بعد 8 سنين حكايات ميرا حصري

لمحة نيوز

اتكلمش.
أنا قربت من أبويا.
خدعتني كل السنين دي؟
قال بسرعة
حميتك. دي مش نفس الحاجة.
طب ليه كل ده؟
أبويا فتح آخر صفحة في الملف.
كان فيها عنوان ومكتوب تحته
لا تبحثوا عنه إلا بعد ظهور الحقيقة.
وقال
هو اختفى بإرادته عشان الناس اللي كانوا بيدوروا عليه ما يوصلوش ليكي.
وإنت كنت بتبعث له أخبار عني؟
هز راسه.
كل سنة.
وفجأة أخو ريتشارد قال
مش بس كده.
بصيت له.
في حاجة تانية.
طلع ظرف أبيض.
والدك الحقيقي هو اللي طلب مني أحتفظ بالظرف ده لحد ما ريتشارد يعترف بكل اللي يعرفه.
ريتشارد بص له بصدمة.
إنت وعدتني!
رد عليه
وأنا وعدت أبويا قبل ما أوعدك.
فتح الظرف.
كان جواه عنوان جديد.
لكن قبل ما آخده، أبويا قال
المرة دي أنا مش هروح معاكي.
ليه؟
ابتسم.
لأنك طول عمرك بتدوري على الحقيقة من خلالي.
ثم حط العنوان في إيدي.
المرة دي اسمعيها منه بنفسك.
خرجت من البيت، وركبت العربية.
فضلت أبص للعنوان طول الطريق.
ولما وصلت، لقيت بيت صغير في شارع هادي.
خبطت.
الباب اتفتح.
ظهر رجل في أواخر الخمسينات.
شعره كان فيه شيب، وملامحه هادية.
بص لي ثواني.
وبعدين عينه لمعت بالدموع.
قال بصوت متقطع
كنت مستني اليوم ده من تلاتين سنة.
أنا ما قدرتش أتكلم.
هو ابتسم وقال
ادخلي يا بنتي.
دخلت.
وعلى الحائط كانت معلقة نفس الصورة القديمة اللي شفتها في الملف.
صورة أبويا الحقيقي.
وقفت قدامها.
الرجل وقف جنبي وقال
قبل ما تسألي أي سؤال...
مد إيده لصورة والدك.
أبوكي ما هربش منك.
ثم بص في عيني.
هو سلّمني حياته كلها عشان يضمن إنك تعيشي.
سكت لحظة.
وأنا قضيت تلاتين سنة مستني اليوم اللي أقدر فيه أرجعلك آخر حاجة سابها لي.
طلع صندوق صغير.
فتحته.
جواه سلسلة قديمة، ومفتاح رقم 17.
ومكتوب على ورقة صغيرة
لما بنتي تعرف الحقيقة، سلّمها المفتاح... لأن السر الحقيقي لسه ما اتفتحش.
بصيت للمفتاح.
وفهمت إن الغرفة اللي تحت حمام السباحة...
ما كانتش النهاية.
كانت مجرد بداية.
والسر الحقيقي كان لسه مستخبي ورا الباب رقم 17 بصيت للعقد مرة تانية، وبعدين رفعت عيني للرجل اللي واقف قدامي.
يعني إيه صاحبة الأرض الأصلية؟ أنا أصلًا ما أعرفش الأرض دي!
ابتسم ابتسامة غامضة.
عشان كده أبوكي أخفى الحقيقة عنك كل السنين دي.
أبويا اتدخل بسرعة
مش كل حاجة لازم تعرفيها دلوقتي.
لفيت له بعصبية.
لأ يا بابا كفاية! كل مرة تقول لي بتحميني، وكل مرة ألاقي سر أكبر من اللي قبله. أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها!
سكت.
ولأول مرة شفت الخوف في عينيه.
مش خوف على نفسه
خوف عليّا.
الرجل حط صباعه على العقد.
الورقة دي اتعملت قبل ما تتولدي بأيام.
