة لو كانت معاه.
رد مسؤول الأمن فورًا
كل بطاقة بتحتاج بصمة صاحبها وقت الدخول.
عمّي سأل بهدوء
وفيه سجل بالبصمة؟
أومأ الرجل برأسه، وأخرج تقريرًا مطبوعًا.
تصفحه رئيس اللجنة، ثم قال
البطاقة والبصمة متطابقين.
حاول منير يتكلم، لكن الكلمات خانته.
في اللحظة دي وقف عمّي، وسحب من جيبه مفتاحًا صغيرًا، وفتح الخزنة الموجودة داخل مكتبه.
أخرج منها ظرفًا أبيض مختومًا بالشمع.
نظر إليّ وقال
الظرف ده كتبته من شهرين، وسيبته عند المستشار القانوني والخزنة دي، عشان لو شكوكي طلعت في محلها.
فتح الظرف أمام الجميع.
كان بداخله قرار موقع منه، ينص على أن حق إدارة الشركة لن ينتقل إلى منير إلا بعد انتهاء المراجعة المالية والإدارية بالكامل، وإذا ثبت أي تلاعب تُلغى كل قرارات تسليمه الإدارة.
قرأ المستشار القرار بصوت مسموع.
تغير لون وجه منير تمامًا.
صرخ بانفعال
يعني حضرتك كنت شاكك فيا من البداية؟!
رد عمّي بحزن
أنا كنت بثق فيك... لكن تصرفاتك هي اللي خلتني أشك.
ثم التفت إليّ وقال أمام الجميع
أنا غلطت لما زجيتك في الجوازة دي وربطتها بالشركة. وحقك عليّ.
كانت أول مرة أسمع منه اعتذارًا.
أما رانيا، فاقتربت بخطوات مترددة وقالت بصوت منخفض
أنا... أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن العقود ولا الإدارة.
رئيس اللجنة نظر إليها وقال
وده هيتحدد بعد مراجعة كل الأوراق وسماع أقوال الجميع.
وقبل أن ينتهي الاجتماع، دخل أحد الموظفين مسرعًا وهو يحمل ظرفًا وصل للتو بالبريد الداخلي.
قال وهو يلهث
الظرف ده كان متأجل تسليمه من أسبوع... ومكتوب عليه يُسلَّم لرئيس مجلس الإدارة فقط.
نظر عمّي إلى الظرف، ولاحظ أن المرسل لم يكتب اسمه.
فتح الظرف ببطء...
وما إن أخرج الورقة التي بداخله، حتى اتسعت عيناه في دهشة، وقال بصوت خافت
إزاي...؟!
رفع رأسه ونظر مباشرة إلى منير، بينما بقي الجميع في انتظار معرفة ما الذي كُتب في تلك الرسالة، والتي بدا أنها ستكشف سرًا أكبر مما توقعه أي شخص عمّي فضل ماسك الورقة ثواني، وعينيه بتتحرك بين السطور من غير ما ينطق.
منير فقد أعصابه وقال
ما تقول يا بابا... فيها إيه؟
رفع عمّي الورقة ووضعها أمام المستشار القانوني.
قرأها المستشار، ثم نظر إلى منير بدهشة وقال
الرسالة دي بتقول إن في مستندات أصلية تخص الشركة اتحفظت في خزينة بأحد البنوك، وإن صاحب الرسالة عمل كده خوفًا من ضياعها.
سأل عمّي
وفيها اسم؟
هز المستشار رأسه
لا... لكن فيها رقم الخزينة والمفتاح.
أخرج عمّي المفتاح الصغير الذي كان مع الظرف، وقال
يبقى لازم نروح دلوقتي.
بعد ساعة، كانوا جميعًا داخل البنك بحضور المستشار القانوني ولجنة المراجعة.
فتح موظف البنك الخزينة، وأخرج صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
وُضع الصندوق على الطاولة، وفتحه عمّي بنفسه.
كان بداخله ملفات أصلية، ودفتر ملاحظات مكتوب بخط يد المدير المالي السابق للشركة، الذي كان قد أحيل إلى التقاعد قبل عام.
فتح الدفتر، فوجد في أول صفحة عبارة
إذا وصل هذا الدفتر إلى رئيس مجلس الإدارة، فاعلم أنني لم أستطع الكلام وأنا في عملي، لكن ضميري لم يسمح لي أن أموت بالحقيقة.
بدأ الجميع يقرأ.
كان الدفتر يوثق مخالفات إدارية وقرارات اتُّخذت دون استكمال الإجراءات، ويحدد التواريخ والمستندات المرتبطة بها، ويطلب مراجعتها بدقة. لم يتهم أحدًا بشكل قاطع، لكنه أشار إلى وقائع تستحق التحقيق.
أغلق عمّي الدفتر وقال بحزم
من النهارده، أي نتيجة هتكون مبنية على الأدلة فقط... لا على القرابة ولا على الكلام.
ثم نظر إلى منير وقال
لحد انتهاء التحقيق، أنت موقوف عن إدارة الشركة.
خرج منير من البنك صامتًا، ولأول مرة لم يجد كلمة يدافع بها عن نفسه.
أما أنا، فشعرت أن الطريق ما زال طويلًا، لكن الحقيقة بدأت تظهر، وأن العدالة لن تأتي بالصراخ أو الانتقام، بل بما ستثبته
متابعة القراءة