عملت حادث بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

الظرف وقع من إيده.
لف ناحيتي وقال وهو بيتلعثم
أنا... أنا كنت بطمن عليكي.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
بتطمن عليا تحت المرتبة؟
وشه احمر.
حاول يخرج بأي كلام.
لكن ما عرفش.
خرج من الأوضة وهو مقهور.
وأول ما الباب اتقفل...
طلعت المفتاح الحقيقي من جيب الروب.
أنا من أول ما شفته بيدور على الظرف، كنت مخبية كل حاجة في مكان تاني.
مع أول ضوء للشمس، خرجت أنا وسارة.
وصلنا البنك.
وقفت قدام صف طويل، لحد ما نادى الموظف على اسمي.
ناولته البطاقة والمفتاح.
بص للمفتاح، وبعدها بصلي باستغراب.
قال حضرتك أول مرة تيجي؟
أيوه.
كتب شوية بيانات على الكمبيوتر.
وفجأة ملامحه اتغيرت.
رفع سماعة التليفون الداخلي وقال
لو سمحت... مدير الفرع يحضر حالًا.
استغربت.
بعد دقيقتين، جه المدير بنفسه.
صافحني باحترام شديد.
وقال
مدام آمال... كنا منتظرين حضرتك من وقت طويل.
بلعت ريقي.
يعني إيه؟
قال صاحب الخزنة وصّى إن محدش يفتحها إلا بحضورك شخصيًا.
وبعدين بص حواليه، ووطى صوته.
وفيه وصية تانية...
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إيه هي؟
قال
لو حضرتك وصلتي هنا، يبقى لازم نبلغ الشرطة قبل ما نفتح الخزنة.
سكتت للحظة.
وسألته
ليه؟
رد وهو بيبصلي بجدية
لأن صاحب الخزنة كتب في الوصية إن محتوياتها... ممكن تكشف جريمة فضلت أبص للاسم كذا مرة.
يمكن عيني بتخدعني.
لكن لا...
الاسم كان هو نفسه.
حسام عبدالعال.
الاسم اللي كنت شوفته قبل ساعات في ملف الحادث باعتباره أول واحد بلغ الإسعاف.
همست وأنا مش مستوعبة
بس... الموظف قال إنه سافر.
وصلنا البيت، لكن ما قلتش لعم حسين أي حاجة.
طلعت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.
بدأت أقلب كل اللي في الظرف.
المفتاح.
الورقة.
وكارت صغير جدًا.
على الكارت رقم موبايل، ومكتوب تحته
اتصلي فقط بعد استلام محتويات الخزنة.
في اللحظة دي سمعت صوت باب الشقة بيتفتح بعنف.
رجع مدحت.
كان بيزعق من أول ما دخل
فين أمك؟!
بنتي سارة ردت بخوف
معرفش يا بابا.
دخل عليّ الأوضة من غير ما يخبط.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة مصطنعة.
لكن عينيه كانوا مليانين غضب.
كنتي فين؟
قلت بهدوء
كنت بخلص شوية إجراءات المعاش.
قرب مني وهو مركز في وشي.
واضح إنه بيحاول يعرف إذا كنت عرفت حاجة ولا لأ.
قال
كان لازم تقوليلي... أنا جوزك.
ابتسمت لأول مرة بثقة.
أكيد... المرة الجاية.
اتضايق من ردي، لكنه سكت.
وفجأة قال
بالمناسبة... بكرة هيجي محامي.
سألته
محامي ليه؟
قال بسرعة
إجراءات روتينية... كام ورقة علشان المعاش والتأمين.
قلبي دق بعنف.
إذن... الموظف كان عنده حق.
فيه أوراق ناوي يخليني أمضيها.
قلت وأنا بمثل الإرهاق
تمام... لما ييجي نبقى نشوف.
خرج من الأوضة، لكن قبل ما يقفل الباب، لمح طرف الظرف البني تحت المخدة.
وقف مكانه.
رجع خطوتين.
وقال وهو بيضيق عينيه
إيه الظرف ده؟
حطيت إيدي عليه بسرعة.
تقارير من المستشفى.
مد إيده وقال
هاتيه... أشوفه.
بصيت له بثبات لأول مرة من سنين.
وقلت كلمة واحدة
لأ.
