نادت زعيم المافيا
المحتويات
متفتحيش الباب.
في تلك اللحظة...
ظهر ظل شخص من خلال الدخان.
اقترب ببطء من نافذة السيارة.
ثم رفع يده...
ولصق على الزجاج ورقة صغيرة.
وبمجرد أن ابتعد، انقشع جزء من الدخان.
مد آدم يده وأخذ الورقة.
فتحها بسرعة.
لم يكن مكتوبًا فيها سوى سطر واحد
لو عايز تعرف الحقيقة... ارجع للمخزن رقم 17 قبل شروق الشمس.
نظر آدم إلى الورقة طويلًا.
ثم طواها بهدوء.
ورفع عينيه نحو الميناء البعيد، وكأنه يعرف تمامًا أين يقع ذلك المخزن... لكن تعبير وجهه أوحى أن العودة إليه بعد كل هذه السنوات قد تعني فتح بابٍ كان يتمنى أن يظل مغلقًا ظل آدم ينظر إلى الورقة لثوانٍ.
ثم قال للسائق
غيّر الطريق.
أحد الحراس استغرب.
يا فندم... مش هنكمل على المستشفى؟
رد من غير ما يحول عينه عن الورقة
لا.
الأول... المخزن رقم 17.
مريم التفتت له بسرعة.
بس الراجل اللي في المستشفى...
قال بهدوء
لو الرسالة دي حقيقية... يبقى اللي هناك مستني حد يبعدنا عن المكان ده.
تحركت السيارات من طريق جانبي بعيد عن الميناء الرئيسي.
السماء كانت بدأت تفتح بلون أزرق خفيف، لكن الشمس لسه ما طلعتش.
كل ما قربوا من المخازن القديمة، الشوارع بقت أهدى.
محلات مقفولة.
وأرصفة فاضية.
وأصوات الأمواج بس هي اللي كانت مسموعة.
بعد ربع ساعة...
وقفت السيارات.
كان قدامهم مبنى قديم من الطوب الأحمر.
على بابه لوحة معدنية صدئة مكتوب عليها
17
نزل آدم أولًا.
ثم أشار للحراس ينتشروا حوالين المكان.
أما مريم، فنزلت وهي ضامة الدفتر لصدرها.
اقتربت من الباب.
كان مقفولًا بسلسلة قديمة.
رفع آدم يده، وأشار لأحد الحراس.
لكن قبل ما يكسر السلسلة...
قالت مريم فجأة
استنى.
الكل بص لها.
كانت عينيها على الخاتم.
رفعت إيدها ببطء.
وفي قلب الخاتم لاحظت شقًا صغيرًا عمرها ما انتبهت له.
ضغطت عليه بإبهامها.
صدر صوت خافت...
تك.
وانفتح جزء صغير من الخاتم.
شهقت.
كان بداخله...
مفتاح نحاسي صغير جدًا.
نظر آدم للمفتاح، ثم للخاتم.
وقال بصوت منخفض
حسن... كنت مخبي كل حاجة قدام عيون الناس.
أخذت مريم المفتاح، وتقدمت ناحية الباب.
وسط دهشة الجميع...
كان في القفل فتحة بنفس حجم المفتاح تمامًا.
أدخلته.
لفته مرة واحدة.
وسقطت السلسلة على الأرض.
فتح الباب ببطء.
خرجت رائحة تراب وخشب قديم.
أضاء أحد الحراس كشافه.
ظهر المخزن فارغًا تقريبًا...
إلا من مكتب خشبي في آخره.
وفوق المكتب...
جهاز تسجيل كاسيت قديم.
وبجواره شريط مكتوب عليه بخط اليد
يُشغَّل بحضور مريم فقط.
ساد صمت ثقيل.
تقدمت مريم بخطوات بطيئة.
مدت يدها نحو زر التشغيل...
وقبل أن تضغطه...
سمع الجميع صوت محرك سيارة يتوقف بعنف خارج المخزن.
ثم أعقبه صوت إطلاق رصاصة واحدة في الهواء.
وتردد صوت رجل من الخارج
آدم الشافعي... انتهى وقت الاختباء تجمد الجميع في أماكنهم.
الحراس رفعوا أسلحتهم فورًا واتخذوا مواقعهم عند النوافذ المكسورة وباب المخزن.
