كان عندي بنت

لمحة نيوز

حاسة إن الظرف ده ممكن يكون أهم حاجة ظهرت من بداية الحكاية... لكني ماكنتش أعرف إيه اللي مستخبي جواه وصلت المدرسة قبل ميعاد الفسحة بدقايق.
المديرة كانت مستنياني عند باب مكتبها، وفي إيدها ظرف أبيض صغير، مكتوب عليه بخط أطفال
رحمة.
ناولتهولي وقالت
لقيناه وإحنا بننضف دولاب الأنشطة. واضح إنه كان واقع من فترة.
فتحت الظرف بهدوء.
كان جواه كارت ملون، مرسوم عليه شجرة كبيرة، وتحتها أطفال ماسكين إيدين بعض.
وفي آخر الكارت مكتوب
شكرًا يا رحمة... لأنك ساعدتِ أصحابك يوم الرحلة.
ابتسمت رغم توتري.
وسألت المديرة
ساعدت أصحابها إزاي؟
ابتسمت وقالت
إنتِ مش عارفة؟
هزيت راسي بالنفي.
قالت
يوم الرحلة، كان فيه ولد صغير من ذوي الهمم تايه وبيعيط، وكل الأطفال خافوا، إلا رحمة.
فضلت ماسكة إيده، ولفت بيه لحد ما وصلوا لخيمة الاستقبال.
يومها كل المنظمين شكروا فيها.
حسيت بالفخر.
دي بنتي اللي أعرفها.
الطيبة اللي بتمد إيدها لأي حد محتاج.
لكن كان لسه في سؤال مهم.
قلت
مين كتب الكارت ده؟
المديرة قلبته على الضهر.
كان فيه توقيع
فريق المتطوعين.
وبجانبه ختم صغير خاص بالفعالية.
ثم قالت
استني... أفتكر إن كان فيه تسجيل فيديو للحفل الختامي.
اتسعت عيني.
فيديو؟
أيوه... الأطفال كانوا طالعين المسرح، وكل اليوم كان متصور.
طلبت أشوفه.
بعد دقائق، شغلته على شاشة الكمبيوتر.
بدأ الفيديو بأغاني وفرحة الأطفال.
ورحمة كانت بتجري من لعبة للعبة وهي بتضحك.
فضلت أتابع كل ثانية.
وفي منتصف الفيديو، ظهر مشهد مهم.
الولد الصغير اللي اتكلمت عنه المديرة كان فعلًا تايه.
ورحمة كانت ماسكة إيده، وبتنادي على المتطوعين.
وبعد لحظات، اتجمع حواليهم أكتر من شخص علشان يساعدوا الطفل.
المشهد كله كان واضح...
ومليان ناس.
وده أكدلي إن رحمة كانت طول الوقت وسط مجموعات من الأطفال والمشرفين، مش لوحدها.
قفلت الفيديو وأنا أخدت نفس طويل.
يمكن لسه معرفتش كل التفاصيل...
لكن عرفت حاجة مهمة جدًا.
إن بنتي كانت زي ما هي عمرها ما اتغيرت...
قلبها الأبيض هو اللي خلاها تقرب من الناس، وتثق فيهم بسهولة.
ولسه كنت حاسة إن في أسرار ناقصة عن اليوم ده...
لكن المرة دي، قررت ما أستعجلش الاستنتاجات.
كان لازم كل خطوة تبقى مبنية على دليل واضح، مش على شك أو خوف.
يتبع...بعد ما خرجت من المدرسة، كنت حاسة إن الصورة بدأت تتضح، لكن لسه فيها أجزاء ناقصة.
وأنا راكبة العربية، رن تليفوني.
كان رقم أمل.
رديت، فقالت بتوتر
منى... ممكن أشوفك النهارده؟ في حاجة مهمة افتكرتها.
طلبت منها تيجي البيت.
أول ما دخلت، كان باين عليها إنها مش مرتاحة.
قعدت قدامي وقالت
أنا من ساعة ما بدأنا نفتكر تفاصيل الرحلة، افتكرت حاجة كنت ناسيها.
بصيت لها باهتمام.
قالت
في آخر اليوم، رحمة قالت إنها ضيعت عروستها القماش.
شهقت.
