قبل ست سنين
قبل ست سنين، اتهموني إني السبب في إننا مخلفناش، لأن كان أسهل عليهم يرموا اللوم عليّ بدل ما يواجهوا الحقيقة.
ولما جوزي السابق شافني داخلة ومعايا تلات أطفال زي القمر، بصيتله بهدوء وقلت
المشكلة عمرها ما كانت فيا... المشكلة كانت في الكدبة اللي اخترتوا تصدقوها عني.
أنا عزمتها علشان كل الناس تشوف مصير الست اللي سابت بيتها وعيلتها.
قالها كريم الدمنهوري وهو واقف قدام الحضور في الاحتفال السنوي لشركة العيلة، وسط أكتر من مية شخص من رجال الأعمال والمعارف.
كان بيتكلم بثقة، ومراته داليا واقفة جنبه بابتسامة كلها شماتة.
من ست سنين، هما نفس الناس اللي وقفوا يتفرجوا عليّ وأنا خارجة من البيت بشنطة واحدة، بعد ما اتهموني إني عقيم، ولا حد فيهم حاول يعرف الحقيقة.
وداليا كانت متأكدة إن رجوعي النهارده هيكون وأنا مكسورة، لوحدي، وجاية أطلب السماح.
لكن فجأة...
اتسمع صوت عربيات بتدخل من البوابة.
وقفت عربية سوداء فخمة، وراها عربيتين تانيين.
نزل منهم مسؤولين كبار من مؤسسة ضخمة بترمم القصور والمباني التاريخية وبتدير مشاريع في محافظات كتير.
وبعدين...
نزل ولد عنده حوالي سبع سنين، وبعده بنت عندها خمس سنين، وآخرهم طفل صغير ماسك إيد راجل أنيق.
بصت داليا باستغراب.
الطفلة سألتني بصوت بريء
يا ماما... هو ده المكان اللي فيه مجسمات السفن؟
ابتسمت وربتّ على شعرها وقلت
أيوه يا ليلى... وهتشوفي كمان إزاي الناس ساعات بتحكم على غيرها من غير ما تعرف الحقيقة.
في اللحظة دي...
وش كريم اتجمد.
وعينه فضلت معلقة على الأطفال...
كأنه نسي يتنفس ووو
كريم رمش كذا مرة، كأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي شايفه وهم.
عينه كانت بتتنقل بين وشوش الأطفال... وبين ملامحي.
همس من غير ما يحس
مستحيل...
داليا قربت منه بسرعة وقالت وهي بتحاول تضحك
إيه؟ متقوليش صدقت التمثيلية دي؟ أكيد أولاد جوزها.
لكن كريم ما ردش.
كان مركز مع الولد الكبير.
فيه حاجة في طريقته وهو واقف... في نظرة عينه... حتى وهو بيعدل ياقة قميصه... كانت شبه حد كريم يعرفه كويس جدًا.
في اللحظة دي، الولد بصله للحظات، وبعدين لف ناحيتي وقال
ماما... هو الراجل ده بيبصلي ليه كده؟
ابتسمت بهدوء وقلت
ممكن لأنه افتكر حاجة كان ناسيها.
الجملة نزلت على كريم زي الصاعقة.
بدأت الهمهمات تدور بين الحضور.
هو إيه اللي بيحصل؟
هي قالت له ماما؟
مش كانوا بيقولوا إنها مبتخلفش؟
داليا حسّت إن الأرض بتتهز تحتها.
قالت بصوت عالي وهي بتحاول تسيطر على الموقف
طيب ما أي واحدة ممكن تتجوز بعد الطلاق وتخلف... فين المفاجأة يعني؟
سكتُّ ثواني...
وبعدين بصيت لها بابتسامة هادية.
عندك حق... أي ست ممكن تخلف... لما تكون مع الشخص الصح.
الكلمات وقعت في القاعة كلها.
وفجأة...
واحد من كبار رجال الأعمال اللي كانوا قاعدين على الترابيزة الأولى قام من مكانه، واتجه ناحيتي بابتسامة احترام.
