قبل فرحنا
المحتويات
فيها... كانت إمتى؟
عم حسين غمض عينه.
ولأول مرة من ساعة دخل البيت... مردش.
كررت السؤال.
فتح عينه وقال
مش قبل اختفائه... زي ما كنتي فاكرة.
اتجمدت مكاني.
يعني إيه؟
رد بعد تردد طويل
أنا شوفته... بعد اختفائه.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
إمتى؟
قال
بعدها بحوالي أسبوع.
صرخت من غير ما أحس
وسكت تلاتين سنة؟!
نزل راسه وقال
لأن ده كان وعد بيني وبينه... ووعده كان أهم عندي من أي حاجة.
قلت بعصبية
كان عايش؟
رفع عينه بسرعة وقال
الإجابة على السؤال ده موجودة جوه الصندوق... مش عندي.
فضلت أبص له، وأنا مش عارفة أصدقه ولا أكذبه.
لكن قبل ما أمد إيدي وأفتح الغطا...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام المخزن.
بعدها بثواني...
حد خبط على الباب الحديد ثلاث خبطات متتالية.
عم حسين اتغير لون وشه فجأة.
وهمس بصوت مرتعش
لا... مستحيل يكون وصل.
قلت
مين؟
رد وهو واقف بسرعة
الشخص اللي أحمد كان خايف يوصلك قبلي.
وفي اللحظة دي...
الباب الحديد بدأ يتفتح ببطء من الخارج، ودخل ظل شخص طويل، ماسك في إيده ملف جلدي قديم، وقال أول جملة خلت أنا وعم حسين نبص لبعض في صدمة
واضح إنكم لسه مفتحتوش الصندوق... وده أحسن، لأن فيه ورقة ناقصة... والورقة دي معايا اتسمرت مكاني.
بصيت للراجل، ثم للملف اللي في إيده.
كان واضح إنه عارف كل حاجة.
قال بهدوء
قبل ما حد يسأل أنا مين... اسمي عادل.
عم حسين أول ما سمع الاسم، وشه اصفر.
وقال بانفعال
إنت مالكش حق تيجي هنا!
رد عادل من غير ما يرفع صوته
بالعكس... أحمد هو اللي طلب مني.
وسحب من الملف ظرفًا أصفر قديم.
كان عليه نفس خط أحمد.
ونفس نوع الورق اللي لقيته قبل كده.
حطه فوق الصندوق وقال
كان لازم الظرف ده يفضل بعيد عن الباقي... لحد اليوم ده.
قلت بسرعة
إنت تعرف أحمد فين؟
بصلي للحظات، ثم قال
أنا أعرف آخر مكان شوفته فيه... لكن ده مش أهم سؤال.
أشرت للصندوق وقلت
يبقى نفتحه.
هز رأسه وقال
لا... الأول لازم تتأكدي إن الأولاد كلهم بخير.
استغربت.
ليه؟
قال
لأن أحمد كان دايمًا يقول إن أكبر خوف عنده مش على نفسه... كان عليهم.
الكلام زود حيرتي.
طلعت تليفوني واتصلت بيوسف.
رد بسرعة.
إزيك يا ماما؟
قلت
إنت وإخواتك كويسين؟
ضحك وقال
آه، كلنا عند البيت... بس فيه حاجة غريبة.
قلبي انقبض.
إيه هي؟
قال
في راجل جه من حوالي نص ساعة، وساب صندوق صغير، وقال محدش يفتحه غيرك.
بصيت لعادل.
كان كأنه كان متوقع المكالمة.
قال بهدوء
تمام... يبقى كل حاجة ماشية زي ما أحمد خطط.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.
قلت بعصبية
هو أحمد كان مخطط لكل ده من تلاتين سنة؟
رد عادل
أيوه... وكان عارف إن اليوم ده هييجي.
مد إيده ناحية الصندوق الخشبي الكبير، لكنه قبل ما يلمسه توقف فجأة.
كان فيه صوت خافت جاي من داخله.
أنا وعم حسين وعادل بصينا لبعض.
الصوت اتكرر.
مش صوت شخص...
لكن صوت ساعة ميكانيكية قديمة، كأنها بدأت تشتغل بعد ثلاثين سنة من السكون.
وبعد ثوانٍ...
صدر من داخل الصندوق صوت تك جديد، وانفتح درج سري صغير في جانبه من تلقاء نفسه.
وفي الدرج...
كان فيه مفتاح ثالث.
وعليه بطاقة صغيرة مكتوب فيها بخط أحمد
إذا ظهر المفتاح الثالث... فمعناه إن الشخص الوحيد اللي كنت خايف منه... عرف يوصل تجمدت إيدي وأنا برفع البطاقة.
بصيت لعادل، ثم لعم حسين.
الاتنين كانوا ساكتين.
لكن السكوت المرة دي كان مخيف.
قلت بصوت متوتر
مين هو الشخص اللي أحمد كان خايف منه؟
رد عادل بسرعة
مش لازم تعرفي دلوقتي.
قاطعته بعصبية
بعد كل اللي حصل... لسه في أسرار؟
عم حسين أخد نفسًا طويلًا وقال
أحمد عمره ما خاف على نفسه... كان خايف إن الحقيقة لو ظهرت في وقت غلط، تدمر الأولاد.
كلمة الأولاد خلتني أسكت.
كل اللي كان يهمني ساعتها إنهم يفضلوا بخير.
مسكت المفتاح الثالث.
كان مختلف عن الاتنين اللي قبله.
صغير، وفضي، ومكتوب عليه من الخلف
الخزانة رقم 11.
قلت
خزانة فين؟
ابتسم عادل لأول مرة.
وقال
ده السؤال الصح.
