انا عندي 80 سنه حكايات زيزي
المحتويات
الوحيد الذي كنت أفكر فيه هو الوعد الذي قطعته لكِ تحت الشجرة.
أغلقت الدفتر للحظة، وضغطت عليه بين يدي.
همست
كنت فاكر...
رد آرثر بهدوء
كمّلي.
فتحت الصفحة التالية.
لكنها لم تكن مكتوبة.
كانت فارغة...
إلا من سهم صغير مرسوم في أسفلها، يشير إلى الجهة الداخلية من الغلاف.
تحسست الغلاف.
كان أكثر سُمكًا من الطبيعي.
ضغطت عليه برفق...
فانفتح جيب سري.
خرجت منه ورقة مطوية بعناية، ومعها مفتاح صغير جدًا، يختلف عن كل المفاتيح التي وجدناها من قبل.
وعلى الورقة جملة واحدة فقط
قبل ما تعرفي بقية حكايتي... لازم تفتحي الصندوق اللي محدش عرف بوجوده.
رفعت رأسي نحو آرثر.
قلت بدهشة
صندوق تاني؟
ابتسم لأول مرة منذ دخلنا البيت، وقال
أيوه... وكنت مستني اللحظة دي.
ثم نهض ببطء، واتجه إلى مكتبة خشبية قديمة في آخر الغرفة.
سحب أحد الكتب السميكة...
فصدر صوت خافت من داخل الحائط.
وببطء شديد، تحرك جزء من المكتبة إلى الجانب.
وخلفها...
ظهر تجويف صغير في الحائط، يتوسطه صندوق معدني أسود، لم تمسه يد منذ عشرات السنين.
اقترب آرثر، ووضع يده عليه، ثم نظر إليّ وقال
بنيامين قال لي بالحرف...
لو فتحت الصندوق ده، يبقى هي أخيرًا عرفت الطريق اللي فضلت أدور عليه طول عمري.
ومد يده نحوي بالمفتاح الصغير...
بينما ظل الصندوق الأسود مغلقًا، يخفي سرًا بدا أنه أهم من كل الرسائل التي قرأتها حتى الآن مددت يدي، وأخذت المفتاح الصغير.
كان باردًا بشكل غريب، رغم حرارة الجو.
أدخلته في قفل الصندوق الأسود...
ولما لفّيته، صدر صوت خفيف، ثم انفتح الغطاء ببطء.
حبست أنفاسي.
لكن الصندوق...
لم يكن مليئًا بالذهب، ولا بالأسرار العسكرية، ولا بأي شيء كنت أتوقعه.
كان بداخله علبة صفيح قديمة، مربوطة بشريط أزرق باهت.
وفوقها بطاقة صغيرة، مكتوب عليها
افتحيها تحت الشجرة.
رفعت رأسي باستغراب.
قلت لآرثر
أي شجرة؟
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
نفس الشجرة... اللي بدأ عندها كل شيء.
ساد الصمت.
ثم أكمل
بنيامين كان مؤمن إن بعض الذكريات لازم ترجع لنفس المكان اللي اتولدت فيه.
أخذت العلبة بين يدي.
كانت خفيفة جدًا.
لكن وأنا أرفعها، سمعت صوت شيء صغير يتحرك بداخلها.
كأن فيها أكثر من مجرد أوراق.
نظر إليّ الرجل الذي جاءني بالصندوق الأزرق، وقال
إحنا نرجع؟
هززت رأسي بالإيجاب.
وفي اليوم التالي، عدنا إلى البلدة التي عشت فيها عمري كله.
كانت الشجرة ما زالت واقفة...
كبرت، وامتدت فروعها، لكنها بقيت في نفس المكان الذي ودعته فيه منذ ستين عامًا.
وقفت تحتها.
وضعت العلبة على المقعد الخشبي القديم.
وفككت الشريط الأزرق ببطء.
فتحت الغطاء...
