اطلقت
المحتويات
اتجننتي؟!
قالت بسرعة
هو قالي إنه هيساعدنا... وإن الورق ملوش أي قيمة.
الراجل الغريب هز رأسه بحسرة وقال
هو كان مستني يعرف مكانه من زمان.
قلبي وقع.
بدأت أحس إن الموضوع أكبر من مجرد ورق قديم.
قلت
هو جوزها ماله بالموضوع أصلًا؟
لكن محدش جاوب.
في اللحظة دي، رن تليفون أختي.
بصت في الشاشة، وارتبكت.
حاولت تقفل المكالمة.
لكن أبويا قال بحزم
افتحي السماعة.
إيديها كانت بتترعش وهي ضغطت على زر الرد.
أول ما فتحت...
سمعنا صوت راجل بيقول
متقلقيش... الورق بقى عندي، ومحدش هيعرف يوصل له.
أبويا خطف التليفون منها وقال
إنت مين؟
سكت الراجل ثانيتين...
وبعدين ضحك ضحكة باردة وقال
واضح إنكم اتأخرتوا... السر بقى في إيدي.
وقفل الخط.
ساد صمت ثقيل.
الراجل الغريب بص لأبويا وقال
دلوقتي لازم نتصرف بسرعة.
قلت بعصبية
حد يفهمني! سر إيه؟ ومستندات إيه؟ وأنا مالي بكل ده؟
أبويا قرب مني، وكان واضح إنه أخيرًا قرر يتكلم.
قال
كل اللي أقدر أقوله دلوقتي... إن اللي بيدور عليه مش مجرد ورق.
سألته
أمال إيه؟
رد وهو بيبص للملف المفتوح
الورق ده بيثبت حق... والحق ده مربوط باسمك إنتِ.
قبل ما ألحق أسأله أي سؤال...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
وبعدها مباشرة...
خبطات قوية جدًا على الباب.
ثم صوت رجل صاح من برة
افتحوا... إحنا جايين نستلم الحاجة.
بص أبويا ناحية الباب، وشحب وجهه، وهمس
هما وصلوا...
يتبع...الخبط على الباب زاد بعنف.
أمي جريت وهي مرعوبة، وقالت
مين؟
جالها الرد من برة
افتحي يا حاجة... إحنا جايين ناخد الأمانة.
أبويا وقف قدام الباب بسرعة، ومنعها تفتحه.
وبص للراجل الغريب وقال
إنت محدش شافك داخل؟
هز الراجل رأسه وقال
كنت فاكر إني محدش مراقبني... لكن واضح إني كنت غلطان.
أختي بدأت تبكي.
وقالت
أنا السبب... أنا اللي قلت لجوزي.
أبويا بص لها بنظرة كلها وجع، وقال
مش كل غلطة ليها تصليح.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب مرة تانية.
لكن المرة دي، سمعنا صوت جوز أختي بنفسه
افتحوا... أنا عارف إن الملف جوه.
بصيت لأختي بصدمة.
قلت
هو جاي يدور على الملف؟
هزت رأسها وهي منهارة.
وقالت
من يوم ما عرف إن فيه ورق قديم وهو مش بيسأل غير عنه.
الراجل الغريب لمّ الأوراق بسرعة، وحطها في الشنطة.
لكن وهو بيقفلها...
وقعت ورقة صغيرة تحت الكنبة.
محدش خد باله غيري.
انحنيت بهدوء، وخبيتها في جيبي.
بعدها بدقائق، أبويا فتح الباب فتحة صغيرة.
جوز أختي دخل وهو بيبص في كل ركن من البيت.
أول ما شاف الراجل الغريب، ابتسم ابتسامة غريبة وقال
أخيرًا اتقابلنا.
الراجل رد ببرود
كنت عارف إنك هتيجي.
وقفوا قدام بعض، وكأن بينهم حكاية أقدم بكتير من اللي أنا أعرفه.
أنا استغليت انشغالهم، ودخلت أوضتي.
قفلت الباب، وطلعت الورقة اللي خبيتها.
كانت مطوية أربع مرات.
فتحتها ببطء...
لقيت فيها خريطة مرسومة بإيد، وفي آخرها عنوان مكتوب بالقلم الأزرق.
وتحت العنوان جملة قصيرة
لو اختفى الملف... النسخة الأصلية هنا.
شهقت.
لسه هكمل قراءة...
سمعت خبط خفيف على باب أوضتي.
