نزلت اشتغل بقلم اماني سيد
وقفت بعنف قدام المقهى.
بص محمود من الزجاج...
واتغيرت ملامحه تمامًا.
همس
مستحيل...
قلت بلهفة
في إيه؟
قال وهو واقف بسرعة
اللي بره... المفروض إنه مسافر من أسبوع.
لفيت أبص من الشباك...
ولمحت شخصًا نازل من العربية، لابس نظارة شمس رغم إن الجو كان غائم.
كان بيمشي بخطوات ثابتة ناحية باب المقهى.
وفجأة...
وقف.
خلع النظارة ببطء.
وأول ما ظهر وشه...
شهقت من الصدمة، لأنني كنت متأكدة أني مستحيل أشوفه مرة تانية اتراجعت خطوة للخلف وأنا ضامّة الظرف لصدري.
قلت بتوتر
هو مين اللي عايز ياخده؟ وإيه اللي فيه مستاهل كل ده؟
الراجل بص حواليه قبل ما يرد، وكأنه خايف حد يسمعه.
دلوقتي مفيش وقت للأسئلة... أهم حاجة نخرج من هنا.
مسكنيش، لكنه أشار ناحية باب تاني صغير في آخر المخزن.
من هنا.
استغربت.
أنا عشت في العمارة دي سنين، وعمري ما شفت الباب ده.
فتح الباب بالمفتاح الصغير اللي كان معاه.
طلع على سلم حديد قديم بينزل لشارع جانبي ورا العمارة.
نزلنا بسرعة.
أول ما خرجنا، سمعنا صوت عربية وقفت قدام مدخل العمارة الرئيسي.
لفيت أبص.
كان نازل منها اتنين رجال، باين عليهم إنهم بيدوروا على حد.
واحد منهم طلع صورة من جيبه، وبص فيها، وبعدين رفع عينه ناحية باب العمارة.
الراجل اللي معايا قال بهدوء
كويس إننا خرجنا من الباب التاني.
ركبنا تاكسي كان واقف آخر الشارع.
طول الطريق، أنا ساكتة، وهو ساكت.
لحد ما مقدرتش أستحمل.
قلت
حضرتك لسه مقولتليش اسمك.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
اسمي محمود.
وإيه علاقتك بعلي؟
سكت شوية، وبعدين قال
اشتغلنا مع بعض سنين... وقطعنا وعد على نفسنا إن لو واحد فينا مقدرش يشرح موقفه، التاني يكمل اللي بدأه.
الكلام زود حيرتي.
قلت بانفعال
يعني هو كان عارف إنه هيختفي؟
محمود بص من شباك العربية وقال
كان عارف إن ممكن ييجي يوم ميقدرش يتكلم بنفسه.
وصلنا لمقهى هادئ بعيد عن الزحمة.
أول ما قعدنا، طلع محمود من جيبه ظرف صغير.
حطه قدامي.
ده كان المفروض تاخديه بعد الظرف الأول.
فتحته بسرعة.
لقيت مفتاح تالت.
ومعاه إيصال أمانة باسمي... لكن الغريب إنه كان متسجل بتاريخ قبل طلاقي بأسبوعين.
وفي آخر الإيصال، مكتوب بخط علي
لو الورقة دي وصلت لإيد فادية، يبقى أوان إنها تعرف إن في حاجة باسمها، لكنها لازم هي اللي تستلمها بنفسها.
رفعت عيني لمحمود.
حاجة إيه؟
رد بهدوء
موجودة في خزنة... ومحدش يقدر يستلمها غيرك.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني...
رن تليفوني.
كان رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت ست، نبرته هادية جدًا، قالت
مدام فادية... أنا مرات علي.
اتجمدت في مكاني.
لكن قبل ما أنطق، كملت بسرعة
متقفليش السكة... أنا مش بكلمك علشان أوجعك... أنا بكلمك لأن فيه حاجة لازم تعرفيها... ولو اتأخرت يوم واحد، يمكن الحقيقة تضيع للأبد اتجمدت مكاني، وعيني اتسمرت على الباب.
الشخص دخل المقهى وهو بيدور بعنيه في المكان كله.
أول ما شاف محمود، اتنهد وكأنه كان بيدور عليه من ساعات.
قرب من الترابيزة وقال بهدوء
الحمد لله إنكم لسه هنا.
أنا كنت مستنية أي رد فعل من محمود... لكنه قام وقف بسرعة وقال
إنت! إزاي وصلت هنا؟
الراجل رد وهو بيقعد على الكرسي المقابل
بعدين... دلوقتي الوقت مش في صالحنا.
لف ناحيتي لأول مرة.
وقال باحترام
مدام فادية... أنا عارف إنك عندك ألف سؤال، لكن صدقيني، كل إجابة دلوقتي هتفتح عشر أسئلة تانية.
قلت بحدة
يبقى قول حاجة واحدة أفهم منها... أنا تعبت.
طلع من جيبه ظرف أبيض صغير، وحطه قدامي.
ده كان المفروض يوصلك من شهر... لكنه اتأخر.
فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه مفتاح رابع... وورقة مختومة.