اتغير وشه تمامًا.
ولأول مرة... اختفت نبرة الزوج الهادئ، وظهرت نبرة شخص حاسس إن خطته كلها بتنهار.
شد نفسًا طويلًا، وقال وهو بيحاول يبتسم
براحتك.
لكن وهو خارج...
طلع موبايله، وبصيت من طرف الباب.
كان باعت رسالة لشخص ما.
كل اللي قدرت أقراه قبل ما يخفي الشاشة كان
لازم نتصرف الليلة... قبل ما توصل للخزنة.
ساعتها عرفت...
إن اللي في الخزنة أخطر بكتير من مجرد فلوس أو أوراق.
وإن الليلة دي...
مش هتعدي على خير مدير الفرع سكت لحظة، كأنه بيدي للكلمات وزنها.
ثم قال
أنا مقدرش أفتح الخزنة قبل حضور مندوب من النيابة أو الشرطة. دي تعليمات مكتوبة من صاحبها.
بصيت لسارة، لقيتها ماسكة إيدي بقوة.
همستلي ماما... نمشي؟
هزيت راسي.
لأ... هنكمل.
بعد حوالي نص ساعة، وصل ضابط شرطة ومعاه أمين شرطة.
راجعوا بطاقتي، وبصوا على الوصية، وبعدها اتحركنا ناحية غرفة الخزن.
كان المكان هادي بشكل غريب.
المدير حط المفتاح الأول.
وقال دلوقتي دور حضرتك.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح الصغير.
لفّيت المفتاح...
وسمعت صوت تك.
الباب اتفتح ببطء.
جوا الخزنة كان فيه صندوق معدني أسود.
وشنطة جلد صغيرة.
ومظروف أبيض كبير مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح بمعرفة السيدة آمال فقط.
بصلي الضابط وقال
اتفضلي.
فتحت المظروف.
أول ورقة كانت عبارة عن خطاب.
بدأت أقراه بصوت منخفض
مدام آمال... لو وصلتي للخطاب ده، يبقى أنا غالبًا مش هقدر أقابلك. اسمي حسام عبدالعال، وأنا الشخص اللي شهد حادثك من أوله لآخره...
شهقت.
وكملت القراءة.
أنا صورت جزء من اللي حصل، لكن فيه جزء أخطر ما ظهرش في الفيديو. قبل الحادث بدقائق، كنت واقف في محطة البنزين، وشوفت جوزك بيتكلم مع راجل تاني. الراجل سلمه ظرف، وسمعته بيقول بعد النهارده كل حاجة هتتغير.
الضابط بدأ يركز معايا.
وأنا كملت.
افتكرت إنه كلام عادي... لكن بعد الحادث، لما شوفت نفس العربية بتهرب من غير ما تقف، بدأت أشك. عشان كده احتفظت بكل اللي معايا.
إيدي وصلت للصندوق الأسود.
كان عليه قفل صغير.
فتحه الضابط.
جواه...
هارد ديسك.
وكاميرا سيارة.
وفلاشة تانية.
وفي آخر الصندوق...
دفتر صغير.
فتحته.
أول صفحة كانت مليانة تواريخ.
وفي كل تاريخ...
مكان.
ومبلغ فلوس.
واسم شخص.
الضابط قلب كام صفحة، وفجأة اتغير لون وشه.
قال بصوت منخفض
إحنا هنحتاج نتحفظ على كل ده.
سألته بسرعة
ليه؟
قفل الدفتر بهدوء.
وقال
لأن واحد من الأسماء المكتوبة هنا... شخص متوفي من سنتين.
سكت ثانية...
ثم أكمل
ومع ذلك، فيه توقيع باسمه بعد تاريخ وفاته بستة شهور.
بصيت للدفتر، وأنا حاسة إن القصة خرجت تمامًا عن حادثي.
وفجأة...
رن موبايل الضابط.
رد، وسكت وهو بيسمع.
ثم بصلي وقال
لازم نرجع حالًا.
سألته بقلق
فيه إيه؟
قال
جوزك بلغ إنك سرقتي أوراق مهمة من البيت... وطلب ضبطك.
لكن اللي خلّى الجميع يتبادلوا النظرات...
إن البلاغ اتقدم...
قبل ما نفتح الخزنة بخمس دقائق.