العروسة دي كانت أغلى حاجة عند رحمة، وكانت بتنام بيها كل ليلة.
قلت بسرعة
ولقيناها بعد كده في البيت.
هزت أمل رأسها.
أيوه... لكن مش إحنا اللي لقيناها.
استغربت.
يعني إيه؟
قالت
وأنا بدور عليها، جه واحد من العمال وقال إن راجل أمين في قسم المفقودات هو اللي لقاها، واحتفظ بيها لحد ما نسأل عليها.
قلت
فاكرة اسمه؟
قالت
لا... لكن فاكرة إنه كان راجل كبير في السن، وشعره كله أبيض.
في اليوم التالي، رجعت مدينة الملاهي للمرة الرابعة.
وسألت عن قسم المفقودات.
دلوني على موظف قديم اسمه عم سعيد.
أول ما شاف صورة رحمة، ابتسم.
وقال
إزاي أنساها؟ دي البنت اللي فضلت تدور على عروستها وهي زعلانة.
ابتسمت وسألته
حضرتك اللي لقيتها؟
قال
أيوه... كانت واقعة جنب المسرح.
سألته
مين جابهالك؟
رد
واحد من عمال النظافة.
تنهدت.
قلت
يعني محدش أخدها منها؟
ابتسم وقال
لا يا بنتي... هي نسيتها وهي بتجري مع الأطفال، ولما لقيناها احتفظنا بيها لحد ما رجعتوا.
ثم دخل المخزن، ورجع بعد دقيقة.
ناولني سجلًا قديمًا.
وقال
إحنا كنا بنكتب كل المفقودات اللي بتتسلم.
فتحت الصفحة الخاصة باليوم.
كان مكتوب
عروسة قماش.
زجاجة مياه.
قبعة طفل.
دفتر رسم.
كل حاجة كانت متسجلة بالتوقيت.
وده أكدلي إن كل متعلقات رحمة اتسلمت رسميًا، واترجعت لها آخر اليوم.
قبل ما أمشي، قال عم سعيد
على فكرة... بنتك كانت مميزة.
ابتسمت.
قال
لما استلمت العروسة، شافت بنت صغيرة بتعيط علشان لعبتها ضاعت.
عارفة عملت إيه؟
هزيت رأسي.
ابتسم وقال
إدتها عروستها هي، وقالت لها خديها لحد ما تلاقي لعبتك.
ضحكت رغم الدموع.
وبعدين؟
قال
لما لقينا لعبتها، رجعت أخدتها بعد ما طمنت على البنت.
خرجت من مدينة الملاهي وأنا لأول مرة من أيام طويلة حاسة براحة.
كل شخص قابلته كان بيحكي عن رحمة بنفس الوصف...
طيبة...
حنونة...
وتحب تساعد الناس.
لكن كنت متأكدة إن لسه في سر واحد متعلق بالرحلة، وهعرفه قريب... دون ما أتهم حد أو أظلم أي إنسان بريء بعد أسبوع تقريبًا، حاولت أقفل الملف ده من دماغي.
قلت لنفسي إن أهم حاجة دلوقتي هي رحمة، وإنها ترجع تضحك زي الأول.
لكن في مساء يوم هادئ، وأنا برتب مكتبتها الصغيرة، لقيت صندوق كرتون كانت محتفظة فيه بكل الحاجات اللي بتحبها.
عروستها القماش.
صور ملونة.
أقلام شمع.
وكروت كانت بتجمعها من كل مكان تروحه.
وأنا بقلب في الحاجات، لقيت ظرف صغير مكتوب عليه بخط رحمة
ذكريات اليوم الجميل.
فتحته بهدوء.
كان جواه خمس صور مطبوعة.
كلها من الرحلة.
رحمة وهي بترسم.
رحمة وهي بتركب لعبة الأطفال.
رحمة وهي واقفة مع مجموعة البنات.
وفي آخر صورة...
كانت واقفة على المسرح، وماسكة ميكروفون صغير، وكل الأطفال بيصفقوا لها.
ابتسمت.
أنا أصلًا ماكنتش أعرف إنها طلعت على المسرح.
تاني يوم، سألت مديرة المدرسة.
ابتسمت وقالت
طبعًا... رحمة هي اللي كسبت مسابقة أحسن تعاون بين الأطفال.
