لما جوزي طلقني

لمحة نيوز

طلعش.
بدأ ينزل ببطء.
دور...
اتنين...
تلاتة...
لحد ما وقف في مكان ماكانش موجود أصلًا في لوحة المبنى.
الباب اتفتح.
قدامهم ممر طويل، إضاءته خافتة، وفي آخره باب خشب كبير.
وفوق الباب لوحة نحاس مكتوب عليها
مكتب عبد الرحمن خاص.
بصت شهد للمستشار.
المكان ده عمره ما اتفتح؟
رد وهو بيبص حواليه بدهشة
من يوم وفاة والدك... محدش دخله.
قربت من الباب.
دخلت المفتاح.
ودار القفل بسهولة.
أول ما الباب اتفتح...
ريحة الورق القديم والخشب ملأت المكان.
المكتب كان كأن صاحبه خرج منه من ساعة.
الأوراق مرتبة.
الكتب في مكانها.
وساعة الحائط متوقفة عند 415.
على المكتب كان فيه صندوق خشبي صغير.
وفوقه ورقة واحدة.
شهد فتحتها.
كان مكتوب فيها
لو وصلتي لهنا، يبقى عرفتي إن النجاح الحقيقي مش الفلوس... النجاح إنك عرفتي تقفي على رجلك لوحدك.
ابتسمت شهد وهي تمسح دمعة نزلت من عينها.
ثم فتحت الصندوق.
جواه...
مفتاح تاني.
وخريطة قديمة لمصر، وعليها دايرة حمرا حوالين قطعة أرض في مكان بعيد عن القاهرة.
وفي آخر الورقة جملة قصيرة
السر الحقيقي... مش هنا.
المستشار رفع الخريطة واتأملها.
وفجأة قال
أنا أعرف المكان ده...
شهد بصتله بسرعة.
فين؟
قال بصوت منخفض
ده أول مشروع بدأه والدك قبل أكتر من خمسة وعشرين سنة... والغريب إن الأرض دي مسجلة من زمان على إنها مهجورة.
وقبل ما يكمل كلامه...
لقوا صوت محرك عربية وقف قدام المبنى.
الحارس بص من الشباك، واتغير لون وشه.
التفت لشهد وقال بقلق
اقفلوا الباب بسرعة... في حد وصل، وشكله بيدور على نفس الحاجة اللي بتدوروا عليها.
يتبع...شهد قفلت الباب بسرعة، وبصت للحارس.
مين اللي بره؟
الحارس قرب من الستارة وبص بحذر.
معرفوش... لكن العربية دي جت هنا مرتين الأسبوع اللي فات.
المستشار أخد الخريطة من على المكتب، وحطها في الملف.
مفيش داعي حد يشوف دي دلوقتي.
بعد لحظات...
سمعوا خبط هادي على الباب.
ثم صوت رجل
معلش... فيه حد هنا؟
شهد بصت للحارس.
الحارس هز رأسه بمعنى ولا كلمة.
فضلوا ساكتين.
بعد دقيقة...
سمعوا خطوات الشخص وهو بيبعد.
تنفست شهد الصعداء.
لكن الحارس قال
متفتكروش إنه مشي... النوع ده بيرجع.
لفت شهد نظرها في المكتب.
كان كل ركن فيه يحكي حكاية.
صور قديمة...
جوائز...
ودروع تكريم.
لكن كان فيه حاجة غريبة.
مكتبة ضخمة مليانة كتب...
وكتاب واحد بس كان عليه طبقة تراب أقل من الباقي.
مدت إيدها وسحبته.
أول ما الكتاب خرج...
سمعوا صوت تك... جاي من ورا المكتبة.
المكتبة اتحركت سنتيمترات قليلة.
شهقت مي.
فيه باب!
دفعوا المكتبة بحذر.
ظهر باب حديد صغير.
المفتاح اللي كان في الصندوق الخشبي ركب فيه بالظبط.
لفته شهد...
واتفتح الباب.
الغرفة اللي وراه كانت صغيرة جدًا.
مفيهاش غير مكتب واحد.
وعلى المكتب لابتوب قديم، ولسه متوصل بالكهرباء.
المستشار استغرب.
إزاي الكهرباء شغالة هنا بعد كل السنين دي؟
شهد ضغطت زر التشغيل.
الشاشة نورت فورًا.
ومفيش كلمة سر.