قربت منها.
كان فيه توقيع قديم.
وتحت التوقيع جملة قصيرة
تنتقل الملكية إلى ابنتي الوحيدة عند بلوغها السن القانونية.
شهقت.
ابنتي؟
الرجل هز راسه.
أيوه.
بنت مين؟
بص لأبويا.
أبويا نزل عينيه للأرض.
وهنا فهمت إن الإجابة كانت عنده.
قلت بصوت مكسور
أبويا الحقيقي هو صاحب الأرض؟
ماحدش رد.
الصمت كان كفاية.
لكن قبل ما أستوعب، الرجل فتح درج المكتب وطلع ظرف أصفر قديم.
حطه قدامي.
ده كان لازم يتفتح يوم ما تلاقي المفتاح رقم 17.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
خط اليد كان واضح جدًا.
نفس الخط اللي شوفته قبل كده في الرسائل القديمة.
وكان مكتوب
يا بنتي لو وصلتي للمفتاح، يبقى عرفتي إن الأرض مش أهم حاجة. أهم حاجة تعرفي مين حاول يمحي اسمك من كل الأوراق.
وقفت أنفاسي.
مين؟
الرجل قال بهدوء
الشخص ده لسه عايش.
رفعت عيني بسرعة.
فين؟
ابتسم.
أقرب مما تتخيلي.
وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام المبنى.
أبويا اتجه للشباك.
بص للخارج، وشه اتغير.
لازم نمشي حالًا.
مين اللي جه؟
ما ردش.
لكن الرجل أخذ الملف، وقفل الخزنة، وقال
الشخص اللي بره مش جاي ياخد الأرض.
ثم بص لي مباشرة.
جاي ياخد المفتاح.
ضمّيت المفتاح في إيدي.
وفي اللحظة دي
اتسمعت ثلاث خبطات قوية على باب الغرفة.
ثم صوت من الخارج
أنا عارف إن المفتاح معاكم.
أبويا بص لي وقال
مهما حصل ما تفتحيش الباب مسكت المفتاح وأنا مش قادرة أبعد عيني عنه.
الباب رقم 17 فين؟
الرجل بص لأبويا، وأبويا رد
في المكان اللي محدش فكر يدور فيه.
خرجنا من البيت القديم، وركبنا العربية.
بعد حوالي نص ساعة وصلنا لمبنى مهجور كان تابع للمصنع القديم اللي أبويا اشتغل فيه زمان.
دخلنا من باب جانبي، ومشينا في ممر طويل لحد ما وقفنا قدام صف من الأبواب الحديد.
كل باب عليه رقم.
16...
17...
18...
قلبي دق بسرعة.
دخلت المفتاح في القفل.
لفّ مرة واحدة.
الباب اتفتح.
جوه الغرفة كان فيه مكتب قديم، وفوقه جهاز تسجيل وملف كبير.
لكن الملف كان عليه اسمي.
فتحته بإيد مرتعشة.
أول ورقة كانت صورة لأبويا الحقيقي وهو شايلني وأنا طفلة.
وتحت الصورة مكتوب
لو وصلت بنتي للمكان ده، يبقى كل اللي خبيناه فشل.
قلبت الصفحة.
لقيت قائمة بأسماء.
أسماء ناس، تواريخ، ومبالغ مالية.
وفي آخر الصفحة اسم ريتشارد.
لكن جنبه كلمة واحدة
المتورط.
رفعت عيني لأبويا.
يعني ريتشارد كان عارف كل ده؟
قال
كان عارف جزء... لكن مش هو اللي بدأ الحكاية.
شغّلنا جهاز التسجيل.
طلع صوت والد ريتشارد
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى ابني فشل في تنفيذ الاتفاق.
ثم صوت أبويا الحقيقي
وإيه الاتفاق؟
الصوت الآخر رد
الطفل لازم يختفي... والملكية لازم تنتقل لشخص محدد.
تجمدت.
