كل يوم سبت حكايات زيزي
كل يوم سبت، راجل راكب موتوسيكل كان بيزور قبر مراتي... ولمدة 6 شهور، ماكنتش أعرف هو مين.
لمدة ست شهور، كنت بقف أراقبه من جوه عربيتي.
نفس اليوم.
نفس المعاد.
كل يوم سبت الساعة ٢ الضهر بالظبط، كان يدخل المقابر بموتوسيكله، يركنه تحت شجرة كبيرة، ويمشي على طول لحد قبر منى.
وبعدين يقعد جنب قبرها ساعة كاملة.
ولا مرة جاب ورد.
ولا ساب جواب.
ولا كان بيتكلم بصوت أسمعه.
كان بس يقعد على الأرض، مطاطي راسه، كأنه شايل هم تقيل أوي.
أول مرة شوفته قلت أكيد غلطان في القبر.
المقابر كبيرة، وسهل الواحد يتلخبط.
لكن الأسبوع اللي بعده رجع.
واللي بعده كمان.
وبعدين بقى كل سبت من غير ما يغيب.
كل أسبوع، الراجل الغريب ده كان بيحزن على مراتي... كأنها كانت تخصه هو كمان.
في الأول استغربت.
بعدها بقيت متضايق.
وبعدين الغضب أكلني.
مين الراجل ده؟
يعرف منى منين؟
وإزاي بيجيلها كل أسبوع، في الوقت اللي ناس من أهلها نفسهم مبقوش بيزوروها؟
منى ماتت من سرطان الثدي من 14 شهر.
كان عندها 43 سنة بس.
كنا متجوزين بقالنا 20 سنة.
وعندنا طفلين.
بيت هادي.
وحياة عادية...
أو على الأقل، ده اللي كنت فاكره.
لأن وجود الراجل ده قلب كل اللي كنت مؤمن بيه.
منى كانت ممرضة أطفال.
بتشارك في أعمال خير في الجامع.
بتسوق عربية عائلية، وكل مناسبة في المدرسة كانت تحضر أكل للأطفال.
أقصى حاجة ممكن تعملها وتعتبرها مغامرة إنها تطلب الحلو قبل الأكل.
لكن راجل الموتوسيكل كان بيحزن عليها بطريقة تخليك تحس إنه فقد أغلى حد في حياته.
أوقات وأنا ببص عليه من بعيد، كنت أشوف كتافه بتتهز من العياط.
وأوقات قبل ما يمشي، يحط إيده الخشنة على شاهد القبر، ويفضل ثابت كذا ثانية.
كأنه بيودعها من أول وجديد.
بعد تلات شهور، مقدرتش أستحمل أكتر.
في يوم سبت، نزلت من العربية، وروحت ناحيته.
سمع صوت رجلي، لكنه ما بصليش.
فضل حاطط إيده على اسم منى.
قلتله بنبرة حادة شوية
لو سمحت... أنا جوز منى. وأعتقد من حقي أعرف... إنت مين؟
فضل ساكت كام ثانية.
وبعدين قام بالراحة، وبصلي...
وكان شكله عامل زي واحد مستني السؤال ده بقاله ست شهور.
وبص في عيني وقال بهدوء
مراتك كانت...ووو
حكايات_زيزي
...مراتك كانت السبب إني لسه عايش لحد النهارده.
الكلمات خرجت منه بهدوء، لكن وقعت عليا كأنها صخرة.
اتجمدت مكاني.
قلتله باستغراب
يعني إيه؟
ابتسم ابتسامة باهتة، وهز راسه.
مش هينفع أشرح وأنا واقف هنا.
مد إيده لجيب الجاكيت، وطلع ظرف قديم متني من كتر الفتح والقفل.
كان الظرف عليه بخط منى.
أول ما شفت خطها، قلبي دق بسرعة.
عرفته من أول نظرة.
نفس الطريقة اللي كانت تكتب بيها اسمي على ورق الهدايا.
لكن الراجل رجع الظرف مكانه قبل ما يفتحه.
وقال
لسه مش وقته.
استفزني كلامه.
قلت بانفعال
إنت بتتكلم بالألغاز ليه؟ عندك جواب من مراتي، ولسه جاي تقعد عند قبرها كل أسبوع، وتقولي مش وقته؟
بص للقبر، وقال بصوت واطي
أنا بوفيها وعد.
