اتجوزت بنت حكايات زهرة
اتجمدت.
الاسم اللي سمعناه من أول الحكاية.
سامح… اللي هالة قالت إنه مات من سبع سنين.
جابر قال:
— يبقى الشخص اللي كان بيتصل من بره الفيلا وقتها… ما كانش بيكدب لما قال إنه سامح.
هالة رجعت للخلف وهي بتبص للكل.
— أنا شفت جثته…
صفية قالت:
— الجثة ما كانتش جثته.
نادر أضاف:
— وكانت دي أول كذبة كبيرة في الحكاية كلها.
فجأة موبايل هالة رن.
بصت للشاشة.
وشها اتغير.
— الرقم ده…
سألتها:
— مين؟
ردت بصوت مرتعش:
— سامح.
فتحت المكالمة.
لكن محدش اتكلم.
بس صوت راجل جه من الناحية التانية:
— هالة… الوقت خلص.
هالة قربت الموبايل من ودنها.
— إنت فين؟
ضحك بصوت خافت.
— في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
ثم قال:
— وخدي حسن معاكي.
المكالمة اتقفلت.
بصيت لجابر.
— المكان ده فين؟
جابر رد:
— المخزن 17.
صفية مسكت دراعي.
— ما تروحش.
قلت:
— لازم أروح.
نادر قال:
— وأنا جاي معاك.
لكن حاتم وقف بينا.
— محدش هيروح لوحده.
وبينما إحنا بنتكلم…
منال كانت واقفة قدام الصورة القديمة.
فجأة قالت:
— أنا فاكرة حاجة.
الكل سكت.
— فاكرة إيه؟
قالت:
— ليلة اختفاء عمو… سامح ما كانش لوحده.
هالة قربت منها بسرعة.
— كان معاه مين؟
منال بصت لها.
ثم بصت لي.
وقالت:
— كان معاه بابا حسن.
اتجمدت مكاني.
لأنها لأول مرة قالتها بوضوح:
"بابا حسن."
لكنها ما كانتش تقصد حاتم.
كانت تقصد…
أبويا اللي رباني.فضلت باصص لمنال، مش قادر أستوعب كلامها.
— إنتِ متأكدة؟
هزت راسها.
— أيوه… فاكرة كويس.
هالة قربت منها:
— منال، حاولي تفتكري براحة. كان بابا حسن موجود مع سامح؟
قالت:
— أيوه.
ثم حطت إيدها على دماغها.
— وكان فيه خناقة…
جابر سألها:
— خناقة بين مين؟
منال بصت له.
— بابا حسن وسامح.
هالة شهقت.
— ليه؟
منال قالت:
— عشان سامح كان عايز ياخد الورقة.
نادر سأل:
— ورقة إيه؟
منال أشارت للملف.
— نفس الورقة اللي جوه الملف.
فتحت صفية الملف بسرعة.
— الورقة دي؟
منال هزت رأسها.
— لأ… الورقة اللي قبلها.
صفية قلبت الصفحات واحدة واحدة.
وفجأة توقفت.
— مستحيل…
قلت:
— إيه؟
مدت الورقة لي.
كانت عبارة عن صورة قديمة جدًا.
فيها أبويا واقف جنب سامح…
وفي الخلفية كانت واقفة ست شابة.
أول ما شافت هالة الصورة، إيديها بدأت ترتعش.
قلت:
— مين الست دي؟
هالة ما ردتش.
كررت:
— ماما… مين دي؟
قالت بصوت مكسور:
— أم منال.
منال قربت من الصورة.
بصت لها فترة طويلة.
ثم قالت:
— أنا فاكرة وشها.
هالة نزلت دمعة من عينها.
— إنتِ كنتِ صغيرة جدًا.
منال قالت:
— كانت بتعيط.
سألتها:
— ليه؟
قالت:
— عشان سامح كان بيقول لها إنها لازم تمشي.
نادر بص لهالة:
— يعني سامح كان عايز يبعد أم منال عن البيت؟
هالة هزت رأسها.
— أيوه.
فؤاد قال:
— بس مش عشان يؤذيها.
كلنا بصينا له.
— كان بيحاول يخليها تختفي قبل ما حد يوصل لها.
قلت:
— مين؟
فؤاد رد:
— الشخص اللي كان بيجمع المستندات ضد العيلة.
صفية قالت:
— والشخص ده كان عنده شريك داخل البيت.
بصيت لها.
