فكروني عمياء
المحتويات
مجرد ورقة قديمة.
لكن رانيا ما اقتنعتش.
قالت
أنا سمعتك... قلت إنها كانت متوقعة.
لم يرد.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت عصا فاطمة وهي تقترب ببطء.
دخلت وهي تقول بهدوء
في حاجة وقعت؟
أخفى مصطفى الورقة داخل جيبه في ثانية، ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة.
لا... مجرد صندوق قديم مليان تراب.
هزت فاطمة رأسها وكأنها صدقته.
لكنها لاحظت شيئًا...
رائحة الورق القديم امتزجت برائحة جلد جديد.
يعني مصطفى وضع الورقة في حافظة مستندات كان يحملها معه.
إذن...
الورقة مهمة جدًا.
بعد ساعة، غادر مصطفى الفيلا على غير عادته دون أن يخبر أحدًا إلى أين سيذهب.
وما إن أُغلق باب الفيلا...
رن الهاتف السري.
كان المتصل شيرين.
قالت بصوت خافت
لقيت حاجة غريبة جدًا.
سألتها فاطمة
إيه هي؟
المفتاح اللي في الظرف... طلع مش مفتاح خزنة.
سكتت لحظة ثم أكملت
ده مفتاح لوحدة حفظ مؤمنة في أحد البنوك... لكن الغريب إن الوحدة مش باسمك.
توقفت فاطمة عن الكلام.
باسم مين؟
قالت شيرين
باسم شخص متوفي... من خمسة عشر سنة.
ساد الصمت.
الاسم كان مألوفًا جدًا لفاطمة...
لكنه الشخص الوحيد الذي أقسمت ألا تذكره مرة أخرى طوال حياتها.
وقبل أن تنطق بحرف...
وصلتها رسالة مشفرة على الهاتف.
فتحتها.
كانت عبارة عن صورة التقطتها إحدى كاميرات الشركة قبل دقائق.
الصورة أظهرت مصطفى...
واقفًا أمام البنك.
لكن لم يكن وحده.
كان يقف مع رجل مسن يرتدي بدلة سوداء ويحمل حقيبة جلدية.
وعندما قامت الكاميرا بتكبير الصورة تلقائيًا...
ظهر في يد الرجل نفس الرقم الموجود على المفتاح.
7
أما وجه الرجل...
فكان كفيلًا بأن يجعل فاطمة تشحب، لأنها كانت تظن أن هذا الرجل اختفى من حياتها إلى الأبد.
لكن يبدو...
أن كل ما كانت تعرفه عن ماضيها، لم يكن سوى نصف الحقيقة ظلت فاطمة تحدق في الصورة على شاشة الهاتف الصغير، رغم أن الرؤية كانت لا تزال ضبابية بعد العملية.
همست لنفسها
مستحيل...
كان الرجل العجوز يحمل عصًا سوداء، ويمشي بخطوات ثابتة، وكأنه يعرف بالضبط إلى أين يتجه.
لكن أكثر ما لفت انتباهها...
لم يكن وجهه.
بل الخاتم الفضي في يده اليمنى.
نفس الخاتم الذي كانت تراه وهي طفلة، كلما دخل ذلك الرجل إلى مكتب والدها.
أغلقت الهاتف بسرعة عندما سمعت باب الفيلا يُفتح.
عاد مصطفى أسرع مما توقعت.
كان يبدو متوترًا على غير عادته.
دخل المكتب وأغلق الباب بالمفتاح.
وبعد دقائق، سمعته يتحدث في الهاتف بصوت منخفض
لا... هي لسه ما تعرفش حاجة.
توقف لحظة وهو يستمع للطرف الآخر.
ثم قال
أهم حاجة محدش يسبقنا للمكان.
ارتفع نبض قلب فاطمة.
أي مكان؟
ولماذا أصبح الجميع يبحث عن شيء واحد في الوقت نفسه؟
...