أخرج من الملف ورقة قديمة جدًا.
كانت خريطة مرسومة بإيد أحمد.
وفي آخرها علامة حمراء.
وتحتها مكتوب
البيت القديم.
اتجهنا كلنا إلى بيت أحمد الأول، البيت اللي عاش فيه قبل ما أعرفه.
كان مقفول من سنين، ومحدش دخله من يوم اختفائه.
الغبار مالي المكان.
والأثاث كما هو.
كأن الزمن وقف فيه.
فضلت أبص في كل ركن، وأنا أفتكر أول مرة دخلته.
لكن عادل اتجه مباشرة لأوضة صغيرة تحت السلم.
قال
هي هنا.
بدأنا نحرك دولابًا خشبيًا قديمًا.
وراه ظهر باب حديد صغير، فيه فتحات مرقمة.
دخلت المفتاح الثالث.
لف بسهولة.
الباب اتفتح.
وجواه خزانة معدنية مكتوب عليها الرقم 11.
قلبي كان بيدق بعنف.
مديت إيدي علشان أفتحها...
لكن قبل ما ألمس المقبض، لقيت ظرفًا ملزوقًا عليها.
بخط أحمد.
فتحت الظرف بسرعة.
كانت فيه جملة واحدة فقط
لو قدرتي توصلي للخزانة دي، يبقى فيه شخص واحد وسط اللي واقفين معاكي لحد دلوقتي... مخبى عنك أهم جزء من الحقيقة.
رفعت عيني ببطء.
بصيت لعم حسين...
ثم لعادل...
وكل واحد فيهم كان باصص للتاني، وكأن كل واحد مستني الثاني يتكلم أولًا ساد صمت ثقيل.
ولا واحد فيهم نطق.
أنا اللي كسرت السكوت.
قلت بحزم
اللي عنده حاجة يقولها دلوقتي... كفاية أسرار.
عم حسين تنهد وقال
أنا أخفيت الحقيقة اللي أحمد طلب مني أخفيها.
عادل هز رأسه وقال
وأنا أخفيت الجزء اللي أحمد طلب مني أسلمهولك في اليوم ده.
بصيت لهم باستغراب.
يعني كل واحد فيكم كان معاه نص الحقيقة؟
رد عادل
بالضبط.
مد إيده ناحية خزانة رقم 11.
وقال
افتحيها.
لفيت المقبض ببطء.
الباب اتحرك وهو بيصدر صوت صرير طويل.
جواها مكانش فيه فلوس...
ولا مجوهرات...
كان فيها عشر ملفات، كل ملف مكتوب عليه اسم واحد من الأولاد.
وفي آخر الرف...
كان فيه ملف أكبر، مكتوب عليه اسمي.
ارتعشت إيدي وأنا مسكته.
لكن عادل وقفني.
وقال
مش ده الأول.
وأخد ملف صغير جدًا من زاوية الخزانة.
كان مكتوب عليه
يُقرأ قبل أي ملف آخر.
فتحته بسرعة.
لقيت ورقة بخط أحمد.
لو وصلتي للمرحلة دي، فأنا عارف إنك فضلتي مع الأولاد، وإنك عملتي اللي كنت واثق إنك هتعمليه. ولو كنتي سيبتيهم، كان كل اللي بعد كده هيضيع.
نزلت دموعي من غير ما أحس.
كملت القراءة.
أنا عمري ما شكيت في أمانتك ولا في قلبك. وعشان كده، كل اللي هتعرفيه بعد اللحظة دي هيكون حقك.
وقبل ما أكمل السطر اللي بعده...
سمعنا صوت خطوات جاية من برة البيت.
الخطوات كانت سريعة.
وبعد ثواني، الباب الرئيسي اتفتح.
دخل يوسف، ومعاه باقي إخواته.
كانوا واقفين قدامنا، وعلامات القلق على وشوشهم.
يوسف بص على الملفات، ثم بص لي وقال
ماما... الراجل اللي ساب الصندوق عند البيت قالنا جملة غريبة.
ابتلعت ريقي وسألته
قال إيه؟
رد يوسف
قال... مهما تسمعوا النهارده، أوعوا تكرهوا أحمد.
نظرت إلى الرسالة في إيدي.
كان باقي فيها سطور كثيرة...
لكن لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن اللي هقراه بعد السطر ده هيغير نظرة الأولاد لأبوهم إلى الأبد بصيت في وشوش الأولاد.
كل واحد فيهم كان مستني يسمع الحقيقة.
لكن قبل ما أفتح الرسالة، قلت لهم بهدوء
فيه حاجة واحدة أوعدوني بيها... محدش يقاطع، ومحدش يحكم قبل ما نعرف كل اللي حصل.
هزوا راسهم في صمت.
فتحت الورقة، وبدأت أقرأ بصوت مسموع
أولادي الأحباء... لو أنتم واقفين دلوقتي حوالين أمكم، فأنا كسبت أكبر رهان في حياتي. لأنها أثبتت إنها كانت فعلًا الإنسانة الوحيدة اللي أقدر أسيب لكم حياتكم بين إيديها.
بدأت الدموع تنزل من عيون البنات.
أما يوسف، فكان ثابتًا، لكنه قابض على إيده بقوة.
كملت القراءة
عارف إن أول سؤال في بالكم هو ليه مشيت؟ والإجابة مش هتكون سهلة... لكن قبل ما تعرفوا السبب، لازم تعرفوا إن القرار ده كان أصعب قرار أخدته في حياتي.
سكت لحظة، وأنا بحاول أتماسك.
لاحظت إن آخر الصفحة مقطوع جزء منها.
بصيت لعادل.
رفع الملف الجلدي وقال
عشان
متابعة القراءة