ركبت نفس الطيارة بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

الجانبين أرفف حديد فاضية، كأن المكان متساب من سنين.
مشوا بحذر.
كل خطوة كانت بتعمل صدى في المكان.
وفجأة...
سمعوا صوت جهاز بيشتغل لوحده.
بيب... بيب... بيب...
الصوت كان جاي من آخر الممر.
لما قربوا، لقوا مكتب قديم فوقه جهاز لابتوب شغال.
الشاشة كانت منورة، رغم إن المكان كله مقطوع عنه الكهربا.
ندى قربت وهمست
إزاي اللابتوب شغال؟
كريم مد إيده يقفل الشاشة.
لكن قبل ما يلمسها...
اشتغل فيديو تلقائي.
ظهر راجل وشه مش واضح، وصوته متغير إلكترونيًا.
قال
لو أنتم بتشوفوا الرسالة دي... يبقى وصلتوا قبلهم.
التلاتة سكتوا.
الراجل كمل
قدامكم عشر دقايق بس... بعدها المخزن هيبقى أخطر مكان ممكن تقفوا فيه.
ثم رفع ظرف أصفر قدام الكاميرا وقال
المستند اللي بتدوروا عليه... مش هنا.
وسكت ثانيتين...
وأضاف
لكنه قريب جدًا منكم... لدرجة إن واحد فيكم لمسه بإيده أكتر من مرة، من غير ما يعرف مريم وكريم وندى بصوا لبعض في نفس اللحظة.
أول واحدة اتكلمت كانت مريم.
يعني إيه واحد فينا لمسه؟
الفيديو كمل لوحده.
الصوت الإلكتروني قال
فكروا كويس... من أول ما ركبتوا الطيارة، كام حاجة اتبدلت؟ كام ظرف اتسلم؟ كام شنطة اختفت؟
وبعدين الشاشة اسودت فجأة.
ساد صمت تقيل.
ندى قالت وهي بتحاول تفتكر
إحنا شوفنا الظرف البني... والظرف الأبيض... والبطاقة... والمفتاح...
كريم قاطعها
لا... في حاجة تانية.
مريم افتكرت فجأة.
الكيس الأسود!
كريم هز راسه.
اختفى.
ندى قالت
يبقى هو اللي كان فيه المستند.
لكن كريم فضل ساكت، وعينه على المكتب.
مد إيده وفتح درج صغير.
كان فاضي...
إلا من دفتر ملاحظات قديم.
أول صفحة مكتوب فيها تاريخ راجع لأربع سنين.
وآخر صفحة فيها جملة واحدة بخط كبير
لو وصلتوا لحد هنا، متدوروش على الورق... دوروا على الشخص اللي خباه.
وفجأة...
سمعوا صوت باب حديد بيتقفل بقوة.
رجعوا جري ناحية المدخل.
الباب اللي دخلوا منه كان اتقفل.
مريم حاولت تفتحه.
مفيش فايدة.
ندى بدأت تقلق.
إحنا اتحبسنا.
في نفس اللحظة، اشتغلت لمبات صفراء قديمة في سقف المخزن، واحدة ورا التانية.
نور خافت كشف عن حاجة ماكانوش شايفينها في الضلمة.
على كل رف من الأرفف كان فيه صندوق خشب مقفول.
وكل صندوق عليه رقم.
1...
2...
3...
لحد...
17.
لكن الصندوق رقم 17 كان الوحيد المفتوح.
ولما كريم قرب منه...
لقاه فاضي.
بس في قاعه كانت فيه ورقة صغيرة مطوية.
فتحها ببطء.
مريم وندى قربوا يشوفوا.
كان مكتوب فيها
تأخرتوا سبع دقائق.
وتحتها مباشرة
لكن لسه عندكم فرصة أخيرة... لو قدرتوا تعرفوا مين فيكم اتراقب من أول يوم.
في اللحظة دي، سمعوا خطوات بطيئة جاية من آخر المخزن.
خطوة...
ثم خطوة تانية...
ثم صوت عصاية بتخبط في الأرض بإيقاع ثابت.
لكن الشخص اللي كان بيقرب منهم... لسه ما ظهرش من بين الأرفف الخطوات كانت بتقرب ببطء شديد...
تك...
تك...
تك...
كل خبطة عصاية كانت بتعمل صدى في المخزن، لحد ما ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، ولابس بدلة رمادي قديمة.
وقف على بعد كام متر منهم، وبص لهم واحد واحد.
الغريب إنه أول ما شاف كريم، ابتسم وقال
كنت متأكد إنك هتوصل... بس مكنتش متوقع توصل متأخر.
مريم اتقدمت خطوة.
حضرتك مين؟
الراجل تجاهل السؤال، وبص على الفلاشة اللي في إيدها.
لسه معاكي... كويس.
كريم قال بحزم
إحنا نفذنا كل اللي اتطلب.
الراجل هز راسه.
لأ... أنتم نفذتوا نص اللي اتطلب.
وبعدين شاور على الصندوق رقم 17.
فتحتوه؟
أيوه.
ولقيتوا الورقة.
أيوه.
ابتسم الراجل وقال
يبقى الرسالة وصلتلهم قبلكم.
ندى سألت بتوتر
مين هما؟
قبل ما الراجل يرد، سمعوا صوت محرك عربية وقف برة المخزن.
بعده بثواني...
نور كشافات قوية دخل من شبابيك المخزن المكسورة.