أما آدم...
فلم يتحرك.
ظل واقفًا ينظر إلى جهاز التسجيل.
وقال بهدوء
مهما حصل بره... شغلي الشريط.
مريم بصت له بقلق.
بس...
قاطعها
الحقيقة أهم.
ارتعشت يدها وهي تضغط زر التشغيل.
صدر صوت تشويش قديم...
ثم جاء صوت رجل هادئ، متعب، لكنه واضح.
شهقت مريم.
كانت تعرف هذا الصوت.
صوت والدها.
قال التسجيل
لو بتسمعي الكلام ده يا مريم... يبقى ربنا كتب لك توصلي للمخزن.
تجمعت الدموع في عينيها.
أكمل الصوت
أول حاجة لازم تعرفيها... إني كنت بحبك وبحب أمك، وكل قرار خدته كان علشان أحميكم.
في الخارج...
دوى صوت طرق عنيف على الباب الحديدي.
لكن أحدًا لم يجرؤ على مقاطعة التسجيل.
قال الأب
الخاتم اللي معاكي مش مجرد ذكرى... هو مفتاح، والدفتر اللي وصل لك جزء من أمانة لازم توصل لأصحابها.
نظر آدم إلى الأرض في صمت.
ثم أكمل الصوت
ولو آدم الشافعي واقف جنبك دلوقتي... فقولي له إني وفيت بوعدي.
أغمض آدم عينيه للحظة.
وكأن حملًا قديمًا عاد ليستقر فوق كتفيه.
وفجأة...
ارتفع صوت رجل من خارج المخزن
آخر إنذار!
ثم...
تحطم أحد الزجاجات القديمة بعد أن أصابتها رصاصة من الخارج.
الحراس احتموا بالجدران.
لكن التسجيل استمر
في المكتب درج سري... افتحيه بالمفتاح الصغير اللي تحت الدرج، وهتلاقي الورقة اللي تثبت الحقيقة.
اقتربت مريم من المكتب بسرعة.
تحسست أسفله.
وبالفعل...
وجدت مفتاحًا صغيرًا مثبتًا بشريط لاصق قديم.
فتحت الدرج.
كان بداخله ملف بني مغلق بالشمع الأحمر.
وفوقه ظرف أبيض.
مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا انكشف الخائن.
في تلك اللحظة...
رن هاتف أحد الحراس.
نظر إلى الشاشة، ثم اتسعت عيناه.
همس لآدم
يا فندم...
قوات الشرطة وصلت بره.
ساد الصمت.
نظر آدم نحو الباب.
ثم قال بهدوء
محدش يطلق طلقة.
بعدها بلحظات، جاء صوت عبر مكبر خارج المخزن
إلى الموجودين بالداخل... أنتم محاصرون. افتحوا الباب بهدوء، ولا تحاولوا المقاومة.
وتبادل الجميع النظرات...
بينما بقي الظرف المغلق فوق المكتب، يحمل سرًا قد يغير مصير الجميع، لكن لم يكن أحد يعرف بعد هل القادم نجاة... أم بداية اختبار أصعب؟ساد صمت ثقيل داخل المخزن.
الحراس تبادلوا النظرات، لكن آدم رفع يده إشارة للجميع أن يلتزموا الهدوء.
قال بصوت ثابت
محدش يتصرف من نفسه.
من الخارج تكرر النداء
افتحوا الباب... وإلا هندخل.
تنهد آدم بهدوء، ثم التفت إلى مريم.
هاتي الظرف.
ناولته الظرف المغلق بالشمع الأحمر.
ظل يتأمله لثوانٍ، ثم أعاده إليها.
لا... احتفظي بيه إنتِ.
استغربت.
مش هتفتحه؟
هز رأسه.
مكتوب عليه لا يُفتح إلا إذا انكشف الخائن... ولسه منعرفش مين المقصود.
وقبل أن يتكلم أحد...
سمعوا صوت خطوات سريعة تقترب من باب المخزن.
ثم جاء صوت مألوف من الخارج
يا أستاذ آدم... أنا الرائد يوسف.
احنا مش جايين نقبض على حد.
احنا جايين نحمي المكان.
نظر الحراس إلى آدم باستغراب.
أشار لأحدهم أن ينظر من فتحة صغيرة في الباب.