وصوت أبويا بيقول بهدوء
افتحي يا بنتي... عارف إن الورقة معاكي.
اتجمدت مكاني.
بصيت للورقة في إيدي...
وبصيت للباب...
وعرفت إن القرار اللي هاخده في اللحظة دي، ممكن يغير كل اللي جاي.
يتبع...وقفت في نص الأوضة، والورقة في إيدي، وقلبي بيدق بعنف.
سمعت أبويا يكرر بهدوء
افتحي يا بنتي... أوعدك مش هاخدها منك.
فتحت الباب سنة صغيرة.
أول ما شاف الورقة، غمض عينيه وكأنه كان متوقع إنها توصل لإيدي.
قال
إنتِ لازم تعرفي إن الورقة دي أخطر من الملف كله.
قلت وأنا مخبياها ورا ضهري
مش هديهالك غير لما أفهم.
هز رأسه وقال
حقك.
أول مرة من أيام طويلة حسيت إنه مش بيهرب من كلامي.
دخل الأوضة وقفل الباب.
قعد قدامي وقال
العنوان اللي في الورقة... محدش يروحه لوحده.
لسه هسأله ليه...
سمعنا صوت خناقة في الصالة.
خرجنا نجري.
لقينا جوز أختي ماسك شنطة الراجل الغريب وبيحاول يشدها منه.
وهو بيزعق
هاتها... أنا عارف إن النسخة معاك!
الراجل مسك الشنطة بقوة وقال
حتى لو موت... مش هتاخدها.
وفي وسط الشد والجذب...
الشنطة اتفتحت.
والأوراق اتناثرت في الصالة كلها.
كل واحد جري يجمعها.
لكن وأنا بلم الورق...
وقعت عيني على ظرف صغير مختلف عن الباقي.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
وعليه بخط واضح
يُفتح بواسطة صاحبة الاسم فقط.
تجمدت.
ده نفس الخط اللي كان على الورقة اللي لقيتها.
مديت إيدي آخده...
لكن جوز أختي سبقني.
خطف الظرف وابتسم.
وقال
هو ده اللي كنت بدور عليه.
وقبل ما يفتح الشمع...
الراجل الغريب صرخ بأعلى صوته
لو فتحت الظرف ده... هتضيع الحقيقة للأبد!
جوز أختي وقف لحظة.
بص للظرف...
وبعدين ابتسم ابتسامة مريبة.
وقال
يبقى لازم يتفتح.
ورفع إيده ببطء علشان يكسر ختم الشمع...
وفي نفس اللحظة، دوّى صوت قوي من خارج البيت، كأن عربية اصطدمت بالبوابة الحديد.
الكل جرى ناحية الشباك.
أما جوز أختي...
فاستغل اللحظة، وحط الظرف في جيبه، واختفى من باب البيت الخلفي قبل ما أي حد يلحقه.
وأنا واقفة مصدومة، أدركت إن الورقة اللي في جيبي والخريطة اللي عليها... يمكن تكون الأمل الوحيد للوصول للحقيقة قبل ما يختفي الظرف إلى الأبد.
يتبع...وقفت لحظة واحدة... وبعدها جريت.
من غير ما أفكر.
خرجت من الباب وأنا شايفة جوز أختي بيجري آخر الشارع، وكل شوية يبص وراه يتأكد إن محدش لحقه.
أبويا كان بيصرخ
ارجعي! متجريش وراه لوحدك!
لكن ساعتها ماكنتش سامعة غير صوت نبضات قلبي.
فضلت أجري لحد ما دخل زقاق ضيق.
ولما وصلت...
ملقتوش.
كأنه اختفى.
كنت هارجع، لكن سمعت صوتين بيتكلموا من ورا سور قديم.
واحد منهم كان صوت جوز أختي.
بيقول
الظرف معايا... بس الخريطة مش لقيتها.
رد عليه صوت تاني
يبقى البنت أخدتها.
اتجمدت مكاني.
هما يعرفوا إن الخريطة معايا؟
كمل الصوت
لازم نجيبها قبل ما توصل للمكان.
ساعتها فهمت إن العنوان اللي في الورقة مش مجرد عنوان...
ده مكان بيدوروا عليه بقالهم سنين.
رجعت للخلف بهدوء علشان محدش يحس بيا.
لكن رجلي خبطت في صفيحة صاج قديمة.
الصوت كان عالي.
وفي ثانية...
سكت الكلام.
وسمعت جوز أختي بيقول
مين هناك؟!
