اتنين من ظباط
اتنين من ظباط المرور وقفوا بنت من غير أي سبب، وزقّوها بعنف على عربيتها وكلبشوها بطريقة مهينة.
الجزء الاول....
في يوم من الأيام، بنت صغيرة كانت راجعة بعربيتها على طريق زراعي. كانت سايقة بهدوء، ملتزمة بالسرعة القانونية، ومركزة في السكة. الجو كان هادي، والطريق مكنش زحمة، فآخر حاجة كانت متوقعاها إن يحصل لها أي مشكلة.
بعد شوية، لمحت عربية مرور وراها شغلت النور وطلبت منها تركن على جنب.
نفذت الطلب فورًا، بطلت العربية وفتحت الشباك. نزل ظابط طويل وضخم الملامح، ووقف عند بابها، بينما الظابط التاني فضل واقف ورا يراقبها.
قال الأول بلهجة ناشفة
الرخصة ورخصة العربية.
ناولته الأوراق، فقعد يبص فيها فترة طويلة، ولف حوالين العربية كأنه بيدور على أي غلطة، لكن واضح إنه ملقاش حاجة.
سألته بهدوء
ممكن أعرف حضرتك وقفتني ليه؟
رد باختصار
تفتيش روتيني.
قالت
تفتيش على أساس إيه؟ أنا مخالفتش أي قانون، ولسه حتى ما عرفتوش نفسكم.
الظابط اتضايق من طريقتها الواثقة، وكأن مجرد إنها بتسأل عن حقها استفزه.
ساعتها الظابط التاني قرب وقال بسخرية
شكلك فاكرة نفسك فاهمة كل حاجة... اقعدي ساكتة أحسن.
بصت لهم وقالت بنفس الهدوء
أنا بتكلم باحترام. من حقي أعرف سبب توقيفي، ومن حقكم تعرفوني بنفسكم.
الظابط الأول رمى أوراقها فوق سقف العربية بعصبية وقال
انزلي من العربية.
ردت
بسبب إيه؟
كرر بصوت أعلى
قلت انزلي.
بدأت تحس إنهم بيحاولوا يخوفوها من غير أي سبب. طلعت موبايلها علشان تصور اللي بيحصل، لكن فجأة الظابط التاني فتح الباب بعنف ومسِك دراعها.
قال
دخلي الموبايل حالًا.
ردت بحزم
متلمسنيش... اللي بتعملوه ده تجاوز.
الكلمة دي كانت كفاية إنها تشعل الموقف. شدها الظابط الأول بقوة بره العربية، ولفها ناحية الباب وزقها عليه، وفي نفس اللحظة مسك الظابط التاني إيديها من ورا وطلع الكلبشات وكبلها.
وقال وهو بيقفل الكلبش
لما تقعدي شوية في القسم هتعرفي تتكلمي إزاي.
الغريب إنها لا صرخت ولا قاومت. بصتلهم بهدوء وقالت
أنتم متأكدين إنكم عايزين تكملوا اللي بتعملوه؟
ضحك الأول وقال
بتهددينا؟
ردت
لا... بس بحذركم. أنتم قبضتوا عليّ من غير سبب، واستعملتوا القوة، ومن غير حتى ما تثبتوا أي مخالفة.
قال
الكلام ده نبقى نشوفه بعدين... دلوقتي هتيجي معانا.
سكتت ثواني، وبعدين قالت بهدوء
ماشي... لكن قبل ما نمشي، طلعوا حاجة من الجيب اليمين في الشورت. إيدي متكلبشة ومش هعرف أطلعها بنفسي.
بص الظابطين لبعض باستغراب، وافتكر واحد منهم إنها بتحاول تشتتهم.
سألها
إيه اللي في الجيب؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
طلعوه... وهتعرفوا بنفسكم.
مد الظابط إيده جوه الجيب، ولما طلع اللي فيه... هو وزميله اتجمدوا مكانهم من شدة الصدمة.
الظابط فضل ماسك الحاجة اللي طلعها من جيبها، وبص لها مرة، وبص لزميله مرة تانية، وكأن عقله رافض يصدق اللي شايفه.
قال بصوت واطي إيه ده...؟
الظابط التاني خطفها من إيده بسرعة، وقعد يقلبها بين صوابعه، ووشه بدأ يتغير بالتدريج.
أما البنت، فكانت واقفة بنفس الهدوء، وإيديها لسه متكلبشة، ولا حتى حاولت تتكلم.
مرّت ثواني تقيلة.
الظابط الأول حاول يستعيد تماسكه وقال بحدة مصطنعة حتى لو... ده ميغيرش حاجة.
ردت بهدوء أكيد؟ بص كويس مرة تانية.
الظابط التاني قرب من صاحبه وهمسله بكلمتين، لكن البنت ما سمعتهمش.
فجأة، الاتنين بقوا يبصوا حواليهم، كأنهم اتوتروا من وجود العربيات اللي بدأت تبطأ وهي معدية، وبعض السواقين فتحوا شبابيكهم يشوفوا إيه اللي بيحصل.
واحد من المارة طلع موبايله وبدأ يصور.
الظابط الأول لمح الموبايل، فزعق ممنوع تصوير... امسح الفيديو!
لكن الراجل رد من بعيد أنا بصور من الطريق العام... ومحدش هيمنعني.
