الممرضة حطت ابني

لمحة نيوز

نفسه حجم الصندوق اللي كان مع عامل الصيانة قبل قليل مريم فضلت تراقب باب الغرفة 217 من بعيد.
الممرضة مشت بسرعة، وهي كل شوية تبص وراها كأنها خايفة حد يكون متابعها.
بعد دقائق، الممر خلا تمامًا.
استغلت الفرصة، وخرجت بخطوات بطيئة وهي لسه مرهقة من الولادة.
كل خطوة كانت بتوجعها، لكن فضولها كان أقوى.
وقفت قدام باب الغرفة 217.
جربت المقبض...
الباب كان مقفول.
لكن وهي راجعة، لمحت بطاقة ممغنطة صغيرة واقعة تحت عربة نقل الملفات.
التقطتها بسرعة.
كانت مكتوب عليها
قسم السجلات الطبية تصريح مؤقت.
بصت يمين وشمال، ثم مررت البطاقة على جهاز الباب.
صدر صوت قصير...
بيب...
وانفتح الباب ببطء.
دخلت وقفلت الباب وراها بهدوء.
الغرفة كانت مليانة دواليب حديد وملفات مرصوصة بعناية.
وفي آخر الغرفة، كان فيه جهاز كمبيوتر شغال، وشاشته منورة.
الغريب...
إن الشاشة كانت مفتوحة بالفعل على ملف مريض.
اقتربت أكثر.
قرأت الاسم...
مريم أحمد.
اتسعت عيناها.
بدأت تقلب في البيانات.
وجدت تفاصيل ولادتها، وساعة دخولها العمليات، وتقارير الأطباء.
لكن في آخر الصفحة كان فيه سطر محذوف بخط أسود عريض، وكأن حد تعمد إخفاءه.
وقبل ما تلحق تدقق فيه...
وصل إشعار على شاشة الكمبيوتر.
نافذة صغيرة ظهرت مكتوب فيها
تم تسجيل دخول مستخدم آخر إلى الملف.
بعدها بثانيتين...
انطفأت الشاشة فجأة.
وسمعت صوت قفل الباب الإلكتروني وهو بيشتغل.
التفتت بسرعة.
الباب اتقفل لوحده.
وفي الصمت، سُمعت خطوات بطيئة تقترب من الغرفة.
ثم صوت مفتاح يُدار في القفل من الخارج...
وأعقبه صوت رجل يقول بنبرة هادئة لكنها حاسمة
عارف إنك جوه... افتحي الباب، لازم نتكلم قبل ما تشوفي بقية الملف ابتلعت مريم ريقها وهي تسمع الصوت من خلف الباب.
كان هادئًا... لكنه يحمل ثقة شخص يعرف أنها بالداخل.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وعيناها تدوران في الغرفة تبحثان عن أي مخرج.
ثم جاء الصوت مرة أخرى
لو فتحتِ الباب دلوقتي... هتعرفي جزء من الحقيقة. ولو اتأخرتِ دقيقة واحدة... الملف هيختفي.
ترددت.
لكنها في النهاية ضغطت على مقبض الباب.
انفتح ببطء...
ولم تجد أحدًا.
الممر كان خاليًا تمامًا.
إلا من ملف بني كبير موضوع على الأرض، وكأنه تُرك لها عمدًا.
انحنت بسرعة وأخذته، ثم عادت إلى الداخل وأغلقت الباب.
فتحت الملف...
كان مليئًا بصور وتقارير طبية.
وأثناء تقليبها، سقطت صورة قديمة على الأرض.
التقطتها...
فتجمدت.
كانت صورة لغرفة العمليات بعد ولادتها مباشرة.
هي على السرير فاقدة الوعي...
وبجوارها طبيبان يحمل كل واحد منهما طفلًا.
لكن ما لفت انتباهها لم يكن الطفلين...
بل الشخص الواقف في الخلف.
كان أحمد.
ينظر إلى أحد الطفلين فقط، ويشير للطبيب نحو الباب الجانبي الذي رأته في الصورة السابقة.
قلبت الصورة بسرعة.
وعلى ظهرها كانت عبارة مكتوبة بخط اليد
القرار اتاخد... ومحدش لازم يعرف.
وقبل أن تستوعب ما قرأته، سمعت صوت إنذار يدوي يدوّي في المستشفى.
وخلال ثوانٍ، امتلأ الممر بالأطباء والممرضين.
ومن بين الزحام...
رأت الرجل الذي كان يرتدي زي عامل الصيانة.
لكن هذه المرة، لم يكن يرتدي الزي.
كان يرتدي بدلة رسمية، ويتحدث مع مدير المستشفى باحترام شديد.
أيقنت في تلك اللحظة...
أن الرجل لم يكن عامل صيانة أصلًا.
وبينما كانت تراقبه، التفت نحوها فجأة.
نظر إليها مباشرة...
ثم رفع إصبعه إلى شفتيه، في إشارة واحدة فقط
اصمتي...
وفي اللحظة نفسها، شعرت مريم بيدٍ توضع برفق على كتفها من الخلف.
تجمد جسدها.
وسمعت صوتًا هامسًا يقول
لو عايزة تشوفي ابنك... تعالي معايا دلوقتي... قبل ما يخرجوه من المستشفى مريم ماقدرتش تلف وشها من شدة الصدمة.
الصوت كان قريب جدًا...
لكن نبرته كانت هادئة بشكل غريب.
استجمعت شجاعتها، واستدارت ببطء.