في مساء اليوم نفسه، وصلت شيرين إلى الفيلا بحجة إحضار بعض ملفات الشركة القديمة.
استقبلها مصطفى ببرود، لكنه لم يمنعها من الدخول.
وبينما كانت تمر بجوار فاطمة، وضعت في يدها ورقة صغيرة مطوية دون أن يلاحظ أحد.
بعد دقائق، دخلت فاطمة غرفتها وحدها.
فتحت الورقة.
لم يكن فيها سوى عنوان واحد...
ورقم موعد.
الثلاثاء... الساعة الثامنة مساءً.
وفي الأسفل جملة قصيرة
وجدنا الوحدة رقم 7... لكنها لم تُفتح منذ خمسة عشر عامًا.
ابتسمت فاطمة لأول مرة منذ أيام.
ثم مزقت الورقة إلى قطع صغيرة.
...
في اليوم التالي...
اجتمع مجلس إدارة الشركة لأول مرة منذ شهور.
وكان الجميع يتوقع حضور مصطفى بصفته المدير التنفيذي المؤقت.
لكن قبل بدء الاجتماع بدقائق...
انطفأت شاشة العرض فجأة.
ثم ظهرت رسالة بيضاء على الشاشة الكبيرة.
تم تفعيل بروتوكول المؤسس.
نظر الحاضرون إلى بعضهم في دهشة.
أكملت الشاشة عرض سطر جديد
أي قرار يُتخذ في غياب المؤسسة يُعلق تلقائيًا لحين التحقق.
تغير لون وجه مصطفى.
قال بعصبية
اقفلوا الشاشة دي حالًا!
لكن موظف تقنية المعلومات رد وهو يحاول السيطرة على النظام
يا فندم... محدش داخل على السيرفر... الرسالة طالعة من النظام الرئيسي نفسه.
في تلك اللحظة...
رن هاتف مصطفى.
نظر إلى الرقم...
فتجمد مكانه.
كان رقمًا قديمًا جدًا.
رقمًا لم يظهر على أي هاتف منذ سنوات.
رد بتردد
ألو؟
جاءه صوت هادئ من الطرف الآخر
لسه بتدور على السر؟
اتسعت عيناه.
إنت... إنت مين؟
رد الصوت
السؤال الأصح...
مين قالك إن فاطمة كانت آخر شخص يعرف الحقيقة؟
وانقطع الاتصال فورًا.
وقف مصطفى للحظات لا يتحرك.
ولم يكن يعلم...
أن هناك شخصًا ثالثًا دخل اللعبة منذ البداية...
شخص لم يكن في صف فاطمة...
ولا في صف مصطفى...
وكان هدفه الوحيد هو الوصول إلى السر قبل الجميع مرّ يومان...
ولم يعرف أحد هوية المتصل.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...
من يعرف السر، يعرف كل تحركاتهم.
في صباح الثلاثاء، استيقظت فاطمة على رسالة مشفرة من شيرين
تم التأكد... في شخص دخل وحدة الحفظ رقم 7 قبل موعدنا بساعتين.
قبضت فاطمة على الهاتف بقوة.
هذا مستحيل.
بحسب سجلات البنك، لم تُفتح الوحدة منذ خمسة عشر عامًا.
إذن...
إما أن السجلات مزورة...
أو أن هناك مدخلًا آخر لا يعرفه أحد.
في المساء، تحركت سيارة سوداء بهدوء حتى توقفت أمام مبنى البنك.
ترجل منها مصطفى، ونظر حوله أكثر من مرة قبل أن يدخل.
بعده بدقائق، وصلت سيارة أخرى.
لم ينزل منها أحد.
كانت فاطمة تجلس في المقعد الخلفي، مرتدية نظارة سوداء كبيرة تخفي الضمادات التي ما زالت على عينيها.
قالت شيرين وهي تمسك المقود
متأكدة إنك عايزة تدخلي بنفسك؟
ابتسمت فاطمة بهدوء.
