خطيب بنتي

لمحة نيوز

مستنية اليوم اللي تبقي فيه كبيرة كفاية تعرفي الحقيقة بنفسك.
حنان أخدت الظرف.
وكانت إيديها بتترعش.
فتحت الخيط.
وأخرجت ورقة واحدة.
أول سطر فيها كان
إلى ابنتي حنان... لو وصلتك الرسالة دي، يبقى السر اللي خبيناه سنين ظهر أخيرًا.
حنان شهقت.
ابنتي؟!
أحمد قرب منها.
اديني الورقة.
لكن حنان رجعت خطوة.
لأ يا بابا... دي موجهة ليا.
وكملت القراءة.
أول حاجة لازم تعرفيها... إن اختيارك ما كانش بسبب الفلوس، ولا بسبب الشقة، ولا لأن نرمين أقل منك...
حنان رفعت عينيها.
وكان في آخر الورقة سطر واحد فقط
لكن لأن يوم ولادتك حصلت واقعة غيّرت ملكية الشقة بالكامل...
فجأة وقع الظرف من إيد حنان.
ومحمود قال
واقعة إيه؟
الراجل الكبير بص لأحمد، وقال
الواقعة دي... أبو كريم وأبوك كانوا شاهدين عليها.
أحمد وشه اصفر.
حنان همست
بابا... إنت كنت تعرف؟
أحمد ما ردش.
ولأول مرة، حنان شافت أبوها بيبص لها بنظرة فيها خوف حقيقي.
ثم قال
كنت فاكر إن السر ده هيفضل مدفون لحد ما أموت.
وفي نفس اللحظة...
رن موبايل محمد.
بص للشاشة، واتجمد مكانه.
المتصل كان
رقم والد كريم... رغم إنه متوفي من سنين الموبايل فضل بيرن في إيد محمد.
محدش قدر يتكلم.
محمد بص للشاشة مرة تانية، وبعدين قال بصوت متقطع
الرقم ده... مش محفوظ عندي باسم عادي.
محمود قرب منه
طب رد.
محمد تردد.
ولو كان حد بيستخدم رقمه؟
أحمد قال
رد يا محمد.
محمد ضغط على زر الإجابة، وحط الموبايل على السماعة الخارجية.
ألو؟
مفيش رد.
بس بعد ثواني، سمعوا صوت رجل عجوز بيقول
الدفتر اتفتح؟
محمد اتجمد.
مين؟
الصوت رد
لو الدفتر اتفتح... يبقى حنان عرفت.
حنان قربت من الموبايل.
عرفت إيه؟
الصوت سكت.
ثم قال
اسألي أبوكي.
حنان بصت لأحمد.
بابا؟
أحمد كان واقف ساكت، ووشه مليان خوف.
حنان قربت منه
إنت عارف إيه؟
أحمد حاول يتكلم، لكن صوته خرج ضعيف
يوم ما اتولدتي...
وسكت.
ماما مسكت إيده.
قول يا أحمد.
أحمد أخد نفس طويل.
يوم ما اتولدتي، جدك طلب مني أروح معاه للمستشفى.
حنان قالت
ليه؟
لأن كان فيه ورق لازم يتوقّع.
محمود سأله
ورق إيه؟
أحمد رد
ورق ملكية.
كريم قال
ملكية إيه؟
أحمد بص له.
ملكية الشقة.
محمد ضرب إيده على جبهته.
يعني الشقة اتنقلت يوم ولادة حنان؟
أحمد أومأ.
أيوه.
حنان سألت
واتنقلت لمين؟
أحمد سكت.
الراجل اللي معاهم قال
قول الحقيقة كاملة يا أحمد.
أحمد بص لحنان، وعينيه دمعت.
الشقة ما اتنقلتش ليكي يا حنان.
حنان اتصدمت.
أمال لمين؟
أحمد قال
اتنقلت باسم شخص ما كانش موجود وقتها أصلًا.
كريم سأله
مين؟
أحمد رد
شخص اتولد بعدك بساعات.
نرمين شهقت.
بعد حنان بساعات؟!
أحمد هز رأسه.
أيوه.
محمود قرب منه
مستحيل...
أحمد قال
وعلشان كده جدك كتب اسم حنان في الدفتر.
حنان قالت
أنا مش فاهمة حاجة.
أحمد بص لها وقال
لأنك كنتِ المفتاح اللي يقدر يرجّع الملكية لصاحبها الحقيقي.
كريم سأل
ومين صاحبها الحقيقي؟
أحمد فتح فمه عشان يرد...