استغربت.
مسابقة؟
قالت
أيوه... المنظمون عملوا نشاط، وكل طفل يساعد غيره ياخد نجمة.
ورحمة جمعت أكبر عدد من النجوم.
رجعت البيت، ووريت رحمة الصورة.
أول ما شافتها، ضحكت وقالت
أنا خدت ميدالية.
قلت باستغراب
ميدالية؟
قامت جري على أوضتها.
وبعد دقيقة رجعت وهي ماسكة علبة صغيرة.
فتحتها.
كان فيها ميدالية ذهبية بسيطة، مكتوب عليها
بطل التعاون.
وعلى ظهرها تاريخ الرحلة.
حضنتها وقلت
ليه ما وريتهاليش قبل كده؟
قالت وهي بتضحك
كنت مخبياها علشان أعملك مفاجأة.
ضحكت من قلبي لأول مرة من أيام.
وفي اللحظة دي، حسيت إن كل اللي مر علينا خلاني أنسى أهم حقيقة...
إن بنتي، رغم كل التحديات، كانت بتصنع ذكريات جميلة لكل اللي حواليها.
أما السر اللي كنت بدور عليه من أول الحكاية...
فقررت أفضل أدور عليه بهدوء، وبالطرق الرسمية، من غير اتهام، ومن غير ظلم، لأن الحقيقة عمرها ما بتظهر بالشك، لكنها بتظهر بالدليل.
يتبع...مرّت ثلاثة أشهر...
وحياة رحمة رجعت تدريجيًا لطبيعتها.
بقت تروح المدرسة، وترجع تحكيلي عن أصحابها، وتضحك من قلبها كأن الغمامة اللي كانت فوقها بدأت تختفي.
أما أنا...
فما بطلتش أدور على الحقيقة.
لكن المرة دي، كل خطوة كانت مع الجهات المختصة، ومن غير ما أتهم حد من غير دليل.
وبعد انتهاء المراجعات والتحقيقات، اتضح إن كل المخاوف اللي عشناها بدأت من سوء فهم كبير.
رحمة كانت تعاني من مشكلة صحية نادرة سببت انتفاخًا واضحًا في البطن وتغيرات هرمونية، وده اللي خلّى التشخيص الأولي يكون غير دقيق.
وبعد الفحوصات المتقدمة في المستشفى الجامعي، أكد الأطباء أنها لم تكن حاملًا من الأساس، وإنما كانت تحتاج إلى علاج ومتابعة طبية فقط.
وقتها بكيت...
لكن لأول مرة كانت دموع راحة.
حضنت رحمة بقوة.
وهي بصتلي باستغراب وقالت وهي تضحك
يا ماما... هو أنا خفيت؟
ابتسمت وأنا أمسح دموعي.
وقلت
أيوه يا قلب ماما... وهتفضلي بخير طول عمرك بإذن الله.
أما الإسورة الورقية...
احتفظت بيها في صندوق الذكريات.
مش لأنها كانت دليل على جريمة...
لكن لأنها علمتني درسًا عمري ما هنساه.
إن الخوف ممكن يخلينا نستعجل في الحكم.
وإن الحقيقة لازم تتبنى على الأدلة، مش على الظنون.
بعد كام شهر، عملت المدرسة احتفالًا لتكريم الطلاب.
ونادوا على رحمة قدام كل الناس.
وأدوها شهادة تقدير بعنوان
صاحبة القلب الكبير.
وقفت تصفق لنفسها وهي بتضحك، وكل القاعة ضحكت معاها.
لما نزلت من المسرح، جريت
عليّ وحضنتني.
وقالت بنفس البراءة اللي عمرها ما فارقتها
يا ماما... أنا نجحت؟
وقلت
إنتِ ناجحة من يوم ما اتولدتي يا رحمة... لأنك علمتينا إن الطيبة والرحمة هما أجمل حاجة في الدنيا.
وانتهى اليوم وسط تصفيق كل الموجودين...
أما أنا، فكنت شايفة بنتي لأول مرة مش كطفلة محتاجة حماية فقط...
لكن كإنسانة قوية، قدرت تعدي محنة صعبة، وفضل قلبها نضيف زي ما هو.
تمت.

تم نسخ الرابط