الراجل الكبير بص من الشباك، واتغيرت ملامحه.
وقال بهدوء
واضح إن ضيوفنا وصلوا.
كريم جري ناحية الشباك، وبص برة.
كان فيه تلات عربيات سودا وقفت قدام البوابة الرئيسية.
نزل منها كذا شخص، وكل واحد ماسك جهاز اتصال.
لكن اللي لفت نظر مريم...
إن واحد منهم كان شايل ملف أزرق.
نفس اللون اللي شافته في إيد كريم مرة قبل كده وهو في البيت، قبل شهور، ولما سألته عنه قال لها إنه مجرد أوراق شغل.
الراجل الكبير لف ناحيتهم بسرعة وقال
اسمعوني كويس... من اللحظة دي، أي كلمة هتتقال لازم تتحسب.
وبعدين طلع من جيبه مفتاح صغير جدًا، مختلف عن الأول.
وحطه في إيد مريم.
وقال
لو حصل أي حاجة... أوعي تدي المفتاح ده لحد.
مريم سألته
بيفتح إيه؟
رد وهو بيبص ناحية باب المخزن اللي بدأت حدوده تتحرك من بره
ده... اللي الكل بيدور عليه.
وفي نفس اللحظة، دوى صوت خبط عنيف على الباب الرئيسي...
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
ثم سمعوا صوت حد بيصرخ من الخارج
افتحوا الباب... إحنا جايين قبل ما يوصلوا!
التلاتة بصوا لبعض في حيرة.
لأنهم كانوا شايفين العربيات قدام الباب...
لكن الصوت اللي بينادي عليهم... كان جاي من الناحية التانية تمامًا للمخزن النهاية
مريم بصت ناحية الصوت، ثم للعربيات اللي واقفة قدام الباب الرئيسي.
قال الراجل الكبير بسرعة
لو فتحتوا الباب الغلط... كل حاجة هتضيع.
كريم أخد نفسًا عميقًا وقال
أنا هروح أشوف.
مسكه الراجل من دراعه.
لأ... المرة دي القرار لمريم.
مريم استغربت.
أنا؟
هز رأسه وقال
من أول يوم وإنتِ الوحيدة اللي محدش قدر يتوقع هتكوني موجودة. علشان كده كل الخطة اتغيرت.
وقفت مريم لحظة، وافتكرت كل اللي حصل من أول ركوب الطيارة... الرسائل، الظرف، الفلاشة، المفتاح، والمخزن.
وفجأة فهمت.
بصت لكريم وقالت
كل ده ماكنش علشان مستند... صح؟
ابتسم الراجل لأول مرة.
أخيرًا.
أخذ الفلاشة من إيد مريم، ووصلها باللابتوب الموجود على المكتب.
ظهرت عشرات الملفات.
لم تكن تحويلات أموال ولا صفقات سرية.
كانت عقود مزورة، وفواتير مضروبة، وتسجيلات تثبت أن مجموعة من كبار الموظفين في أكثر من شركة كانوا بيستغلوا أسماء الشركات لسرقة ملايين الجنيهات على مدار سنين، بينما المديرين الحقيقيين لا يعلمون شيئًا.
كريم كان أول واحد اكتشف التلاعب.
ولأنه رفض يشاركهم، بقى هدفًا لهم.
أما ندى، فكانت بتساعده تجمع الأدلة وتحافظ عليها بعيد عن أعين المتورطين.
ولذلك كان كريم بيكذب على مريم في السفر، مش لأنه بيخونها...
لكن لأنه كان عارف إن أي حد يقرب منه هيبقى في خطر.
في اللحظة دي، الراجل الكبير ضغط زرًا في اللابتوب.
خلال ثوانٍ، ظهرت رسالة
تم إرسال جميع الملفات إلى الجهات المختصة بنجاح.
في الخارج، سمعوا أصوات العربيات وهي بتتحرك بسرعة.
المتورطون فهموا إن اللعبة انتهت.
هربوا قبل ما توصل قوات الأمن بدقائق.
بعد أقل من ربع ساعة، وصلت الجهات المختصة للمخزن، واستلمت النسخ الأصلية والملفات.
وخلال أسابيع، تم القبض على عدد كبير من المسؤولين المتورطين، واتفتحت أكبر قضية فساد شهدها القطاع من سنوات.
رجعت مريم البيت مع كريم، لكن الصمت كان بينهم طويل.
وقف كريم قدامها وقال
أنا غلطت لما خبيت عنك... حتى لو كنت بعمل كده أحميكي.
ردت مريم وهي تبصله
الثقة مش معناها إننا نعرف كل حاجة... لكن معناها إننا منخليش اللي بنحبه يعيش في شك.
مد إيده لها وقال
تديني فرصة أصلح اللي اتكسر؟
ابتسمت بعد لحظة صمت، ومسكت إيده.
وقالت
المرة دي... من غير أسرار.
وبعد سنة...
كانوا واقفين مع بعض في افتتاح شركة جديدة، أسسوها بعد ما قرر كريم يسيب شغله القديم.
أما ندى، فبقت شريكة في إدارة الشركة بعد ما اتكرمت على شجاعتها ومساعدتها في كشف الحقيقة.
ومريم كل ما تفتكر الرحلة دي، تبتسم وتقول
أغرب رحلة في حياتي بدأت بشك... وانتهت بكشف حقيقة أنقذت ناس كتير.
تمت.

تم نسخ الرابط