يعني...
مدحت كان متأكد إنك هتوصلي لها.
وأنه كان بيحاول يسبق أي دليل يخرج منها.
يتبع...مر أسبوع...
ومدحت بقى بيتعامل معايا بهدوء غريب.
لا جاب سيرة المحامي.
ولا سأل عن الظرف.
ولا حتى اتكلم عن الجوازة.
وده كان أكتر شيء خوفني.
الهدوء اللي قبل العاصفة.
وفي صباح يوم، كلمني الضابط.
قال مدام آمال... تم تحليل محتويات الهارد والكاميرا.
سألته بلهفة طلع إيه؟
قال تعالي بنفسك.
...
دخلت مكتبه.
كان على المكتب ملف جديد.
فتحه قدامي.
وقال
أولًا... ثبت إن مدحت ما تسببش عمدًا في الحادث.
شهقت.
قال الفيديو أوضح إن عربية النقل هي اللي فقدت السيطرة فعلًا.
حسيت إني مش فاهمة.
أمال كل ده؟
تنهد وقال
المشكلة مش في الحادث...
وقلب صفحة.
المشكلة في اللي حصل بعد الحادث.
كانت الكاميرا سجلت مدحت وهو واقف بعيد، شايف العربية المقلوبة.
فضل واقف أكتر من دقيقة.
بعدين طلع موبايله.
واتصل.
لكن... ما اتصلش بالإسعاف.
اتصل بواحدة.
وبعد المكالمة... ركب عربيته ومشي.
وسابني بنزف.
لولا إن حسام وصل بعدها بدقائق، كان النزيف ممكن يقتلني.
نزلت دموعي.
الضابط كمل
أما بالنسبة للدفتر... اكتشفنا إنه كان خاص بعصابة بتزور توكيلات وتوقيعات للحصول على تعويضات وتأمينات ناس مصابين ومتوفين.
قلت بصدمة ومدحت؟
قال كان متعاون معاهم.
اتضح إن الست اللي كان ناوي يتجوزها...
ما كانتش عروسة أصلًا.
كانت موظفة في مكتب بيخلص أوراق وتعويضات.
وكان دورها تخليه يسيطر على أموال الضحايا.
بعد إصابتي، عرفوا إن هيكون ليا معاش وتعويض كبير من شركة التأمين.
فبدأوا يضغطوا عليه يخليني أمضي توكيلات وهو بيقول إنها أوراق معاش.
أما حسام...
فكان موظفًا سابقًا في نفس الشبكة.
ولما شاف الحادث بالصدفة، عرف مدحت، وحاول ينقذني ويجمع الأدلة.
لكنه تلقى تهديدات، فسافر خارج مصر بعد ما سلّم كل المستندات للجهات المختصة.
...
بعد شهور من التحقيقات...
تم القبض على أفراد الشبكة.
وكان مدحت واحدًا منهم.
وقف في المحكمة يبكي.
ويقول إنه كان مديون، وإنه ما كانش يقصد يقتلني.
القاضي قال جملة عمري ما هنساها
قد لا تكون أنت من تسبب في الحادث... لكنك اخترت أن تترك زوجتك تموت، ثم حاولت سرقة حقها وهي على كرسي
متحرك. وهذه خيانة لا تقل بشاعة.
صدر الحكم.
وحُكم على مدحت بالسجن، مع إلزامه بنفقة أولاده، وعدم التصرف في أي أموال تخصهم.
أما أنا...
استلمت التعويض كاملًا باسمي.
ركبت طرفًا صناعيًا بعد رحلة علاج طويلة.
رجعت أشتغل من البيت.
وكبرت ولادي وهم شايفين إن القوة مش معناها إن الإنسان ما يقعش...
القوة الحقيقية إنه يقوم بعد ما يقع، حتى لو فقد جزءًا من جسده.
وفي أول يوم مشيت فيه بالطرف الصناعي، كانت سارة ماسكة إيدي وبتضحك.
قالت
شايفة يا ماما؟ بابا كان فاكر إنه لما كسر رجلك كسرِك.
ابتسمت، ومسحت دموع الفرح، وقلت
اللي ربنا ساند قلبه... عمر حد ما يقدر يكسّره.
تمت.

تم نسخ الرابط