— مين؟
صفية فتحت فمها…
لكن جابر سبقها.
— أبو حسن.
اتصدمت.
— بابا؟
جابر قال:
— أبوك كان متورط… لكن مش بالطريقة اللي فاكرها.
— يعني إيه؟
قال:
— هو اللي أخفى أم منال.
هالة صرخت:
— لأ! أبو حسن كان بينقذها!
جابر رد:
— وأنا قلت إنه أخفاها… ما قلتش إنه أذاها.
سكت لحظة.
ثم قال:
— أم منال اختفت بإرادتها، وأبوك ساعدها تختفي.
بصيت لمنال.
— طب ليه؟
منال كانت بتبص للصورة.
وفجأة قالت:
— عشان حد كان عايز يقتلني وأنا صغيرة.
سكتنا كلنا.
هالة قربت منها:
— مين قالك كده؟
منال رفعت عينيها وقالت:
— ماما.
ثم بصت لي.
— وماما قالتلي إن الشخص ده… لسه عايش.
وفي اللحظة دي…
جاءت رسالة على موبايل هالة.
فتحتها.
وكان فيها صورة حديثة.
صورة لرجل واقف قدام المخزن رقم 17.
وتحت الصورة رسالة:
"لو عايزين تعرفوا مين حاول يقتل منال وهي طفلة… تعالوا الليلة."
وبجانب الرجل في الصورة…
كان واقف أبويا اللي رباني.فضلت باصص للصورة وأنا مش قادر أرمش.
أبويا اللي رباني…
واقف قدام المخزن 17.
والصورة شكلها حديثة، مش صورة قديمة.
قلت بصوت مخنوق:
— دي متصورة إمتى؟
صفية قربت من الموبايل.
— الصورة دي جديدة.
هالة مسكت راسها.
— يبقى هو عايش.
نادر قال بهدوء:
— أو حد عايزنا نصدق إنه عايش.
بصيت له بعصبية.
— إنت عايز تقول إيه؟
— إن الصورة ممكن تكون جزء من الفخ.
حاتم لأول مرة اتكلم بقوة:
— لأ… أنا عارف المكان اللي واقف فيه.
سألته:
— إنت تعرفه؟
هز راسه.
— المكان ده مش مجرد مخزن.
— أمال إيه؟
حاتم بص لهالة.
— ده المكان اللي اتدفنت فيه الحقيقة.
هالة قالت بسرعة:
— محدش هيروح هناك.
قلت:
— أنا هروح.
— حسن!
— ده أبويا.
وسكت لحظة.
— ولو فعلاً عايش… لازم أعرف ليه اختفى كل السنين دي.
جابر قال:
— أنا جاي معاك.
صفية اعترضت:
— لا. جابر مينفعش يروح.
بصيت لها.
— ليه؟
اترددت.
ثم قالت:
— لأن جابر كان آخر شخص شاف أبوك قبل ما يختفي.
جابر بص لها بغضب.
— إنتِ عارفة كويس إني كنت بحاول أساعده.
صفية ردت:
— وأنا عارفة إنك رجعت من المخزن لوحدك.
ساد الصمت.
بصيت لجابر.
— رجعت لوحدك؟
ما ردش.
كررت:
— كنت مع أبويا ليلة اختفائه؟
جابر نزل عينه.
— أيوه.
— وإيه اللي حصل؟
قال:
— أبوك طلب مني أسيبه ويمشي.
— ليه؟
— لأنه كان عارف إن فيه حد بيراقبه.
— مين؟
جابر رفع عينه ناحيتي.
— الشخص اللي كان ماسك المفتاح رقم 17.
نادر قال:
— المفتاح كان مع أبو حسن.
جابر هز رأسه.
— لأ.
مد إيده في جيبه، وطلع مفتاح قديم.
حطه قدامي.
كان عليه رقم واضح:
17.
قال:
— ده كان معايا أنا.
اتصدمت.
— وإنت مخبيه كل السنين دي؟
قال:
— أبوك هو اللي ادهولي.
— ليه؟
جابر بص للصورة على الموبايل.
ثم قال:
— عشان لو في يوم شفت الصورة دي… تعرف إن الراجل اللي واقف جنب المخزن مش أبوك.
اتجمدت.
— أمال مين؟
جابر قرب الصورة من عينه.
ثم قال:
— الشخص اللي واقف جنبه…
وسكت.
— هو اللي كان السبب إن أبوك اضطر يختفي.
