جوزي قالي بقلم زيزي
المحتويات
التليفون.
فجأة قفل الخط.
وسابني مع ألف سؤال...
يا ترى إيه المشكلة اللي محدش عايزني أعرفها قبل ما أسافر؟ وهل فعلًا كانت أزمة شغل... ولا كانت الحقيقة أخطر بكتير؟تاني يوم الصبح، قررت إني مش هافضل عايشة على التخمين.
اتصلت بيه مرة تانية.
المرة دي رد.
قلتله من غير مقدمات
أنا مش هركب الطيارة غير لما أعرف الحقيقة.
فضل ساكت شوية...
وبعدين قال بصوت واطي
الحقيقة هتزعلِك.
قلت
الوجع اللي أنا فيه دلوقتي أصعب من أي حقيقة.
أخد نفس طويل وقال
أنا اتعرضت لعملية نصب.
اتصدمت.
حكى إنه دخل مع واحد صاحبه في مشروع صغير، وحط فيه معظم فلوسه، على أمل يزود دخله وينزل مصر كل سنة بدل كل أربع سنين.
لكن الشريك اختفى.
وسابه بديون.
ولما مقدرش يسدد، اضطر يسيب الشقة اللي كان ساكن فيها، وانتقل يقعد عند أخوه مؤقتًا.
قلتله
طيب ليه خبيت عليا؟
قال
كنت مكسوف... وخفت تبصيلي إني فشلت.
قلت وأنا دموعي نازلة
الفشل مش إنك تخسر فلوس... الفشل إنك تخسر ثقة مراتك.
سكت...
ولأول مرة من شهور، سمعته بيعيط.
قال
وأبويا أول ما عرف، قال لازم ييجي هو وأمّي معاكم، علشان لو حصل أي حاجة أو مقدرتش ألاقي سكن، نبقى كلنا مع بعض.
ساعتها بدأت أفهم جزء من الصورة...
لكن لسه فيه حاجة مش راكبة.
قلتله
طيب والبنت اللي كانت كاتبة مبروك عليكم البيت الجديد؟
سكت تاني...
وقال
دي مرات أخويا... كانت بتباركلهم على البيت اللي اشتروه، وأنا كنت واقف في الصورة معاهم.
طلبت منه يبعتلي الصورة كاملة.
وبعد دقائق بعتها.
ولما شوفتها...
فعلاً كانت مرات أخوه، وأولاده، وأهله كلهم واقفين، وهو كان واقف في آخر الصف.
ساعتها حسيت إني ظلمته في النقطة دي...
لكن في نفس الوقت، حسيت إنه هو كمان ظلمني لما سابني أعيش كل الخوف ده لوحدي.
وقلتله آخر كلام
أنا ممكن أستحمل الضيق، وأستحمل قلة الفلوس، وأبدأ معاك من الصفر... لكن عمري ما هقدر أستحمل الكدب وإخفاء الحقيقة.
وساعتها... سكت هو، لأن لأول مرة فهم إن أصعب خسارة مش كانت الفلوس...
كانت الثقة بعد المكالمة دي، قعدت يومين كاملين ماخدتش أي قرار.
كل ما أبص على شنط السفر أقول أسافر؟
وأول ما أفتكر طريقته وهو بيقولي إنتِ ملكيش رأي... أحس إني مش قادرة.
في اليوم التالت، جوزي اتصل.
لكن المرة دي صوته كان مختلف.
هادئ...
ومتكسر.
قال
أنا غلطت.
استنيت يكمل.
قال
أول مرة أحس إني كنت هخسرك بجد.
قلتله
أنا مش زعلانة عشان الفلوس... أنا زعلانة لأنك خليتني آخر واحدة تعرف.
قال
حقك.
وسكت.
أول مرة في حياتنا ما يحاولش يبرر.
بعدها بدقائق، رن تليفوني مرة تانية.
كان حمايا.
قال
إحنا مش هنسافر معاكم.
استغربت.
قال
ابني كلّمنا، وفهمنا إن وجودنا هيعمل بينكم مشاكل أكتر.
وقبل ما يقفل، قال جملة ماكنتش متوقعاها
إنتِ مرات ابني... ومن حقك تقعدي مع جوزك لوحدكم.
قفلت المكالمة وأنا مش مستوعبة.
اتصلت بجوزي.
قال
أنا اللي قولتلهم يأجلوا سفرهم.
