ركبت نفس الطيارة بقلم زيزي احمد
ركبت نفس الطيارة بالصدفة... ولقيت جوزي قاعد مع سكرتيرته، لكن السر اللي اكتشفته كان أخطر بكتير من اللي تخيلته.
على ارتفاع 30 ألف قدم، في رحلة من القاهرة لأسوان، اكتشفت مريم إن جوزها كريم مخبي عنها حاجة كبيرة بقالها شهور... لكن عمرها ما كانت تتوقع إنها هتغير حياتهم كلهم.
مريم عندها 32 سنة، مديرة تنفيذية ناجحة في شركة مقاولات كبيرة، وكريم عنده 35 سنة، مدير تجاري في شركة شحن ونقل.
جوازهم بقاله 8 سنين، ورغم ضغط الشغل، علاقتهم كانت مستقرة.
لكن آخر كام شهر، كريم بقى يسافر كتير، وكل مرة يقول إن عنده اجتماعات وصفقات.
كان متوتر على طول، ويقفل أوضة المكتب بالساعات، ولما مريم تسأله يقول
اصبري شوية... أول ما ينتهي الموضوع هتعرفي كل حاجة.
وفي يوم السفر، قالها إنه رايح إسكندرية في اجتماع مهم.
أما هي، فاتطلب منها بشكل مفاجئ تحضر مؤتمر في أسوان، فحجزت على أول طيارة من غير ما تعرف إنه على نفس الرحلة.
بعد ما الطيارة أقلعت، سمعت صوته.
الملف ده لازم يفضل معانا... وما ينفعش حد يشوفه.
بصت لقدام، ولقيت كريم قاعد في الدرجة الأولى، وجنبه سكرتيرته ندى، وبينهم حقيبة سوداء صغيرة مقفولة بقفل إلكتروني.
مكانوش بيضحكوا ولا بيتكلموا كلام شخصي.
كانوا بيتبادلوا ملفات وأوراق، وكل شوية يبصوا حواليهم كأنهم خايفين حد يراقبهم.
استغربت.
لو مجرد شغل... ليه كل السرية دي؟
وليه كدب عليها وقال إنه رايح إسكندرية؟
فضلت تتابعهم من بعيد.
بعد شوية، راجل غريب مر من جنبهم، وحط ظرف بني فوق الكرسي من غير ما يتكلم، وكمل طريقه.
كريم أخد الظرف بسرعة وحطه جوه الحقيبة.
ندى همست
لازم نسلمه قبل الساعة أربعة... وإلا هيكون فات الأوان.
في اللحظة دي، مريم حست إن الموضوع أكبر من مجرد اجتماع.
قامت بهدوء، ومشيت لحد ما وقفت قدامهم.
أول ما كريم شافها، اتصدم.
وقال
مريم؟! إنتِ هنا؟
ابتسمت وقالت
واضح إننا رايحين نفس المكان... بس الغريب إنك قلتلي إسكندرية.
بص حواليه بتوتر، وقال بصوت واطي
مش هينفع أشرح دلوقتي.
قالت
يبقى هتشرح أول ما الطيارة تنزل... لأن واضح إن في حاجة مستخبية عني.
وقبل ما يرد...
رن موبايل كريم.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
الاسم اللي ظهر كان
لا ترد... إلا لو كل حاجة اتكشفت.
كريم قفل الموبايل بسرعة، لكن بعد ثواني وصلته رسالة واحدة، قرأها فاتجمد مكانه.
أما مريم، فلمحت أول سطر منها بالصدفة
لو مراتك وصلتلك... افتح الظرف فورًا. الحقيقة كلها جواه مريم فضلت واقفة مكانها، وعينيها بين كريم والظرف البني اللي كان ماسكه بإيده كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
قالت بهدوء غريب
واضح إن في حد بيراقبك... ومش فاهمة ليه.
كريم أخد نفس طويل، وبص لندى، وكأنه بيستأذنها يتكلم.
لكن ندى هزت راسها بسرعة وقالت بصوت واطي
لأ... مش هنا.
الجملة دي زودت شك مريم أكتر.
ردت ببرود
يعني حتى الكلام بقى ممنوع؟
وقبل ما حد يرد، الطيارة دخلت في مطب هوائي خلى معظم الركاب يتمسكوا بالكراسي.
في اللحظة دي، الظرف وقع من إيد كريم واتفتح جزء صغير منه.
ورقة واحدة خرجت منه واتزلقت تحت رجل مريم.
انحنت تاخدها.
لكن كريم سبقها بسرعة وخطفها من الأرض.
لأول مرة في حياتها تشوفه بالشكل ده.
وشه شاحب... وإيده بتترعش.
قال بعصبية
متلمسيش الورق ده.
سكتت لحظة... وبعدين ابتسمت ابتسامة خلت كريم يقلق أكتر.
أنا مش محتاجة ألمسه... لأن خوفك منه قاللي إنه أهم من أي كلام.
في الوقت ده، لاحظت المضيفة التوتر، فقربت منهم وسألت
في أي مشكلة يا فندم؟
رد كريم بسرعة
لأ... كل حاجة تمام.
لكن قبل ما المضيفة تمشي، راجل كان قاعد في الصف اللي وراهم نادى عليها وقال
لو سمحتِ... ممكن تبلغي الكابتن إن الحقيبة السودا دي لازم تفضل مع أصحابها ومحدش يقرب منها.
الجملة كانت غريبة.
المضيفة استغربت، لكن هزت راسها ومشيت.
مريم بصت للراجل لأول مرة.
كان لابس بدلة كحلي ونضارة سودة، ومن ساعة ما ركبت الطيارة وهو تقريبًا مبيتحركش.