الرجل اللي كان معانا قال
كملي.
التسجيل استمر.
والبنت؟
صمت طويل.
ثم جاء صوت أبي الحقيقي
البنت مش هتختفي.
ولو رفضت؟
ههرب بيها بعيد.
ثم انقطع التسجيل.
نظرت لأبويا.
هو كان بيحميني من مين؟
أبويا قال
من الشخص اللي كان عايز ياخد الملكية كلها.
سألت
مين؟
وقبل ما يجاوب، سمعنا صوت خطوات برا الغرفة.
خطوة...
خطوة...
ثم توقف الصوت أمام الباب.
الكل سكت.
وفجأة دخل رجل كبير في السن.
بص لأبويا وقال
كفاية يا حسن.
أبويا اتصدم.
إنت؟!
الرجل ابتسم.
أيوه.
ثم بص لي وقال
أنا الشخص اللي أبوكي الحقيقي كان بيهرب منك.
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
لكن الرجل حط ملف على المكتب وقال
والحقيقة إنك مش الوريثة اللي كانوا بيدوروا عليها.
سكت لحظة.
إنتِ سبب كل الورثة.
ثم فتح الملف.
وفي الصفحة الأولى كان فيه عقد قديم مكتوب فيه اسمي...
كصاحبة الأرض الأصلية فضلنا واقفين مكاننا.
الخبطات على الباب اتكررت.
مرة
واتنين
وتلاتة.
الرجل الغريب قرب من الحائط، وأشار لأبويا ناحية باب صغير في آخر الغرفة.
المخرج الخلفي لسه موجود؟
أبويا هز راسه.
موجود.
مسكت إيده.
وأنا مش همشي من هنا غير لما أفهم مين اللي بره.
بص لي بجدية.
لو عرفتي دلوقتي، ممكن ما تلحقيش تعرفي الباقي.
قبل ما أرد، سمعنا صوت مفتاح بيتحط في قفل الباب الرئيسي.
الرجل همس
هو معاه نسخة من المفتاح.
أبويا بص للمفتاح اللي في إيدي.
وبعدين قال
عشان كده كانوا بيدوروا عليه من سنين.
الباب بدأ يفتح ببطء.
دخل رجل في أواخر الخمسينات.
وأول ما شفته، حسيت إني شفته قبل كده.
مش في الحقيقة
في الصور.
كان واقف في الصورة القديمة اللي لقيناها في الخزنة.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الندبة الصغيرة فوق حاجبه.
بص لأبويا وقال
كنت عارف إني هوصل لك في يوم.
أبويا وقف قدامي مباشرة.
مش هتقرب منها.
الرجل ابتسم.
أنا مش جاي أأذيها.
ثم بص لي.
أنا جاي أقول لها مين غيّر اسم أبوها الحقيقي.
اتجمدت.
إنت تعرف؟
قال
أنا اللي كنت موجود يوم اتغير الاسم.
سكت لحظة، ثم أضاف
وأنا كمان أعرف مين كتب اسمك في العقد كصاحبة الأرض.
قربت منه خطوة.
مين؟
مد إيده ناحية الملف.
قبل ما أقولك، لازم تعرفي حاجة أخطر.
فتح ورقة قديمة.
كان عليها ختم رسمي.
الأرض دي ما كانتش ملك شخص واحد.
قلب الصفحة.
كانت أمانة لصالح طفلين.
قلبي دق.
طفلين؟
هز رأسه.
واحد منهم اختفى.
والتاني؟
بص لي مباشرة.
التاني واقف قدامك.
سكتُّ.
لم أستطع فهم كلامه.
ثم أشار إلى المفتاح في يدي.
المفتاح رقم 17 مش بيفتح غرفة.
أمال بيفتح إيه؟
ابتسم ابتسامة خالية من الطمأنينة.
بيفتح صندوق الأسماء.
وقبل ما أسأله عن معنى الكلام، أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
كان مكتوب عليها عنوان.
