كل يوم سبت حكايات زيزي

لمحة نيوز

قدام باب حديد صغير.
فوقه لوحة مكتوب عليها
غرفة الأمانات.
أشارت ناحية قفل قديم.
وقالت
جرب المفتاح.
إيدي كانت بتترعش.
دخلت المفتاح...
ولأول مرة من سنين، القفل لف بسهولة.
الباب اتفتح ببطء.
جوه كانت فيه خزانة معدنية صغيرة، وفوقها صندوق خشب مقفول.
ولما قربت منه...
لقيت على الغطا ورقة صفراء مكتوب عليها بخط منى
لو إنت اللي فتحت الصندوق... يبقى الراجل نفذ وعده.
ابتلعت ريقي.
رفعت الورقة...
ولقيت تحتها عشرات الملفات، وصور أطفال، وإيصالات تبرعات، ورسائل شكر من عائلات ماعرفهاش.
لكن اللي شد انتباهي أكتر...
كان ظرف أبيض كبير.
مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا بعد قراءة أول ملف.
مديت إيدي ناحية أول ملف...
لكن قبل ما ألمسه، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الممر.
ولما بصيت ناحية الباب...
لقيت راجل الموتوسيكل واقف هناك، وباين على وشه إنه كان خايف أوصل للصندوق قبل ما يكون عندي استعداد أعرف الحقيقة.
بصلي وقال بهدوء
اقرأ أول ملف الأول... لأن لو بدأت بالظرف، هتفهم كل حاجة غلط بصيتله وأنا ماسك أول ملف.
قلت بعصبية مكتومة
أنا تعبت من الألغاز. لو عندك حاجة قولها.
هز راسه وقال
لو كنت عايز تعرف منى بجد... سيبها هي اللي تحكيلك.
وسابني وخرج، وقفّل الباب وراه بهدوء.
فتحت أول ملف.
كان عنوانه
مشروع أمل.
في أول صفحة، صورة لمنى وهي لابسة بالطو المستشفى، وحواليها أطفال بيضحكوا.
بعدها تقرير فيه أسماء عشرات الأسر، وكل اسم قدامه ملاحظات بخطها
الأب فقد شغله.
الأم محتاجة عملية.
الطفلة لازم تكمل علاجها.
وكان فيه إيصالات تثبت إن مصاريف العلاج كانت بتتدفع بانتظام.
لكن اللي صدمني إن اسم المتبرع كان مكتوب فيه
فاعل خير بناءً على وصية السيدة م.
قلبت الصفحات بسرعة.
لقيت أكتر من خمسين حالة.
كل واحدة فيها قصة، وكل واحدة منى كانت متابعة تفاصيلها بنفسها.
وفجأة لقيت ورقة صغيرة بين الصفحات.
مكتوب فيها بخطها
لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة. أوعى تزعل إني ماقولتلكش. أنا كنت عارفة إنك كنت هتوافق تساعد، لكني كنت خايفة الناس تعرف، ويضيع معنى الخير.
حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
منى كانت عايشة معايا عشرين سنة...
وأول مرة أعرف حجم الخير اللي كانت بتعمله.
قلبت الملف لآخره.
كان فيه كشف بمواعيد الزيارات.
كل يوم سبت...
الساعة ٢ ظهرًا.
نفس المعاد اللي الراجل كان بييجي فيه للمقابر.
استغربت.
وفي آخر الصفحة لقيت ملاحظة بخطها
السبت هو اليوم اللي بدأ فيه كل شيء... وماينفعش الوعد ينتهي بعد رحيلي.
لسه بحاول أفهم المقصود...
وفجأة وقع من بين الأوراق مفتاح تاني أصغر من الأول.
وكان مربوط بكارت مكتوب عليه
المرحلة التانية... موجودة في المكان اللي محدش يعرفه غير شخص واحد.
وفي ظهر الكارت...
اسم واحد فقط.
اسم راجل الموتوسيكل.
لكن قبل ما أقدر أنطق الاسم بصوت عالي...
سمعت باب الغرفة بيتفتح مرة تانية...
والراجل دخل، ولأول مرة، قال
دلوقتي... أقدر أحكيلك ليه منى اختارتني أنا بالذات أحافظ على كل ده.
يتبع...الراجل قفل الباب وراه، وقعد على الكرسي المقابل ليا.