فوجدت في الداخل عشرات القصاصات الصغيرة المطوية، وكل واحدة عليها تاريخ.
لكن في أعلى الجميع، كان هناك ظرف مختلف.
وعليه عبارة واحدة
اقرئي هذا أولًا... ثم افتحي قصاصة واحدة فقط في كل عيد ميلاد.
تجمدت في مكاني.
نظرت إلى آرثر، فقال بصوت مفعم بالتأثر
بنيامين كتب لك رسالة لكل سنة من عمرك... وكان يتمنى إنه يكون هو اللي يديهالك بنفسه.
شعرت أن دموعي لم تعد تكفي.
مددت يدي إلى الظرف الأول...
وقبل أن أفتحه، لاحظت شيئًا لم أره من قبل.
في قاع العلبة، أسفل كل الرسائل، كانت هناك صورة صغيرة جدًا.
قلبتها...
فوجدت على ظهرها كلمات بخط بنيامين
إذا وصلتِ إلى آخر رسالة... ستعرفين أين أريد أن أُدفن.
وانقبض قلبي مرة أخرى...
لأنني أدركت أن السر الأكبر... لم يُكشف بعد جلست تحت الشجرة...
نفس المكان الذي ودعته فيه وأنا بنت عندها عشرين سنة.
فتحت الظرف الأول.
كان أقصر من كل الرسائل اللي قريتها قبل كده.
لو إنتِ هنا، يبقى رجعتي للمكان اللي شهد أول وعد بينا. كنت دايمًا أتخيل اليوم ده، حتى لو كنت عارف إني مش هكون موجود.
ابتسمت وسط دموعي، وأكملت.
كل رسالة في العلبة دي كانت هدية لعيد ميلادك. كنت أكتب واحدة كلما سنحت لي الفرصة، وأتمنى أكون أنا اللي أديهالك. لكن الزمن اختار غير كده.
قلبت الورقة...
فسقطت منها ورقة صغيرة جدًا.
لم يكن فيها كلام.
كان فيها رسم يدوي للشجرة.
وتحت الرسم علامة صغيرة عند أحد الجذور.
نظرت إلى آرثر.
نظر هو الآخر إلى الرسم، ثم قال
طول السنين دي... عمري ما شفت الورقة دي.
اقترب الرجل الذي سلمني الصندوق الأزرق، وانحنى بجوار الجذر الذي تشير إليه العلامة.
قال
الأرض هنا شكلها مختلف.
أحضرنا مجرفة صغيرة من السيارة، وبدأنا نحفر بحذر.
عدة دقائق مرت...
ثم اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
ركعت على ركبتي، وأزلت التراب بيدي.
ظهر صندوق خشبي صغير، محكم الإغلاق، وقد غطاه التراب والجذور.
كان على غطائه لوحة نحاسية مكتوب عليها
آخر أمانة.
رفعت الصندوق بين يدي، وقلبي يكاد يقفز من مكانه.
كان أخف مما توقعت.
فتحت الغطاء ببطء...
فوجدت بداخله كيسًا قماشيًا صغيرًا، ودفترًا رقيقًا، ورسالة مختومة.
فتحت الكيس أولًا.
خرجت منه حفنة من بذور صغيرة.
استغربت.
أما الدفتر، فكان عنوانه
حديقة الوعد.
وقبل أن أفتحه، سمعت آرثر يهمس
دلوقتي فهمت...
سألته
فهمت إيه؟
قال وهو ينظر إلى البذور
بنيامين ماكانش عايز يسيب وراءه مجرد قصة... كان عايز يسيب حياة.
مددت يدي نحو الرسالة المختومة...
وعرفت أن ما بداخلها هو آخر ما كتبه بنيامين لي...
وآخر سر احتفظ به طوال هذه السنين أخذت الرسالة بيدي...
كانت آخر ظرف في كل ما تركه بنيامين.
ظللت أنظر إليه دقائق طويلة، وكأنني لو فتحته، ستنتهي رحلة انتظرتها ستين عامًا.