بدأت أجري بكل قوتي.
وهم ورايا.
فضلت ألف بين الشوارع لحد ما وصلت البيت، ودخلت وقفلت الباب.
كنت بنهج، ومش قادرة أتكلم.
أول ما شافني أبويا بالشكل ده، عرف إن حاجة حصلت.
قلت وأنا بطلع الورقة من جيبي
هما عارفين... وعارفين إن الخريطة معايا.
وش أبويا اصفر.
وقال بسرعة
يبقى لازم نمشي الليلة.
أمي اتصدمت.
نمشي ونروح فين؟
رد وهو بيبص للخريطة
للمكان المكتوب هنا... قبل ما يسبقونا.
الراجل الغريب قرب من الترابيزة، وفرد الخريطة لأول مرة قدام الجميع.
وفضل يتأملها دقيقة كاملة.
وفجأة قال
مستحيل...
قلت بلهفة
إيه؟
أشار بإصبعه على ركن صغير في الخريطة.
كان فيه علامة بالقلم الأحمر، وتحتها كلمة واحدة فقط
القبو.
رفع الراجل عينه وبص لأبويا وقال بصوت مرتعش
إحنا كنا بندور بعيد... والنسخة الأصلية طول عمرها أقرب مما تخيلنا.
وقبل ما يشرح قصده...
انطفأت أنوار البيت كلها فجأة.
وغرق المكان في ظلام تام.
وفي وسط السكون...
سمعنا صوت حد بيحاول يفتح باب البيت من الخارج بمفتاح.
يتبع...بصيت للخريطة مرة واتنين.
أنا متأكدة إن الجملة دي ماكنتش موجودة قبل كده.
الراجل الغريب أخدها من إيدي، وقربها من نور الكشاف.
وشه اتغير.
وقال بصوت واطي
دي كتابة بالحبر السري... مبتظهرش غير في ظروف معينة.
أبويا قام واقف فجأة.
وقال
يبقى لازم نسبقهم للبئر.
أمي بصتله بخوف.
دلوقتي؟! بالليل؟
رد من غير تردد
كل دقيقة بنتأخرها... بتقربهم من الحقيقة.
خرجنا من البيت في هدوء.
أنا... وأبويا... والراجل الغريب.
أما أمي، ففضلت مع ولادي.
وأختي كانت قاعدة في ركن الصالة، منهارة، ومش قادرة ترفع عينيها في حد.
ركبنا العربية.
طول الطريق محدش نطق.
لحد ما وصلنا لطريق ترابي قديم، آخره أرض مهجورة.
وقف الراجل العربية وقال
من هنا هنكمل مشي.
مشينا وسط الزراعات.
والهدوء كان مرعب.
بعد حوالي عشر دقايق...
ظهر قدامنا بئر قديم، حوالينه سور مكسور وشجر يابس.
بصيت لأبويا.
لقيته واقف مكانه، وكأنه رجع عشرات السنين لورا.
همس لنفسه
لسه موجود...
قرب الراجل من البئر.
ولقى على حافته نفس العلامة الحمراء اللي كانت مرسومة في الخريطة.
قال
إحنا في المكان الصح.
بدأنا نفتش حواليه.
وفجأة...
سمعت صوت حديد بيخبط في الأرض.
لفيت بسرعة.
لقيت أبويا شال حجر كبير كان جنب البئر.
وتحته...
كانت فيه حلقة حديد مدفونة في التراب.
شدها بكل قوته.
فتح باب حديد صغير، نازل منه سلم قديم تحت الأرض.
بصلي وقال
القبو كان تحت البئر... مش بعيد عنه.
وقبل ما ننزل...
سمعنا صوت عربية وقفت بعيد.
ثم نور كشافات قوية اتسلط علينا.
وجالنا صوت جوز أختي وهو بيصرخ
متنزلوش... لأن اللي تحت بقى ملكي!
بصينا ناحية الصوت.
لقيناه واقف، ومعاه كذا شخص، وفي إيده الظرف المختوم.
ابتسم وهو رافع الظرف قدامنا، وقال
الخريطة كانت معاكم... لكن السر الحقيقي معايا.
وأخرج من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ولوّح به في الهوا.
الراجل الغريب شهق وقال
المفتاح... إزاي وصل لإيدك؟!
ابتسم جوز أختي بثقة، وقال
لأنكم طول السنين دي... كنتم بتدوروا على نص الحقيقة بس.
يتبع...انقطع النور
متابعة القراءة