قبل ما حد يسأله عن اسمه…
صوت منال خرج من ورايا:
— أنا أعرفه.
لفيت لها بسرعة.
— تعرفيه؟
هزت رأسها.
— أيوه.
ثم أشارت للصورة.
— ده الراجل اللي كان بييجي لماما زمان…
وسكتت.
— وكان كل مرة يشوفني فيها يقول جملة واحدة.
سألتها:
— كان بيقول إيه؟
منال بصت للصورة بخوف.
وقالت:
— "البنت دي لازم تختفي قبل ما تكبر."فضلت واقف قدام الصورة، وأنا حاسس إن كل حاجة في حياتي بتتفك قدامي.
قلت لمنال:
— إنتِ متأكدة إن ده الراجل؟
هزت راسها.
— أيوه… كان دايمًا بيبصلي بطريقة تخوفني.
حاتم قرب من الصورة، وأول ما شافها، وشه اتغير.
— سامح.
هالة بصت له:
— إنت كنت عارف؟
قال:
— عرفت متأخر.
جابر حط المفتاح رقم 17 على الترابيزة.
— يبقى لازم نروح المخزن.
روحنا كلنا.
ولما فتحنا الباب، لقينا المكان فاضي تقريبًا، ما عدا صندوق حديد قديم.
صفية قالت:
— ده كان بتاع أبو حسن.
فتحت الصندوق بالمفتاح.
جواه كان فيه شريط تسجيل، وصورة، وعقد قديم.
شغّلنا التسجيل.
وجاء صوت أبويا:
— لو التسجيل ده وصل لحسن، يبقى سامح حاول يوصل لمنال تاني.
سكت لحظة، ثم قال:
— سامح ما كانش عايز فلوس العيلة… كان عايز يتحكم في كل حاجة، ووجود منال كان مانعُه من ده.
ثم ظهرت الحقيقة الأهم.
أبويا قال إنه اكتشف خطة لإخفاء منال وهي طفلة، وإنه ساعد أمها تهرب وتحمي بنتها، بينما هو أخذ حسن بعيدًا عن الخطر.
أما ليلة الحادثة…
سامح حاول إجبار أبويا على تسليم مكان منال.
أبويا رفض.
ووقتها حصلت المواجهة التي انتهت بوفاته.
لكن أبويا كان ترك نسخة من الأدلة قبل موته.
وبين الأوراق كان عقد يحمل توقيع سامح.
وتحت التوقيع جملة واضحة:
"في حالة فشل الخطة، يتم التخلص من حسن ومنال."
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فهمت أخيرًا ليه أبويا اختار يبعدني عن كل ده.
وليه رباني كابن له، رغم إنه ما كانش أبوي بالدم.
وفجأة سمعنا صوت من خلفنا:
— كفاية.
لفينا.
كان سامح واقف عند الباب.
لكن قبل ما يتحرك، ظهر رجال الشرطة اللي كان حاتم اتصل بيهم قبل ما ندخل.
سامح حاول ينكر كل شيء.
لكن التسجيل والعقد والصور كانوا كفاية لفتح التحقيق.
وبعد أيام، ظهرت الحقيقة كاملة.
أبويا لم يكن خائنًا للعائلة.
ولم يكن سبب اختفائه طمعًا أو هروبًا.
كان يحاول يحمي طفلين:
أنا… ومنال.
أما هالة، فاعترفت بالحقيقة الأخيرة.
قالت إن أم منال الحقيقية كانت قد طلبت منها رعاية ابنتها بعد اختفائها، وإنها أخفت الحقيقة سنوات خوفًا من أن تصل يد سامح إلى منال.
أما نادر، فاكتشفنا أنه لم يكن عدوّي كما ظننت.
كان هو أيضًا ضحية للأسرار القديمة.
وفي النهاية، رجعت للفيلا وأنا حاسس إن المكان لأول مرة مش مخيف.
منال كانت قاعدة في الحديقة.
قعدت جنبها.
قالت لي بابتسامة:
— خلاص السر خلص؟
ابتسمت لها.
— خلاص.
سألتني:
— وأبوك؟
بصيت للسماء.
— أبويا مات… بس سابلي أكبر حاجة ممكن أب يسيبها لابنه.
— إيه؟
قلت:
— الحقيقة.
ومسكت إيد منال.
وقتها فهمت إن كل اللي حصل ما كانش بداية حياتنا…
كان مجرد الحقيقة اللي أخيرًا خلّت حياتنا تبدأ من غير خوف.