تنهدت...
ثم كسرت الختم.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها مكتوبة بعناية شديدة.
حبيبتي...
لو وصلتي لهنا، يبقى عرفتِ إن الوعد عمره ما مات.
يمكن الناس فاكراكِ عشتِ وحدك، لكن الحقيقة إني كنت بدعيلك كل يوم، مهما كانت المسافة بينا.
البذور اللي في الصندوق دي مش عادية... دي من شجرة القرنفل الأحمر اللي زرعناها سوا وإحنا صغيرين في بيت جدي. احتفظت بجزء منها، وكنت نفسي نزرعها مع بعض لما أرجع.
ولما عرفت إن الزمن سبقني، تمنيت إنك إنتِ اللي تزرعيها. كل زهرة هتطلع منها هتبقى وعد وفّى بوعده... حتى لو بعد عمر كامل.
لم أستطع أن أكمل القراءة من شدة البكاء.
وضعت الرسالة على صدري.
ثم فتحت الدفتر الصغير.
كانت صفحاته مليئة برسومات لحديقة.
أماكن للأشجار...
ومقاعد...
وممرات ضيقة.
وفي آخر صفحة كتب بنيامين
لو قدرتِ، خلي المكان ده يبقى حديقة لكل طفل فقد حد بيحبه، ولكل إنسان لسه مستني أمل. متخليش قصتنا تنتهي بالحزن... خليها تبدأ من جديد في حياة ناس تانية.
ساد الصمت.
حتى العصافير التي كانت فوق الشجرة بدت وكأنها توقفت.
نظر إليّ آرثر، وقال وهو يمسح دموعه
دلوقتي... خلصت الأمانة.
أما الرجل الذي جاء بالصندوق الأزرق، فأخرج من جيبه شيئًا صغيرًا لم نكن قد رأيناه من قبل.
كانت لوحة معدنية قديمة.
وعليها اسم الحديقة محفور بعناية
حديقة الوعد.
قال بابتسامة هادئة
أبويا كان مجهزها من سنين... وكان متأكد إنك هتوافقي.
نظرت إلى الشجرة...
ثم إلى البذور في يدي.
وأدركت أن بعض الوعود لا تنتهي بلقاء...
بل تظل تعيش في كل قلب يعرف معنى الوفاء.
تم بعد شهرين...
وقفت قدام البوابة الخشبية الجديدة.
فوقها لافتة بسيطة مكتوب عليها
حديقة الوعد.
جيران البلدة كلهم حضروا.
أطفال كانوا بيجروا بين الممرات، ومتطوعون بيزرعوا أول شتلات القرنفل الأحمر.
وأنا...
كنت ماسكة العصاية بإيد، والبذور بالإيد التانية.
جثوت بصعوبة عند جذع الشجرة القديمة.
حفرت حفرة صغيرة.
وحطيت أول بذرة.
وهمست
رجعت... زي ما وعدت.
في اللحظة دي، هبت نسمة هواء خفيفة، وتساقطت ورقة من الشجرة على الرسالة الأخيرة.
ابتسم آرثر وقال
كان هيحب يشوف اليوم ده.
وفجأة...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام الحديقة.
نزل منها شاب في أوائل الثلاثينات، لابس بدلة عسكرية.
كان ماسك حقيبة جلدية قديمة.
راح مباشرة ناحية الرجل اللي سلمني الصندوق الأزرق، وقال
حضرتك الأستاذ دانيال؟
هز رأسه.
الشاب فتح الحقيبة، وأخرج ملفًا بني اللون.
وقال
أنا من فريق بيشتغل على أرشيف الحرب... وإحنا بقالنا شهور بندور عليكم.
اتسعت أعيننا.
قال دانيال باستغراب
إحنا؟
رد الشاب
أيوه... لأن من أسبوعين، أثناء ترميم مخزن عسكري قديم،
متابعة القراءة