لو السر ده مستخبي من خمسة عشر سنة... يبقى لازم أشوفه بعيني.
في الداخل...
كان الموظف يقف أمام باب فولاذي ضخم.
نظر إلى مصطفى وقال
آسف يا فندم... الوحدة دي عليها تعليمات خاصة.
أخرج مصطفى ورقة مطوية من جيبه.
قرأها الموظف...
ثم تغيرت ملامحه.
فتح الباب من غير كلمة واحدة.
اختفى مصطفى خلف الممر الحديدي.
لكن ما لم يكن يعرفه...
أن كاميرات البنك كانت ترصد كل خطوة.
في الخارج...
قالت شيرين فجأة
بصي هناك.
رفعت فاطمة رأسها.
خرج الرجل العجوز نفسه من سيارة أجرة، وهو يحمل الحقيبة الجلدية القديمة.
دخل البنك من باب جانبي لا يستخدمه العملاء.
همست فاطمة
الباب ده مش موجود في المخططات.
ردت شيرين
لأنه باب خاص... خاص جدًا.
بعد دقائق...
دوّى صوت إنذار داخل البنك.
بدأ الموظفون يركضون في كل اتجاه.
ثم انطفأت الأنوار للحظات.
وعندما عادت...
خرج مصطفى مسرعًا.
كان وجهه شاحبًا.
وحقيبته التي دخل بها...
لم تعد معه.
ركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية.
أما الرجل العجوز...
فلم يخرج.
اختفى تمامًا.
في نفس اللحظة...
وصل إشعار إلى هاتف فاطمة من النظام الأمني الخاص بشركتها.
تم تسجيل دخول غير مصرح به إلى الخادم السري.
فتحت التفاصيل بسرعة.
الموقع...
لم يكن البنك.
ولا الفيلا.
بل...
المقر القديم للشركة في شبرا.
المبنى الذي أغلقته بنفسها قبل أكثر من عشر سنوات.
رفعت رأسها ببطء وقالت
أخيرًا...
ظهر المكان الحقيقي.
نظرت إليها شيرين باستغراب.
يعني السر مش في البنك؟
ابتسمت فاطمة لأول مرة منذ بدأت الأزمة.
وقالت بهدوء
البنك كان مجرد مفتاح...
أما السر الحقيقي...
فمدفون في المكان اللي الكل نسي إنه موجود.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتفها من رقم مجهول.
فتحت الخط.
جاءها صوت خشن يقول
لو روحتي المقر القديم... هتعرفي الحقيقة.
صمت لثانية...
ثم أضاف
لكن خلي بالك...
مش كل اللي حواليكي بيشتغلوا لمصلحتك.
وانقطع الاتصال...في صباح اليوم التالي...
كانت السماء ملبدة بالغيوم، وكأنها تخفي هي الأخرى شيئًا.
وقفت سيارة شيرين أمام المبنى القديم لشركة سنتينيل مصر في شبرا.
كان المبنى مهجورًا من الخارج.
نوافذه مغلقة، واللافتة المعدنية غطاها الصدأ.
لكن فاطمة ظلت تنظر إليه في صمت.
وقالت
هنا بدأت كل حاجة... ومن هنا هنعرف الحقيقة.
فتحت شيرين الباب بحذر.
ما إن دخلتا حتى اشتغلت لمبة واحدة في نهاية الممر، رغم أن الكهرباء كانت مفصولة منذ سنوات.
تبادلتا النظرات.
همست شيرين
ده معناه إن في حد سبقنا.
تحركتا ببطء.
وفجأة...
سمعتا صوت خطوات في الدور العلوي.
توقفتا.
لكن الخطوات اختفت بنفس السرعة التي ظهرت بها.
صعدتا السلم.
كان مكتب فاطمة القديم كما تركته آخر مرة...
إلا شيء واحد.
الصورة المعلقة لوالدها
متابعة القراءة