على ظهر الورقة مكتوب بخط علي
المفتاح ده آخر مفتاح... وبعده مفيش رجوع.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلت
هو إيه حكاية المفاتيح دي كلها؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
كل مفتاح بيفتح باب... لكن الباب الأخير هو اللي فيه الحقيقة كاملة.
وقبل ما يكمل...
رن موبايل محمود.
بص للشاشة، وسكت.
ثم قال بصوت منخفض
هو بنفسه بيتصل...
أنا ومحدثه بصينا لبعض في نفس اللحظة.
قلت بسرعة
مين؟
محمود رفع الموبايل قدامي.
على الشاشة كان ظاهر اسم واحد فقط...
علي.
ساد صمت ثقيل.
محمود رد على المكالمة، لكنه فتح السماعة الخارجية.
جاء صوت علي هادئًا، لكنه كان متعبًا بشكل واضح
محمود... فادية معاك؟
محمود رد
أيوه.
سكت علي لحظات، ثم قال
قولها... متروحش العنوان اللي معاها النهارده.
شهقت من مكاني، وقربت من التليفون.
ليه؟! إنت فين؟! وليه عملت فيا كل ده؟
لكن الخط فضل ساكت ثواني.
ثم قال علي جملة واحدة زادت الغموض أكتر
لأن اللي مستنيها هناك... مش مستني يشوفني أنا... مستني يشوفها هي.
وفجأة...
انقطع الاتصال انقطع الخط، لكن المرة دي فادية ما استنتش.
في صباح اليوم التالي، راحت العنوان اللي كان مكتوب مع المفتاح الرابع، ومعاها محمود.
العنوان كان مكتب محاماة قديم.
أول ما دخلت، قام المحامي من مكانه وقال
مدام فادية؟ كنا مستنيين حضرتك.
استغربت وسألته
مستنييني ليه؟
فتح درج مكتبه، وطلع ملف كبير مكتوب عليه اسمها.
وقال
الأستاذ علي سلّمني الملف ده من شهور، وقاللي متسلموش لفادية إلا بعد مرور شهر على الطلاق.
فتحت الملف بسرعة.
كان فيه عقد بيع الشقة، وإيصالات بكل حاجة اتباعت، وكشف حساب بنكي.
وفي آخر الملف ظرف صغير.
فتحته.
كان فيه خطاب بخط علي.
بدأت تقرأ وهي دموعها بتنزل لأول مرة من ساعة الطلاق.
يا فادية... يمكن تكرهيني طول عمرك، ويمكن متسامحينيش أبدًا. لكني فضلت إنك تكرهيني على إنك تشيلي هم اللي كنت شايله. الشركة اللي كنت شغال فيها أعلنت إفلاسها، وطلع عليَّ ديون وضمانات بمبالغ كبيرة، وصدرت ضدي أحكام بالحجز على أي ممتلكات باسمي. لو كنت فضلتِ مراتي، كانوا هيحجزوا على مرتبك ونصيبك وكل حاجة باسمك. لذلك بعت الشقة قبل ما تتباع في المزاد، وسددت كل الديون، والباقي حفظته باسمك. أما الطلاق... فكان عشان أقطع أي طريق يوصل بيه حد ليكي.
وقفت فادية عن القراءة وهي مش مستوعبة.
بصت للمحامي.
قال بهدوء
كملي.
رجعت تقرأ.
يمكن تستغربي جوازي، لكنه كان بعد انتهاء عدتك، وعلى سنة الله ورسوله. والست اللي اتجوزتها أرملة عندها طفلين، وكانت محتاجة اسم يحمي أولادها بعد وفاة زوجها، واتفقنا من البداية إن الجواز يكون قائمًا على الاحترام وتحمل المسؤولية. هي أول واحدة أصرت إن كل حق ليكي يرجعلك كامل.
في آخر الخطاب كانت آخر جملة
أنا ظلمت نفسي علشان أحاول أحميكي، لكن اعترف إني غلطت لما حرمتك من معرفة الحقيقة.
المحامي دفع لها ورقة أخرى.
كانت شهادة إيداع بمبلغ كبير باسمها.
المبلغ كان يساوي ثمن الشقة... وثمن كل الأثاث... وكل جنيه كانت دفعته في الجمعية.
وقال
دي أمانتك... محدش لمس منها مليم.
في اللحظة دي، دخلت السيدة التي تزوجها علي.
اقتربت من فادية، ومدت لها صندوقًا صغيرًا.
قالت بابتسامة هادئة
دي كل الحاجات اللي كنتي مشترياها... السجاد، وأطقم المطبخ، والملايات، وحتى طقم المعالق اللي وقع من إيدك. الأستاذ علي كان محتفظ بيهم في مخزن، وقال دي أمانة... لازم ترجع لصاحبتها.
فتحت فادية الصندوق، ولمست الأشياء التي اشترتها بعرقها.
شعرت وقتها أن الألم لم يختفِ، لكنها فهمت الحقيقة كاملة.
خرجت من مكتب المحامي وهي لا تحمل كراهية في قلبها، لكنها حملت درسًا لن تنساه أبدًا
أن حسن النية لا يبرر إخفاء الحقيقة، وأن الصراحة، مهما كانت مؤلمة، أرحم ألف مرة من الغياب الذي يترك خلفه ألف سؤال بلا إجابة.