وفي أسفلها جملة واحدة
هناك ستجدين الاسم الذي عاش به أبوك الحقيقي ثلاثين سنة.
أبويا خطف الورقة من إيده.
قرأ العنوان
وفجأة وشه شحب.
قلت له
إنت تعرف المكان ده؟
رفع عيني لي.
أيوه.
فين؟
قال بصوت منخفض
المكان اللي خبّيت فيه أول دليل على إن أبوكي الحقيقي لسه عايش
ثم سكت.
لكن الرجل الغريب أكمل الجملة بدلًا منه
وأخطر دليل إن الشخص اللي بتدوري عليه، كان بيتابعك من بعيد طول السنين اللي فاتت بصيت لأبويا الحقيقي، وأنا مش عارفة أصدق مين فيهم.
يعني إيه كان بيتابعني؟ وإنت كنت عارف؟
ما ردش.
لكن أبويا اللي رباني قال بهدوء
كنت عارف إن فيه حد بيراقب أخبارك بس ما كنتش عارف هو عايز يحميكي ولا يوصل ليكي.
الرجل الغريب قاطعه
أنا كنت عارف.
بصيت له.
عارف إيه؟
إن الشخص ده مش عدوك.
قرب مني، ومد إيده بورقة صغيرة.
هو كان بيحاول يوصل لك من سنين، لكن كل مرة كان فيه حد بيسبقُه.
فتحت الورقة.
كان فيها تواريخ.
كل تاريخ مكتوب جنبه مكان.
مدرسة ابتدائي.
مستشفى.
بيت قديم.
حتى أول شغل اشتغلته.
شهقت
دي كل الأماكن اللي عشت فيها!
أبويا شد الورقة من إيدي.
وأول ما قرأ آخر سطر، وشه اتغير.
مستحيل
سألته
إيه؟
وراني السطر.
كان مكتوب
آخر مكان بيت حسن.
رفعت عيني له.
هو كان بيراقب بيتك كمان؟
أبويا سكت.
الرجل الغريب قال
مش هو اللي كان بيراقب.
سألته
أمال مين؟
رد
الشخص اللي غيّر اسم أبوكي.
ساد الصمت.
ثم أضاف
وده معناه إن اللي حصل من تلاتين سنة ما انتهيش.
في اللحظة دي، سمعنا صوت رسالة وصلت على موبايل أبويا.
فتحها.
صورة.
كانت صورة حديثة جدًا للباب رقم 17.
وتحتها رسالة قصيرة
لو فتحتوا الصندوق، هتعرفوا مين كان الطفل الثاني.
بصيت لأبويا.
فين الصندوق؟
قال
مش هنا.
أمال فين؟
أبويا أخذ نفس طويل.
تحت البيت اللي عشتِ فيه أول سبع سنين من عمرك.
اتجمدت مكاني.
بيتنا القديم؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم قال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك تحتي
البيت ده ما كانش بيتنا أصلًا.
أمال كان بتاع مين؟
بص لي مباشرة.
كان بتاع الشخص اللي اختفى قبل ما تتولدي بأيام.
وقبل ما نخرج من الغرفة، الرجل الغريب وقف قدام الباب وقال
استنوا.
بصينا له.
طلع من جيبه صورة صغيرة.
وحطها قدامي.
الصورة كانت قديمة جدًا.
فيها أبويا الحقيقي واقف جنب طفلين.
واحد منهم كنت أنا
والتاني طفل ما أعرفوش.
لكن المفاجأة ما كانتش في الطفل.
المفاجأة كانت في الرجل الواقف وراهم.
كان ريتشارد.
والمكتوب خلف الصورة كان
اليوم الذي اختفى فيه الطفل الثاني بدأ كل شيء فضلت باصة للصورة، ومش قادرة أرفع عيني عن ريتشارد.
إزاي كان موجود مع أبويا الحقيقي؟ وإيه علاقته بالطفلين؟
الرجل
تم نسخ الرابط