الأغرب...
إنه كان باصص على كريم طول الوقت.
ندى همست بخوف
هو لحقنا...
رد كريم من بين سنانه
اهدَي... يمكن يكون مجرد صدفة.
لكن الراجل طلع موبايله، وبص فيه ثواني، وبعدها رفع عينه مباشرة على كريم... وعمل بإيده إشارة صغيرة جدًا، كأنها كلمة سر.
في اللحظة دي، كريم قبض على الحقيبة بقوة.
ومريم بدأت تحس إن السر اللي مستخبي جواها أخطر بكتير من أي حاجة كانت متخيلاها.
وبعد دقائق قليلة...
انطفأت كل شاشات الطيارة فجأة لثوانٍ.
ولما النور رجع...
كانت الحقيبة السوداء اختفت من تحت كرسي كريم... وكأنها تبخرت كريم اتجمد في مكانه أول ما بص تحت الكرسي.
الحقيبة... راحت فين؟!
ندى قامت واقفة وهي بتلف بعينيها في كل الاتجاهات، وصوتها بقى بيرتعش
كانت هنا... والله كانت هنا.
مريم عقدت دراعاتها وقالت
واضح إنكم ضيعتوا حاجة مهمة جدًا.
كريم لأول مرة بص لها من غير ما يحاول يبرر، وقال بنبرة كلها قلق
مريم... لو سمحتي، أيًا كان اللي هتشوفيه دلوقتي، متدخليش.
لكنها تجاهلت كلامه.
في نفس اللحظة، الراجل اللي كان قاعد وراهم قام بهدوء، وعدّى في الممر كأنه رايح الحمام.
كريم لحقه بسرعة.
ندى فضلت مكانها، لكنها كانت بتبص في ساعتها كل ثواني، وكأنها مستنية معاد معين.
مريم قررت تمشي ورا كريم من غير ما ياخد باله.
وصلت لآخر الطيارة، ولقت باب المطبخ نص مفتوح.
سمعت أصوات واطية.
الراجل الغريب قال
كنت فاكر إنك هتوصلها بنفسك.
رد كريم بغضب مكتوم
إحنا اتفقنا إنها متخرجش غير بعد ما نستلم النسخة الأصلية.
الراجل ضحك ضحكة قصيرة وقال
للأسف... الخطة اتغيرت.
وقبل ما مريم تسمع باقي الكلام، المضيفة خرجت من المطبخ فجأة، فاضطرت ترجع بسرعة لمكانها.
بعد دقائق، رجع كريم لوحده.
كان شكله مختلف.
الكرافتة مفكوكة، وجبينه عليه عرق، وإيده اليمين فيها خدش صغير كأنه اتخانق مع حد.
ندى أول ما شافته سألت بسرعة
لقيتها؟
هز راسه بالنفي.
سبقونا.
الكلمة وقعت على قلب مريم زي الحجر.
سبقونا؟
يعني في ناس تانية داخلة في الموضوع.
بعد شوية، الكابتن أعلن إن الطيارة هتتأخر في الهبوط عشرين دقيقة بسبب ازدحام المجال الجوي.
أول ما الإعلان خلص، رن تليفون الأقمار الصناعية الموجود مع أحد أفراد الطاقم.
المضيفة أخدته، ووشها اتغير وهي بتسمع.
بعدها بصت مباشرة ناحية كريم.
ومشت ناحيته وقالت بصوت منخفض
في رسالة لحضرتك.
استغرب وقال
ليّا أنا؟
ناولته ورقة صغيرة مطوية.
فتحها بسرعة...
وكل ملامحه اتبدلت.
شد الورقة وقفلها في ثانية، لكن مريم لمحَت جملة واحدة قبل ما يخبيها
متحاولش تدور على الحقيبة... لأنها وصلت لصاحبها الحقيقي.
كريم قفل عينيه للحظة، ثم لف ناحية ندى وقال
واضح إن اللعبة بدأت... وإحنا متأخرين خطوة ندى بلعت ريقها وقالت بصوت مخنوق
يعني هو عرف إننا على الطيارة؟
كريم رد وهو بيبص حواليه بحذر
واضح إن حد سرب خط سيرنا... وإلا مستحيل يكون سبقنا.
مريم كانت لسه مش فاهمة الصورة كاملة.
كل اللي قدامها إن جوزها مخبي عنها سر ضخم، وسكرتيرته داخلة فيه، وفي ناس تانية بتتحرك ضدهم.
لكن ليه؟
وفين الحقيبة؟
وفجأة، اتكلم صوت في سماعات الطيارة
نعتذر من السادة الركاب... هنضطر نعمل مراجعة سريعة لبعض الأمتعة قبل الهبوط، ونرجو من الجميع عدم مغادرة أماكنهم.
الكلام كان غريب.
الركاب بصوا لبعض باستغراب.
أما كريم، فوشه شحب أكتر.
همس لندى
وصلوا.
ردت بخوف
يعني هيطلعوا يدوروا؟
هز راسه وهو بيضغط على أسنانه.
بعد أقل من دقيقة، دخل اتنين لابسين زي موظفي أمن المطار، ومعاهم قائد الضيافة.
بدأوا يعدوا بين الصفوف بهدوء، لكن مريم لاحظت إنهم مش بيفتشوا كل الشنط.
كانوا بيسألوا عن أرقام مقاعد معينة بس.
لما قربوا من كريم، واحد منهم قال
أستاذ كريم منصور؟
كريم رد بثبات رغم توتره
أيوه.
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
ممكن حضرتك تيجي معانا