عاد الحارس بعد لحظات وقال
فعلًا... في قوة شرطة... لكن في عربيات تانية واقفة بعيد عنهم.
سأل آدم
كام عربية؟
اتنين... سودا... من غير لوحات.
تغيرت ملامح آدم.
همس
إذًا سبقونا.
في نفس اللحظة...
انطلقت عدة سيارات مسرعة من آخر الطريق.
وتوقفت بعنف أمام المخزن.
نزل منها رجال ملثمون.
لكن الغريب...
أنهم لم يطلقوا أي رصاصة.
تقدم أحدهم وحده.
ورفع يديه للأعلى، ثم قال بصوت مرتفع
إحنا مش جايين نحارب.
إحنا جايين ناخد الملف... وبعدين هنمشي.
رد آدم من الداخل
وليه أصدقك؟
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
ثم قال
لأن اللي جوه الملف... لو خرج للناس كلها... هيضر أبرياء قبل ما يدين المذنبين.
تجمدت مريم وهي تنظر إلى الملف.
هل يعقل أن الحقيقة نفسها قد تكون أخطر من إخفائها؟
وقبل أن يرد آدم...
صدر صوت تمزيق خفيف.
التفت الجميع.
كانت مريم تنظر إلى الظرف الأبيض بصدمة.
لم تفتحه...
لكن الشمع الأحمر القديم تشقق وسقط وحده على الأرض بسبب مرور السنوات.
وانفتح الظرف قليلًا...
لتظهر منه ورقة واحدة فقط.
وفي أعلاها عنوان كبير
اتفاقية الأمانة بين حسن عبدالرازق وعبدالرحمن الشافعي.
نظر آدم إلى الاسم الأخير، وأغمض عينيه للحظة.
ثم قال بصوت خافت
عبدالرحمن الشافعي...
كان والدي.
أما مريم...
فشعرت أن كل ما يحدث يقود إلى سر قديم لم يكن يتعلق بالمال أو النفوذ...
بل بوعدٍ قطعه رجلان قبل سنوات طويلة، ويبدو أن الوقت قد حان أخيرًا لمعرفة تفاصيله مريم أمسكت الورقة بحذر.
كانت قديمة جدًا، وحوافها صفراء من الزمن.
نظرت إلى آدم وقالت
أقرأها؟
هز رأسه بهدوء.
اقري بصوت عالي.
فتحت الورقة ببطء، وبدأت تقرأ
بسم الله الرحمن الرحيم...
نحن حسن عبدالرازق، وعبدالرحمن الشافعي، نشهد أننا اتفقنا على حفظ أمانة لا يجوز التصرف فيها حتى يحين وقتها، ولا تُسلَّم إلا بالتراضي بين ورثتنا الشرعيين، وبعد التأكد من زوال الخطر الذي أحاط بها.
سكتت مريم لحظة.
ثم أكملت
ولا يحق لأحد أن يستولي عليها منفردًا، ومن يفعل ذلك يكون قد خان العهد.
نظر آدم إلى الأرض.
وكأنه تذكر شيئًا قديمًا كان يسمعه وهو صغير.
في الخارج...
كان الرجل الملثم لا يزال ينتظر.
ثم صاح مرة أخرى
لقيتوا الاتفاقية، صح؟
رفع آدم صوته لأول مرة
إنت عرفت منين؟
ضحك الرجل وقال
لأن اللي كتبها... كان جدي.
تبادل الجميع النظرات.
استكملت مريم قراءة آخر السطور
إذا اختلف الورثة، فلتُعرض الأمانة على القضاء المختص، ولا تُؤخذ بالقوة، فإن الظلم لا يحفظ حقًا.
ساد الصمت.
لم يكن في الورقة أي إشارة إلى كنز، أو أموال، أو أسرار خارقة.
بل كانت تؤكد على حفظ الأمانة واتباع الطريق المشروع إذا وقع خلاف.
قال آدم بعد لحظات
واضح إن ناس كتير فضلت سنين تدور على الأمانة... ونسيت أهم شرط فيها.
سألته مريم
وإيه هي الأمانة أصلًا؟
رد وهو ينظر إلى الملف البني المغلق بالشمع
يمكن الإجابة جوه الملف ده.
لكن قبل أن يمد يده إليه...
دخل
متابعة القراءة