مد إيده يصافحني وقال قدام الجميع
إحنا كنا مستنيين حضرتك من بدري... الاجتماع مش هيبدأ من غير توقيعك.
كل الأنظار اتحولت ناحيتي.
حتى كريم اتفاجئ وقال بعدم تصديق
توقيع إيه؟
الراجل استغرب من سؤاله، وقال ببساطة
واضح إنك متعرفش... الأستاذة هي الشريك الرئيسي في المشروع اللي شركتكم بتحاول تكسبه بقالها أكتر من سنة.
ساد الصمت.
داليا بلعت ريقها.
أما كريم... فبدأ لأول مرة يحس إن الست اللي كان فاكر إنه كسرها... رجعت وهي ماسكة مفاتيح لعبة أكبر بكتير مما كان يتخيل.
وفي اللحظة اللي كان بيحاول يستوعب فيها اللي سمعه...
وصل موظف بسرعة وهو شايل ملف أزرق سميك، ووقف قدامي وقال بصوت مسموع
يا فندم... في مستند واحد بس ناقص توقيع حضرتك... وفيه ملاحظة مهمة لازم تشوفيها قبل ما نمضي.
مديت إيدي أخد الملف...
لكن أول ما فتحته، اتغيرت ملامحي للحظة...
لأن أول ورقة كانت فيها اسم شخص... ما توقعتش أشوفه أبدًا في المشروع ده ثبتُّ نظري على الاسم ثواني طويلة...
لدرجة إن المسؤول اللي واقف جنبي قال بقلق
في حاجة يا فندم؟
قفلت الملف بهدوء، وقلت
لا... بس واضح إن في حد بيحاول يلعب لعبة قديمة بأسلوب جديد.
الكلمة دي كانت كفاية تخلي الفضول ياكل الحضور.
أما كريم، فكان بيحاول يشوف الورق من بعيد.
قال وهو بيتقدم خطوة
ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟
رفعت عيني ناحيته، وقلت بهدوء
هتفهم... لكن مش دلوقتي.
في نفس اللحظة، الراجل الأنيق اللي كان ماسك إيد الطفل الصغير قرب، وقال بابتسامة هادئة
الأطفال تعبوا من السفر... تحبي أوديهم القاعة الجانبية؟
هزيت راسي بالموافقة.
لكن قبل ما يمشوا...
ليلى وقفت فجأة قدام المجسم الكبير اللي كان في منتصف القاعة.
وقالت بصوت طفولي سمعه الكل
ماما... هو ده نفس القصر اللي كنتي بتقولي إنهم كانوا هيهدوه لولا إنكم أنقذتوه؟
القاعة سكتت.
أحد أعضاء مجلس الإدارة قال باستغراب
أنقذتوه؟
ابتسم الرجل الأنيق وقال
أيوه... لو ما كانتش الأستاذة أصرت تراجع الرسومات بنفسها، كان جزء من المبنى التاريخي اتحول لركام.
بدأت الهمسات تزيد.
ناس كتير كانوا أول مرة يعرفوا إن المشروع اللي بيتفاخروا بيه... كان النجاح الحقيقي فيه بسببها.
أما كريم...
فبدأ يحس إن كل دقيقة بتعدي بتكشف جانب جديد عمره ما كان يعرفه.
وفجأة خرج صوت من آخر القاعة
أنا عندي سؤال.
التفت الجميع.
كان رجل كبير في السن، معروف إنه من أقدم المستثمرين في الشركة.
بصلي مباشرة وقال
إذا كنتِ وصلتي لكل النجاح ده... ليه وافقتي أصلًا تيجي الدعوة دي؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة...
لكن قبل ما أجاوب...
رن هاتفي.
بصيت للشاشة...
فاتغير لون وشي للحظة.
الاسم اللي ظهر كان نفس الاسم المكتوب في أول ورقة داخل الملف...
والأغرب...
إن الشخص ده كان المفروض ميت من ست سنين فضل التليفون بيرن...
وكل اللي في القاعة لاحظ إن ملامحي اتبدلت لأول مرة من ساعة ما دخلت.
بصيت للشاشة، وبعد لحظة تردد،