الظابط عض على سنانه، وبص للبنت مرة تانية.
قال إنتِ مين بالظبط؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت الغريب إن ده أول سؤال كان المفروض تسألوه قبل ما تكلبشوني.
الجملة وقعت عليهم كأنها صفعة.
الظابط التاني قرب منها وقال بنبرة أقل حدة لو في سوء تفاهم... ممكن نحل الموضوع.
ردت سوء التفاهم كان قبل ما تمسكوا دراعي. دلوقتي الموضوع بقى موثق.
الظابط الأول حاول يغير مسار الكلام وقال إنتِ كنتِ متعاونة من الأول... ليه مقولتيش اللي معاك؟
قالت وهي بتنظر للكلبشات في إيديها لأني كنت عايزة أشوف هتوصلوا لفين قبل ما تعرفوا.
في اللحظة دي، سُمِع صوت لاسلكي عربية المرور وهو بينادي على الظابطين بإلحاح.
الظابط الأول رد بسرعة، لكن أول ما سمع الرسالة... اختفى اللون من وشه، وبص لزميله بقلق واضح.
أما زميله، فبص للحاجة اللي لسه في إيده مرة تانية، وكأن الرسالة اللي جات على اللاسلكي أكدت له حاجة كان خايف يصدقها.
أما البنت... فظلت واقفة صامتة، وكأنها كانت متوقعة كل اللي بيحصل الظابط الأول بلع ريقه وهو بيقفل جهاز اللاسلكي بسرعة، لكن إيده كانت بترتعش لأول مرة.
سأله زميله بصوت منخفض قالولك إيه؟
رد وهو بيبص للبنت بعدين... مش دلوقتي.
لكن التوتر كان واضح على ملامحه.
في نفس اللحظة، عربية نقل كانت معدية ببطء، والسواق وقف على جنب، وبعده وقفت عربيتين تانيين. الناس بدأت تتجمع على مسافة، وكل واحد بيحاول يفهم إيه اللي حصل.
واحدة ست كبيرة قالت بصوت عالي البنت دي كانت ماشية عادي... إحنا شفناهم وهما بيوقفوها.
ورجل تاني أشار بالموبايل وقال وكل اللي حصل متصور.
الجملة دي زودت ارتباك الظابطين.
الظابط الأول حاول يحافظ على هيبته وقال يا جماعة امشوا... مفيش حاجة للفرجة.
لكن محدش اتحرك.
البنت رفعت رأسها وقالت بهدوء ممكن دلوقتي تفكوا الكلبشات؟
رد الظابط بسرعة لما نوصل القسم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت يعني رغم اللي شفتوه ولسه مصرين؟
الظابط التاني بص للحاجة اللي كانت في إيده، ثم قال بصوت منخفض يمكن... يمكن لازم نراجع القرار.
قاطعه الأول بعصبية القرار اتاخد خلاص.
وفجأة... سُمِع صوت محرك سيارات بيقرب بسرعة من آخر الطريق.
كل العيون اتجهت ناحية الصوت.
ثلاث عربيات سوداء اقتربوا واحدة وراء التانية، بدون أي إشارات، لكن طريقتهم في الوقوف كانت منظمة بشكل لافت.
أول عربية وقفت على بعد أمتار قليلة.
نزل منها رجل في منتصف الخمسينات، ببدلة رسمية، ونظرته كانت حادة جدًا.
ما اتكلمش.
بص الأول على البنت وإيديها المتكلبشة... ثم بص على الظابطين.
الهدوء اللي كان على وشه كان مخيف أكتر من أي انفعال.
الظابط الأول همس لزميله هو... هو جاي هنا ليه؟
زميله رد من غير ما يشيل عينه عن الرجل واضح إنه يعرفها...
الرجل مشي بخطوات ثابتة، ولما بقى قريب، وقف قدام البنت ثواني، وبعدين التفت للظابطين وقال بنبرة هادئة جدًا
مين فيكم أصدر أمر تقييدها؟
ساد صمت كامل...
ولا واحد فيهم رد الظابط الأول حاول يتمالك نفسه، واتقدم خطوة وقال بنبرة رسمية
إحنا بنؤدي شغلنا يا فندم... وكان في اشتباه.
الرجل بصله بثبات وسأله
اشتباه في إيه؟
سكت الظابط لحظة، وبعدين قال
تصرفاتها كانت مريبة.
رد الرجل فورًا
يعني لا مخالفة مرورية، ولا بلاغ، ولا أمر ضبط، ولا مقاومة... ومع ذلك استخدمتوا القوة؟
الظابط التاني حاول يدخل في الكلام
يا فندم هي كانت بتصور...
الرجل قاطعه بهدوء
والتصوير في حد ذاته مش جريمة.
الجملة دي خلت الاتنين يبصوا لبعض في ارتباك.
البنت كانت لسه واقفة من غير ما تنطق بكلمة، وكأنها قررت تسيبهم يبرروا اللي عملوه بنفسهم.
الرجل التفت لها وقال
إنتِ كويسة؟
هزت رأسها وقالت
الحمد لله... الكلبشات بس مضايقاني شوية.
نظر الرجل إلى يديها المتكلبشتين، واتغيرت ملامحه للحظة، لكنه رجع لهدوئه بسرعة.
ثم قال للظابط الأول
فك