وعد إيه؟
سكت.
وكأنه بيحارب نفسه علشان مايتكلمش.
بعدها قال
قبل ما تمشي من الدنيا، خلتني أوعدها إن محدش يعرف الحقيقة... إلا بعد ما ييجي الوقت المناسب.
اتعصبت أكتر.
وأنا جوزها! في حقيقة تخص مراتي ومش أعرفها؟
رفع عينه ليا لأول مرة بثبات.
وقال
الحقيقة دي مش ضدك... بالعكس، لو عرفتها هتعرف قد إيه الست دي كانت عظيمة.
الجملة دي خلت غضبي يهدى شوية.
لأن الراجل ماكانش بيتكلم بنبرة واحد بيبرر نفسه...
كان بيتكلم باحترام شديد.
احترام حسيت إنه خارج من قلبه.
بص للقبر مرة تانية، وهمس
هي كانت دايمًا تقول إن الإنسان يعمل الخير ويمشي، من غير ما يستنى شكر.
الكلمة دي...
كانت منى بتقولها فعلًا.
نفس الجملة بالحرف.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
إزاي يعرفها؟
بلع ريقه، وطلع من جيبه مفتاح صغير مربوط بسلسلة معدنية قديمة.
حطه في كف إيدي.
وقال
المفتاح ده أمانة عندك دلوقتي.
بصيتله باستغراب.
مفتاح إيه؟
رد
لو كنت مستعد تعرف ليه أنا باجي هنا كل سبت... افتح بيه الخزانة اللي في المكان اللي منى كانت تزوره لوحدها كل شهر.
اتسمرت.
لأن منى فعلًا...
كان عندها مكان تخرجله مرة كل شهر، وكانت دايمًا تقول إنها رايحة تخلص شغل تطوعي، وأنا عمري ما سألتها عن التفاصيل.
قبل ما ألحق أسأله أي سؤال تاني...
لف، وركب الموتوسيكل.
لكن قبل ما يدور المحرك، قال جملة واحدة خلت فضولي يوصل لأقصى درجة
لما تفتح الخزانة... هتعرف ليه طلبت مني أفضل أزورها كل يوم سبت... حتى بعد وفاتها.
ثم انطلق واختفى بين أشجار المقابر...
وأنا واقف، والمفتاح في إيدي...
ومش عارف هل أفتحه فورًا...
ولا أخاف من الحقيقة اللي كانت منى مخبياها طول السنين فضلت واقف أبص للمفتاح في كفي كأنه أغلى حاجة سيبتها منى وراها.
كان مفتاح نحاس صغير، عليه رقم محفور 27.
رجعت البيت، وقعدت قدام صورة منى ساعات.
ألف سؤال بيلف في دماغي.
لو كان فيه سر... ليه ماقالتليش؟
ولو كان خير... ليه خبّته؟
وفي الآخر، قررت أستنى.
لأن الراجل قال لو كنت مستعد.
وأنا وقتها ماكنتش مستعد.
تاني يوم، فتحت درج مكتبها القديم.
الدولاب ده من يوم وفاتها وأنا مقربتش منه.
لقيت مفكرة صغيرة.
كلها مواعيد شغل، وأدوية للأطفال، وأرقام أسر محتاجة مساعدات.
لكن في آخر صفحة كان فيه سطر واحد بخطها
لو جه اليوم اللي تدور فيه على إجابة... روح للمركز القديم.
اتسمرت.
المركز القديم...
كان مستشفى الأطفال الخيري اللي اشتغلت فيه أول حياتها.
رحت هناك.
المبنى كان اتجدد، لكن الاستقبال لسه فيه موظفة كبيرة في السن.
أول ما قلت اسم منى، ابتسمت بحزن.
وقالت
الله يرحمها... الست دي عمرها ما سابت حد محتاج.
طلعت المفتاح.
أول ما شافته، اتغير لون وشها.
قالت بهدوء
يبقى هو أخيرًا سلّمهولك.
قلبي دق بعنف.
حضرتك تعرفي الراجل ده؟
هزت راسها.
أعرفه... لكن وعدتها ما أقولش اسمه.
وسكتت لحظة.
تعالى.
خدتني لممر قديم في آخر المبنى.
وقفنا