لكن فجأة سمعوا صوت خبطة قوية على باب البيت.
الكل بص ناحية الباب.
ثم جاء صوت من الخارج
افتحوا!
محمد همس
مين؟
الصوت رد
أنا جاي آخد الدفتر.
حنان قربت من ماما.
ومحمود قال
محدش يفتح.
لكن الصوت من بره قال جملة واحدة خلت أحمد يفقد لونه
أنا ابن الشخص اللي كتب الاتفاق... وأنا الوحيد اللي أعرف ليه اسم حنان اتكتب فيه الكل فضل واقف قدام الباب.
أحمد قرب منه، وصوته كان مليان توتر
إنت مين؟
الصوت من بره رد
افتح الأول... وهتعرف.
محمود وقف قدام الباب.
محدش يفتح غير لما نعرف هو مين.
الرجل رد
محمود... لسه زي ما أنت. بتخاف من الحقيقة حتى وهي واقفة على الباب.
محمود اتجمد.
إنت تعرفني؟
أكتر مما تتخيل.
كريم بص لمحمود.
إنت تعرف الصوت ده؟
محمود ما ردش.
حنان بصت لأبوها.
بابا... إيه اللي بيحصل؟
أحمد أخد نفس طويل، وبعدين قال
افتحوا.
محمود حاول يمنعه
أحمد، استنى!
لكن أحمد فتح الباب.
دخل رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده حقيبة جلد قديمة.
أول ما شافه أحمد، رجع خطوة.
مستحيل...
الرجل قال
مش مستحيل يا أحمد.
ثم بص لحنان.
دي حنان؟
حنان أومأت.
الرجل ابتسم بحزن.
كبرتِ.
حنان سألته
حضرتك تعرفني؟
الرجل رد
أنا كنت موجود يوم ولادتك.
ماما قربت منه، وفجأة قالت
سامي؟
الرجل أومأ.
أيوه.
محمد اتصدم.
سامي ابن عم أبو كريم؟
سامي قال
أيوه.
كريم قرب منه
بس أنت مختفي من سنين!
كنت بعيد.
ليه؟
سامي بص لأحمد.
لأن أبوك طلب مني أبعد.
أحمد قال
أنا طلبت منك تحمي السر... مش تختفي.
سامي فتح الحقيبة.
وأنا رجعت النهارده علشان السر بقى أخطر من إنه يفضل مخبي.
طلع ملف قديم، وحطه على الترابيزة.
دي النسخة الأصلية من الاتفاق.
محمود أخد الملف بسرعة.
قلب أول ورقة.
ثم الثانية.
وفي الصفحة الثالثة توقف.
يا نهار أبيض...
حنان سألت
إيه؟
محمود رفع الورقة.
الملكية ما اتنقلتش باسم حنان.
كريم قال
إحنا عارفين.
لأ... أنتم مش فاهمين.
ثم أشار لسطر محدد.
الملكية اتنقلت باسم أمانة عائلية، وحنان هي المستفيدة الوحيدة منها عند بلوغها سن معين.
حنان سألت
يعني إيه؟
سامي رد
يعني الشقة ما كانتش ملك أبوكي، ولا ملك عمك، ولا ملك أبو كريم.
ثم أضاف
كانت محفوظة ليكي.
نرمين بصت للأرض.
وحقّي أنا؟
سامي قال
كان فيه مبلغ منفصل باسمك.
نرمين رفعت عينيها.
يعني أنا ما اتظلمتش في الشقة؟
لأ.
ثم نظر لمحمد
لكن اللي حصل بعد كده هو اللي عمل المشكلة.
محمد قال
إيه اللي حصل؟
سامي أخرج ورقة أصغر.
بعد وفاة والد كريم، حصل تعديل سري.
أحمد سأله
مين عدّل؟
سامي قال
شخص واحد.
حنان قربت منه.
مين؟
سامي وضع الورقة أمامها.
وكان عليها توقيع.
حنان أول ما شافته، شهقت.
ده توقيع... أمي!
ماما اتراجعت.
أنا؟!
أحمد بص لها مصدوم.
إنتِ وقعتي على الورقة دي؟
ماما بدأت تبكي.
أيوه...
حنان قالت
ليه؟
ماما مسكت إيد بنتها.
لأن والدك طلب مني أوقع.
أحمد هز رأسه
أنا؟
ماما ردت
كنت بتحاول تحميني... وتحميكي.
حنان سألت
من مين؟
ماما بصت لسامي.