كانت سيدة في منتصف الخمسينات، ترتدي معطفًا أبيض وبطاقة تعريف معلقة على صدرها، لكنها أخفتها بسرعة داخل جيبها.
همست
معنديش وقت أشرح... لو جيتي معايا دلوقتي، هتشوفي بعينك. ولو اتأخرنا، هيفوت الأوان.
ترددت مريم للحظة.
ثم مشت خلفها.
سلكتا ممرًا جانبيًا لم تره من قبل، بعيدًا عن الزحام.
في نهاية الممر كان هناك مصعد صغير مكتوب عليه
للاستخدام الداخلي فقط.
ضغطت السيدة الزر، ونزل المصعد فورًا.
دخلتا.
وأثناء نزوله، قالت السيدة بصوت منخفض
فيه ناس فاكرة إن كل الأدلة اتدمرت... لكنهم نسوا كاميرا واحدة.
اتسعت عينا مريم.
كاميرا؟
أومأت السيدة.
كاميرا الممر الخلفي... صورت كل اللي حصل بعد ولادتك.
انفتح باب المصعد.
خرجتا إلى طابق شبه مهجور.
دخلتا غرفة صغيرة فيها شاشة كمبيوتر قديمة.
أدخلت السيدة كلمة مرور، وظهر تسجيل بتاريخ يوم الولادة.
بدأ الفيديو.
ظهر طبيبان يخرجان من غرفة العمليات، وكل واحد منهما يحمل رضيعًا.
حبست مريم أنفاسها.
ثم ظهر أحمد في الكاميرا.
اقترب من أحد الطبيبين...
وتحدث معه.
الصورة كانت صامتة، لكن حركة الشفاه أوحت أن الحديث كان حادًا.
بعدها بدقائق...
خرج الطبيب الأول متجهًا إلى الحضانة.
أما الطبيب الثاني...
فغيّر اتجاهه تمامًا، وسلك الباب الجانبي.
توقفت السيدة عند هذه اللقطة وقالت
شوفتي؟
قبل أن ترد مريم، انطفأت الشاشة فجأة.
ظهر على الشاشة سطر واحد باللون الأحمر
تم حذف التسجيل بواسطة المدير.
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب الغرفة بعنف.
وقف مدير المستشفى عند الباب، وخلفه اثنان من أفراد الأمن.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
واضح إن في ناس بتحب تنبش في الماضي...
ثم نظر مباشرة إلى مريم وأضاف
بس السؤال الحقيقي... إنتِ مستعدة تعرفي الحقيقة كاملة؟ لأن بعد اللي هتسمعيه... عمرك ما هتبصي لأي حد حواليكي بنفس الطريقة النهاية
وقف مدير المستشفى أمام مريم، ثم قال بهدوء
قبل ما تتهمي أي حد... لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
أشار إلى أحمد، الذي دخل الغرفة في نفس اللحظة وملامحه منهارة.
صرخت مريم
قولي... ابني فين؟!
أحمد أغلق عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت مبحوح
ابننا مات فعلًا يا مريم...
هزت رأسها بعنف.
كذاب! كل الأدلة بتقول غير كده!
أخرج المدير ملفًا قديمًا ووضعه أمامها.
بداخله تقرير الطب الشرعي، وتوقيع ثلاثة أطباء، وصور الأشعة، وتقارير الإنعاش.
كلها تؤكد أن الطفل الثاني وُلد بحالة حرجة جدًا، ورغم محاولات إنقاذه لساعات، فارق الحياة.
قال المدير
لكن اللي حصل بعد كده هو سبب كل اللي عشتيه.
فتح ملفًا آخر.
كانت فيه بلاغات رسمية عن موظف سابق بالمستشفى، تم فصله قبل سنوات بسبب تزوير ملفات المرضى وابتزاز الأهالي.
ومنذ ذلك الوقت، بدأ يرسل رسائل مجهولة لأي أسرة فقدت طفلًا، مدعيًا أن الطفل ما زال حيًا، ليزرع الشك ويطلب المال لاحقًا مقابل كشف الحقيقة.
كل الأشخاص الذين ظهروا لمريم... الممرضة، وعامل الصيانة، والسيدة الغامضة...
كانوا جزءًا من لعبته، يستغلون لحظات ضعفها ويقدمون لها أدلة حقيقية ممزوجة بأكاذيب، حتى تبدو القصة مقنعة.
أما اختلاف الأرقام في الأساور والملفات، فكان نتيجة تبديل إداري حدث أثناء نقل الملفات بعد الولادة، وتم توثيقه لاحقًا، لكنه استُغل لإثارة الشك.
نظر أحمد إلى مريم والدموع في عينيه.
أنا كنت بخبي عنك إنهم حاولوا ينعشوه ساعات... لأني كنت خايف تعيشي على أمل كاذب.
انهارت مريم في البكاء.
اقترب أحمد .
ولأول مرة منذ أيام، شعرت أن حزنه كان حقيقيًا مثل حزنها.
بعد أشهر، ألقت الشرطة القبض على الرجل الذي كان يرسل الرسائل، بعد أن اكتشفوا عشرات الضحايا الذين عاشوا الوهم نفسه.
أما مريم وأحمد، فقررا أن يبدآ من جديد من أجل طفلهما الذي نجا، وأن يحتفظا بذكرى شقيقه في قلوبهما دون أن يسمحا للخداع بأن يسرق سلامهما مرة أخرى.
تمت.

تم نسخ الرابط