حماتي
المحتويات
عندك مشاكل في الائتمان، والمحامي قال الأفضل يتسجل باسمه مؤقتًا.
قلت وأنا ببصلها
وإيه دخل فلوسي بكل ده؟
سكتت.
كررت السؤال بصوت أعلى
فلوسي راحت فين؟
ردت بعد تردد
جزء دخل المشروع...
والباقي؟
بلعت ريقها.
كان... بيتصرف على ديون قديمة، وعلى مصاريف البيت.
جوزي ضرب بإيده على الترابيزة.
يعني كنتِ بتاخدي الفلوس من غير ما تقوليلي؟
قالت بسرعة
كنت بعمل كده عشان أحافظ عليكم.
ابتسمت بسخرية.
وبتحافظي عليا إزاي؟ لما تحرميني حتى من قطعة لحمة كل جمعة؟
نزلت عينيها للأرض.
لكن قبل ما أي حد يتكلم، رن موبايلها.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
حاولت تقفل المكالمة، لكن جوزي خطف الموبايل من إيديها.
ظهر اسم المتصل
المحامي.
رد جوزي على طول.
وجاله صوت من الطرف التاني بيقول
أستاذة أم محمد، لازم تحضروا بكرة. في مشكلة كبيرة... لأن صاحب المشروع الحقيقي عرف إن في فلوس دخلت من حساب شخص تاني، وهدد يبلغ النيابة لو الموضوع ما اتحلش.
أنا وجوزي بصينا لبعض في نفس اللحظة.
لأننا فهمنا إن القصة أكبر من خلاف عائلي.
في حد تالت في الصورة...
وهو صاحب المشروع الحقيقي...
والظاهر إنه بدأ يكتشف إن فيه حاجة اتعملت من غير علمه.
يتبع...تاني يوم، محدش في البيت نام.
أول ما الساعة جابت تسعة الصبح، لبس جوزي وقال
لازم نروح مكتب المحامي.
قلت بهدوء
أنا جاية معاك.
حماتي اعترضت بسرعة
لأ... هي مالهاش لازمة تيجي.
بصيتلها وقلت
بالعكس... أنا أكتر واحدة لازم تكون موجودة، لأن الفلوس فلوسي، واسمي هو اللي بيتقال في كل ورقة.
سكتت ومقدرتش ترد.
وصلنا مكتب المحامي.
أول ما دخلنا، كان فيه راجل في آخر الخمسينات قاعد بهدوء، وأول ما شاف جوزي وقف.
قال
أخيرًا جيتوا.
المحامي أشار علينا نقعد، وبعدين فتح ملف كبير قدامه.
قال
قبل أي كلام، لازم أوضح إن في ناس كتير اتضحك عليها في الموضوع ده.
بصيتله باستغراب.
يعني إيه؟
قال
المشروع نفسه موجود... لكن طريقة جمع الفلوس هي اللي فيها مشكلة.
لف الملف ناحيتي، ولقيت كشوف تحويلات.
مش كشوفي أنا بس...
كان فيه أسماء كتير.
رجالة وستات.
كل واحد محول مبلغ مختلف.
قلت بدهشة
يعني أنا مش الوحيدة؟
هز رأسه.
لأ... في أكتر من شخص دخل فلوس على أساس إنه بيشارك في مشروع أو بيسدد التزام معين.
جوزي بص للمحامي وقال
مين كان مسؤول عن كل ده؟
المحامي سكت لحظة، ثم قال
الاسم الموجود في العقود... مش اسم والدتك، ولا اسمك.
مد إيده وأخرج بطاقة شخصية مصورة.
حطها قدامي.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن قلبي وقف.
لأن صاحب البطاقة...
كنت شفته قبل كده.
لكن مش في افتتاح المشروع.
ولا في بيت حماتي.
كان نفس الراجل اللي حضر عند باب شقتنا، وقال بعفوية
هي لسه متعرفش الحقيقة؟
المحامي قال وهو بيقلب ورقة تانية
الراجل ده اختفى من أسبوع.
وساب وراه ملفات وأوراق ناقصة.
ولو ملقيناهوش...
في ناس كتير هتدخل في مشاكل قانونية، لأن كل الأوراق كانت بتتم باسمه.
جوزي بصلي لأول مرة بعين مليانة خوف، وقال
إحنا لازم نلاقيه قبل الشرطة.
وفي نفس اللحظة، دخل سكرتير المحامي مسرعًا وهو ماسك ظرفًا أبيض.
قال
الظرف ده وصل حالًا... ومكتوب عليه يُسلَّم لزوجة محمد فقط.
كل العيون اتجهت ناحيتي...
ومديت إيدي أمسك الظرف...