قلت
ليه؟
قال
لأني اكتشفت إن طول عمري كنت بخلي الناس كلها تتدخل بيني وبينك... ولما جيت أخسرك، فهمت إن البيت له باب واحد... ولو كل الناس دخلت منه، عمره ما هيستقر.
الكلام لمس قلبي...
لكن الجرح كان لسه موجود.
قلتله
أنا هسافر... بس مش علشان الفلوس اللي اتدفعت، ولا علشان حد يرضى.
سألني
أمال علشان إيه؟
قلت
علشان أشوف بعيني إذا كان اللي بيكلمني دلوقتي هو نفس الراجل اللي هعيش معاه، ولا مجرد كلام قبل ما أوصل.
وساد بينا صمت طويل...
لأن الحقيقة كانت لسه مستنيانا هناك.
لكن أول ما وصلت السعودية، أول موقف حصل في المطار خلاني أعرف إن اختبار جوازنا الحقيقي لسه ما بدأش...نزلت من الطيارة وأنا شايلة ابني على إيدي، وبنتي ماسكة في هدومي، وعيني بتدور على جوزي بين الناس.
أول ما شوفته، جري علينا وحضن الولاد.
أما أنا...
وقف قدامي وقال بهدوء
حقك عليا.
كانت أول مرة أسمعها منه من سنين.
ركبنا العربية، وطول الطريق كان ساكت.
ولما وصلنا العمارة، بصيت حواليّا.
المكان بسيط جدًا، وأصغر بكتير من اللي كنت متخيلاه.
طلعنا الدور التالت.
فتح الباب.
دخلت...
ولقيت شقة صغيرة فعلًا، أوضتين ومطبخ وحمام، لكن كانت نضيفة ومرتبة.
قلت باستغراب
دي مش شقة أخوك.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
لأ... دي استأجرتها من أسبوع.
بصيتله وأنا مستغربة.
قال
بعت عربيتي اللي كنت محوش عليها، واستلفت باقي المبلغ، علشان أول ما تيجي متحسيش إنك ضيفة عند حد.
الكلمة دي هزتني.
لأول مرة حسيت إنه بيحاول يصلح اللي اتكسر.
بعدها بأيام، قعدنا نتكلم بالساعات.
من غير خناق...
ومن غير صوت عالي...
وحكى لي كل حاجة من أول خسارة المشروع لحد الديون، واعترف إنه كان خايف صورته تقع من عيني.
قلتله
أنا كنت محتاجة الصدق... مش الكمال.
ومن يومها بدأنا نرتب حياتنا من جديد.
مكنتش رحلة شهرين كلها ورد.
كان فيها ضيق، وحساب لكل ريال، وتعب مع الأطفال.
لكن لأول مرة من سنين، كنا بناكل على سفرة واحدة، ونشرب الشاي سوا بعد ما الولاد يناموا، ونتكلم من غير شاشة موبايل بينا.
وساعتها فهمت إن أصعب حاجة مش الغربة...
ولا قلة الفلوس...
أصعب حاجة إن اتنين بيحبوا بعض، ويسيبوا الخوف يمنعهم من الكلام.
ومن اليوم ده، اتفقنا على وعد واحد مهما كانت الحقيقة مُرّة... هنقولها لبعض، لأن الكدب الصغير ممكن يهدم بيت، لكن الصراحة تقدر تبنيه من أول وجديد بعد حوالي شهر من وجودي هناك، بدأت أحس إن حياتنا فعلًا بترجع لطبيعتها.
الولاد بقوا متعلقين بأبوهم.
وأول مرة من أربع سنين أشوفه بيصحى الصبح يجهزهم بنفسه، ويلعب معاهم، ويضحك من قلبه.
قلت في نفسي
الحمد لله... يمكن الأزمة عدت.
لكن في ليلة، وإحنا قاعدين بنتعشى، رن تليفونه.
بص للشاشة... واتغير وشه.
قام بسرعة وخرج البلكونة.
فضل يتكلم حوالي عشر دقايق.
ولما دخل، حاول يتصرف عادي.
لكن أنا المرة دي ما سكتش.
قلتله
مين كان بيتصل؟
قال
واحد صاحبي.
قلت
اللي نصب عليك؟
قال
لأ.
قلت
طب وريني.
بصلي شوية... ومد إيده بالموبايل.
كانت أول مرة
متابعة القراءة