فتح مباشرة على رسالة واحدة.
عنوانها
إلى شهد... إذا وصلتي للغرفة دي، يبقى جه الوقت تعرفي الحقيقة كاملة.
وقبل ما تضغط على الرسالة...
رن موبايلها.
كان نفس الرقم المجهول.
ردت بسرعة.
جالها نفس الصوت الهادئ
ماتفتحيش الرسالة دلوقتي.
اتجمدت.
ليه؟
لأن فيه صفحة ناقصة من المذكرات... ولو قريتي الرسالة قبل ما تلاقيها، هتفهمي الحقيقة غلط.
شهد اتلفتت حواليها.
والصفحة دي فين؟
سكت الرجل ثواني...
ثم قال
ابحثي تحت ساعة الحائط... والدك كان متأكد إنك هتلاحظي إنها واقفة عند الساعة 415.
وأغلق الخط.
رفعت شهد عينيها إلى الساعة القديمة...
لأول مرة لاحظت إن عقربيها مش متوقفين بسبب عطل...
كان فيهما مثبتين بدبوس معدني صغير.
يتبع...شهد نزعت الدبوس الصغير من عقربي الساعة.
وفورًا...
سمعوا صوت خفيف خارج من الحائط.
جزء من الخشب اتحرك، وظهر درج سري.
فتحت الدرج بإيد مرتعشة.
كان جواه صفحة واحدة، مكتوب عليها بخط والدها
يا شهد... لو وصلتي للصفحة دي، يبقى عرفتي إن الحقيقة ما كانتش في الفلوس، ولا في الشركات، ولا في العقارات. الحقيقة كانت إني كنت عايزك تنجحي بنفسك، من غير ما تعتمدي على اسمي أو ثروتي.
كملت القراءة والدموع في عينيها.
الثروة اللي سيبتها ليكي مش هتغير قيمتك... لأن قيمتك إنتِ صنعتيها بنفسك. أنا كنت أقدر أخليكي تعيشي أغنى بنت في البلد، لكن وقتها الناس كانت هتحترم اسم أبوكي، مش اسمك.
سكتت شهد للحظات.
لأول مرة فهمت ليه عاشوا حياة بسيطة.
وليه أبوها كان مخبي كل حاجة.
رجعت للابتوب، وفتحت الرسالة الأخيرة.
ظهر فيديو مسجل لوالدها.
كان بيبتسم.
إزيك يا شهد...
لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا فخور بيكي.
عرفت من التقارير اللي كانت بتوصلني طول السنين إنك بدأتي مشروع صغير، وكبرتيه لحد ما بقى شركة ناجحة من تعبك، من غير ما حد يعرف مين أبوكي.
وده كان الشرط الوحيد اللي كنت مستنيه.
ثم أخرج من أمامه ملفًا وقال
كل الممتلكات اللي كانت باسمي، وكل الاستثمارات اللي اتجمدت سنين... بقت من حقك النهارده.
المستشار فتح الملف.
كانت القيمة الإجمالية للأصول أكبر بكثير مما تخيلت شهد.
لكنها ابتسمت وقالت
مش دي أهم حاجة.
نظر إليها المستشار باستغراب.
قالت وهي تمسك صورة قديمة لوالدها
أنا كنت فاكرة إنه سابني من غير حاجة...
طلع سايبلي أكبر حاجة ممكن أي أب يسيبها لبنته...
الثقة في نفسي.
بعد شهور...
شهد وسعت شركتها، وفتحت فرعًا جديدًا باسم والدها تكريمًا له.
وأنشأت مؤسسة لدعم السيدات اللي بيبدأوا مشاريع صغيرة، عشان يساعدوا نفسهم بنفس الطريقة اللي بدأت بيها.
أما حسام...
فسمع عن نجاحها من الأخبار، لكنه اكتفى بابتسامة هادئة وهو يقول لأحد أصدقائه
واضح إنها كانت أقوى مما كنت متخيل.
شهد لم تحاول تثبت له أي شيء.
لأنها أدركت أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، وأن أفضل رد على كل ما مرّت به كان أن تعيش حياتها بسعادة وكرامة.
تمت.

تم نسخ الرابط