من غير ما أعرف إن اللي جواه هيغيّر مسار الحكاية كلها مسكت الظرف، وكان مقفول بالشمع الأحمر.
المحامي قال بهدوء
افتحيه... كلنا لازم نعرف اللي فيه.
فتحت الظرف، ولقيت جواه جواب مكتوب بخط اليد، ومعاه مفتاح صغير وعليه رقم 27.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
لو الرسالة دي وصلت ليكي، يبقى أكيد عرفتي إن في ناس استغلت ثقتك. لكن اعرفي إن الحقيقة اللي سمعتيها لسه نصها بس.
كملت القراءة، وإيدي بتترعش.
الفلوس اللي خرجت من حسابك دخل منها جزء المشروع، لكن الجزء الأكبر اتحول بعد كده لحسابات تانية. الشخص اللي عمل التحويلات مش الشخص اللي قدامك... وفي حد كان بيدير كل حاجة من بعيد.
المحامي قاطعني وقال
كملي.
رجعت أبص للورقة.
المفتاح اللي مع الجواب ده يفتح خزنة رقم 27 في شركة حفظ الأمانات. جوه الخزنة كل المستندات الأصلية، والعقود، وأسماء كل اللي اشتركوا في الموضوع.
رفعت عيني.
قلت
يعني كل الأدلة هناك؟
قبل ما حد يرد، لقيت آخر سطر في الجواب.
قرأته بصوت منخفض، لكن الكل سمعه
ومتثقيش في أي حد... حتى أقرب الناس ليكي.
ساد الصمت.
جوزي مد إيده وقال
اديني المفتاح.
سحبت إيدي بسرعة.
لأ... المرة دي أنا اللي هروح.
حماتي قامت من مكانها بعصبية لأول مرة.
وقالت
الخزنة دي مينفعش تتفتح!
بصيتلها باستغراب.
إنتِ عرفتي منين إنها مينفعش تتفتح؟
اتلخبطت، وحاولت تغير الكلام.
لكن المحامي وقف وقال بحزم
واضح إن في حاجات لسه مستخبية.
وفي اللحظة دي، دخل موظف المكتب وهو ماسك تليفونه.
قال للمحامي
في خبر عاجل... الراجل اللي كنا بندور عليه اتلاقى.
كلنا وقفنا.
سأل جوزي بسرعة
فين؟
الموظف بص للشاشة، وقال
اتلاقى... لكنه موجود في المستشفى، وطلب يقابل شخص واحد بس قبل ما يتكلم مع الشرطة.
سألته بلهفة
مين؟
بص ناحيتي مباشرة وقال
طلب يقابل... حضرتك إنتِ بالاسم اتجمدت مكاني.
قلت بعدم تصديق
أنا؟! هو يعرفني أصلًا؟
الموظف هز رأسه وقال
قال اسمك كامل، وقال إنه مش هيتكلم مع الشرطة غير بعد ما يشوفك.
بصيت للمحامي.
قال بهدوء
لو هنروح، يبقى كل حاجة تتم بشكل قانوني. ومحدش يتكلم معاه لوحده.
حماتي قاطعت بعصبية
ملهاش لازمة تروح!
لفيت لها بسرعة.
واضح إن كل مرة تقولي ملهاش لازمة، بيطلع وراها سر.
سكتت، ومحدش رد.
بعد نص ساعة كنا في المستشفى.
الممرضة وقفتنا عند باب الأوضة وقالت
المريض طلب يدخل شخص واحد فقط.
بصيت لجوزي، وبعدين دخلت وقفلت الباب ورايا.
كان الراجل نايم على السرير، ووشه شاحب.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
أنا كنت مستنيكي.
قلت بحذر
إنت مين؟ وليه عملت كل ده؟
هز رأسه وقال
أنا غلطت... بس مش أنا اللي بدأت.
طلع ظرف صغير من تحت المخدة، ومده ناحيتي.
خدي ده... قبل ما حد يعرف إني اديتهولك.
فتحته بسرعة.
كان جواه فلاشة... وصورة قديمة.
بصيت للصورة.
كانت صورة عائلية.
حماتي واقفة فيها...
وجنبها شاب صغير.
ولما ركزت في الصورة، بصيت للراجل اللي قدامي، ثم للصورة مرة تانية.
ملامحهم كانت متطابقة.
رفعت عيني وسألته
إنت تبقى مين لحماتي؟
ابتسم بحزن، وقال
أنا...
وقبل ما يكمل، انفتح باب الأوضة فجأة.
دخلت حماتي وهي بتصرخ
إوعى تقولها!
الراجل بص لها، وقال بهدوء
خلاص... تعبت من السكوت.
وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال الجملة التي قلبت كل ما كنتِ تعتقدينه
أنا ابنها... وابنها اللي قالت للناس من ثلاثين سنة إنه مات، وهو في الحقيقة كان عايش طول الوقت اتجمدت في مكاني.
بصيت للراجل... وبعدين لحماتي.
حماتي وشها بقى أصفر، وسندت على الباب كأن رجليها مش شايلينها.
صرخت فيه
اسكت! إنت وعدتني إن السر ده يدفن معانا!
رد عليها بصوت هادي
أنا وعدتك... قبل ما أشوف الناس بتتظلم بسببي.
جوزي كان واقف برة الأوضة، ولما سمع الصوت دخل بسرعة.
بص للراجل، وقال بعدم استيعاب
يعني... إنت أخويا؟
الراجل هز راسه وهو بيحاول ياخد نفسه.
قال
أيوه... أخوك من أمك.
ساد صمت طويل.
لكنني قطعت الصمت وسألت السؤال الذي كان يهمني أكثر من أي شيء
وإيه علاقة ده بفلوسي؟
لف الراجل ناحيتي وقال
لأن أمك... أقصد والدتنا... استخدمت المشروع عشان تصلح غلطات قديمة. كانت فاكرة إنها هترجعلك كل جنيه بعد ما المشروع ينجح.
حماتي صرخت
أنا كنت عايزة أحافظ على البيت!
قلت بغضب
تحافظي على البيت... ولا تبني بيت على حسابي؟
نزلت دموعها لأول مرة.
لكن قبل ما تتكلم، الراجل مد إيده بالفلاشة وقال
كل الحقيقة هنا... فيها التحويلات، والعقود، والرسائل... وفيها كمان تسجيلات تثبت مين كان بياخد كل مبلغ.
أخذت الفلاشة من إيده.
وفي اللحظة دي، دخل طبيب الغرفة وقال بحزم
الزيارة انتهت... والمريض محتاج راحة.
خرجنا كلنا من الأوضة.
وأنا ماسكة الفلاشة بإيدي.
كنت حاسة إن فيها إجابات لكل الأسئلة.
لكن وأنا خارجة من باب المستشفى، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل هادئ قال
لو فتحتي الفلاشة قبل ما نتقابل... هتخسري الدليل الوحيد اللي يثبت حقك.
قلت بسرعة
إنت مين؟
رد
أنا الشخص الوحيد اللي يعرف كلمة السر اللي تفتح الملفات.
وبعدين قفل الخط.
بصيت للفلاشة في إيدي...
واكتشفت لأول مرة إن عليها قفل إلكتروني صغير، ومكتوب عليها من الخلف بخط دقيق
لن تعمل إلا بكلمة المرور.
عرفت وقتها إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن الحقيقة الكاملة ما زالت مستخبية داخل تلك الفلاشة خرجت من المستشفى وأنا ماسكة الفلاشة كأنها آخر أمل.
جوزي حاول ياخدها مني.
قال
اديهالي... أنا هتصرف.
سحبت إيدي بسرعة.
لأ... من النهارده مفيش حاجة هتم من ورا ضهري.
المحامي اقترح نروح مكتبه ونفحص الفلاشة عند خبير.
وافقنا.
بعد ساعة، كنا قاعدين قدام خبير كمبيوتر.
وصل الفلاشة بالجهاز.
ظهرت شاشة سوداء.
مكتوب فيها
أدخل كلمة المرور.
جربنا تاريخ ميلاد حماتي.
رفض.
تاريخ ميلاد جوزي.
رفض.
اسم المشروع.
رفض.
الخبير قال
بعد خمس محاولات غلط، الملفات هتتقفل نهائيًا.
وقفنا كلنا.
محدش بقى مستعد يخاطر.
وفي اللحظة دي، افتكرت المفتاح اللي كان مع الجواب.
طلعته من شنطتي.
كان محفور عليه رقم 27، وعلى الناحية التانية حرفان صغيران
ب ر.
المحامي أول ما شاف الحرفين قال
دي مش مجرد حروف... دي غالبًا اختصار لاسم.
حماتي فجأة ارتبكت.
وشها اتغير.
قلت لها
إنتِ عرفاهم؟
قالت بسرعة
لأ.
لكن جوزي بص لأمه وقال
لا... إنتِ عرفاهم.
سكتت.
ثم همست لأول مرة
باسم رشدي.
سألتها
مين باسم رشدي؟
ردت وهي مغمضة عينيها
الشخص اللي بدأ كل الحكاية.
كلنا بصينا لبعض.
قال المحامي
يبقى لازم نلاقيه.
لكن قبل ما نتحرك، رن هاتف المحامي.
رد، واستمع لثوانٍ، ثم تغيّر وجهه.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إلينا وقال
للأسف...
متابعة القراءة