فضل ساكت شوية، وكأنه بيرتب الذكريات.
وبعدين قال
اسمي عماد.
هزيت راسي من غير كلام.
كمل
من سبع سنين، بنتي كانت عندها مرض نادر. احتاجت علاج مكلف جدًا، وأنا وقتها كنت شغال على الموتوسيكل أوصل طلبات. كنت بشتغل ليل ونهار، وبرضه الفلوس ماكنتش تكفي.
بلع ريقه وقال
في يوم، فقدت الأمل.
فتح محفظته، وطلع صورة لبنت صغيرة بتضحك.
دي سلمى.
ابتسم وهو بيبصلها.
كانت مريضة... لكن عمرها ما بطلت تضحك.
سكت لحظة، ثم قال
في المستشفى قابلت منى.
ابتسمت من غير ما أحس.
دي كانت فعلًا طريقتها... أي حد يدخل حياتها، يفتكرها بابتسامتها.
قال عماد
هي ماعرفتنيش بنفسها على إنها بطلة، ولا قالت إنها هتساعد. كانت كل مرة تيجي تطمن على سلمى، وتقول متفقدش الأمل.
بعد أسبوع، المستشفى بلغني إن تكلفة العلاج اتدفعت.
بصيتله بسرعة.
مين دفعها؟
ابتسم وقال
فضلت سنين ماعرفش. وبعدها بالصدفة اكتشفت إن منى كانت بتلف على أهل الخير، تجمع تبرعات، ولما الفلوس متكفيش... كانت تكمل من مرتبها.
نزلت عيني على الملفات.
دلوقتي كل حاجة بدأت تتجمع.
قال
بنتي عاشت أربع سنين زيادة بسبب العلاج.
وأربع سنين دول شفت فيهم أول يوم مدرسة... وأول مرة تركب عجلة... وأول عيد ميلاد وهي واقفة على رجلها.
دموعه نزلت وهو بيكمل
ولما توفت... منى حضرت الجنازة.
اتسعت عيني.
حضرتها؟
هز رأسه.
وقفت بعيد... وما رضيتش حتى تعرف الناس إنها ساعدتنا.
سكتنا إحنا الاتنين.
الصمت المرة دي كان مليان احترام.
ثم مد إيده ناحية الصندوق الخشبي.
وقال
قبل ما المرض يشتد عليها، استدعتني.
قالتلي يا عماد... لو أنا سبقتكم، أوعى المشروع يقف.
قولتلها وأنا أعمل إيه؟
ابتسم بحزن.
قالتلي كل يوم سبت، بعد ما تخلص توزيع المساعدات، روح اقعد عند قبري ساعة... وافتكرني بالدعاء. ولما جوزي يقرر يسألك بنفسه، سلمه المفاتيح.
حسيت بغصة في حلقي.
يعني هي كانت عارفة...
عارفة إني في يوم هاجي أسأل.
وعارفة إني مش هرتاح غير لما أفهم.
فتح عماد الصندوق الخشبي ببطء.
كان جواه دفتر كبير.
غلافه مكتوب عليه
الأمل لازم يكمل.
قال وهو بيمدّه ناحيتي
من النهارده... الدور بقى دورك.
ومد إيده يصافحني...
وفي اللحظة دي، لأول مرة من وفاة منى، حسيت إن وجع الفقد بدأ يتحول إلى رسالة... لكني لسه ماكنتش أعرف ماذا يحتوي ذلك الدفتر، ولا كيف سيغيّر حياتي بالكامل الراجل قفل الباب وراه، وقعد على الكرسي المقابل ليا.
فضل ساكت شوية، وكأنه بيرتب الذكريات.
وبعدين قال
اسمي عماد.
هزيت راسي من غير كلام.
كمل
من سبع سنين، بنتي كانت عندها مرض نادر. احتاجت علاج مكلف جدًا، وأنا وقتها كنت شغال على الموتوسيكل أوصل طلبات. كنت بشتغل ليل ونهار، وبرضه الفلوس ماكنتش تكفي.
بلع ريقه وقال
في يوم، فقدت الأمل.
فتح محفظته، وطلع صورة لبنت صغيرة بتضحك.
دي سلمى.
ابتسم وهو بيبصلها.
كانت مريضة... لكن عمرها ما بطلت تضحك.
سكت لحظة، ثم قال
في المستشفى قابلت منى.
ابتسمت من
تم نسخ الرابط