وسامي قال
من الشخص اللي كان وقتها بيحاول يستولي على الشقة كلها.
محمد سأل
مين؟
سامي فتح آخر ورقة.
ثم قال
جد كريم نفسه القاعة كلها سكتت.
كريم بص للورقة، وبعدين بص لسامي
يعني جدي هو اللي حاول يستولي على الشقة؟
سامي هز رأسه.
حاول، لكن جدك من الناحية القانونية ما قدرش يغيّر حق حنان. أبو كريم اكتشف اللي حصل، ووقف ضده.
أحمد قال
وعشان كده أبو كريم كتب الشرط؟
أيوه. كان عايز يضمن إن أي قرار يخص الشقة ما يتاخدش بسبب ضغط أو طمع أو خلاف عائلي.
حنان بصت للورقة.
طب ليه اسمي أنا؟
سامي ابتسم بحزن.
لأن والدك يوم ولادتك كان واقف جنب أبو كريم، واتفقوا إنك لما تكبري يبقى ليكي الحق الكامل في معرفة الحقيقة واتخاذ القرار بنفسك.
كريم قال
وأنا إيه علاقتي بكل ده؟
سامي رد
علاقتك إن أبوك كان رافض إنك تتجوز أي واحدة بسبب الشقة.
ثم بص لنرمين.
وعلشان كده الاتفاق كان واضح الجوازة لازم تكون اختيار حقيقي، من غير ما الملكية تدخل فيها.
نرمين نزلت عينيها.
يبقى اللي حصل النهارده كان غلط من البداية.
حنان قربت منها وقالت
إحنا الاتنين اتظلمنا لما خلّونا نحس إننا بنتنافس على بعض.
نرمين بكت وقالت
أنا غلطت لما فرحت إن خطوبتك اتكسرت.
حنان حضنتها.
وأنا مش هحملك ذنب أسرار الكبار.
كريم وقف قدام حنان.
وأنا كمان غلطت.
حنان بصت له.
أنت كسرت قلبي.
عارف.
وصدقت إن عدم التوافق سبب كفاية من غير ما تسألني أو تحاول تفهم.
كريم هز رأسه.
عشان كده مش هطلب منك ترجعيلي.
الكل بص له.
القرار دلوقتي قرارك إنتِ. لو مش عايزة تسمعي مني كلمة تانية، هحترم ده.
حنان سكتت.
ثم قالت
أنا محتاجة وقت.
خدي كل الوقت اللي تحتاجيه.
محمود جمع الأوراق وقال
أما الشقة، فهتتسجل رسميًا باسم المستفيدة حسب الاتفاق القديم، ومحدش في العيلة له حق يتصرف فيها من غير موافقتها.
أحمد بص لحنان.
وأنا هفضل جنبك، بس القرار في إيدك.
حنان ابتسمت وسط دموعها.
لأول مرة فهمت إن جدها ما كانش بيحاول يديها شقة وبس...
كان بيحاول يحفظ لها حقها في إنها تختار حياتها بنفسها.
أما محمد، فوقف قدام أحمد وقال
سامحني.
أحمد رد
مسامحك... بس من النهارده مفيش أسرار بينا.
محمد هز رأسه.
وعبلة قربت من نرمين.
وأنا كمان غلطت لما خليتك تقارني نفسك بحنان طول عمرك.
نرمين قالت
خلاص يا أمي... نبدأ من جديد.
وبعد ساعات، خرجت العيلتان من البيت القديم.
لكن قبل ما حنان تركب العربية، سمعت سامي بيناديها.
حنان.
التفتت.
مد لها ظرفًا صغيرًا.
ده كان مع والد كريم، وطلب مني ما أسلمهوش ليكي غير بعد ما تعرفي الحقيقة كلها.
حنان فتحته.
جواه صورة قديمة لها وهي طفلة، وعلى ظهر الصورة جملة بخط والد كريم
لو في يوم حنان قررت تبعد عن كريم، ما تمنعوهاش... لأنها من حقها تختار طريقها، حتى لو الطريق ده مش مع ابني.
حنان قرأت الجملة أكتر من مرة.
ثم بصت لكريم.
كريم فهم من نظرتها إنها أخيرًا عرفت إن أبوها ما كانش السبب في كل اللي حصل.
وفي اليوم التالي، اتلغت فرح كريم ونرمين رسميًا، واتعملت الإجراءات القانونية الخاصة بالشقة.
أما حنان، فرفضت تستعجل أي قرار.
وقالت لأبوها
أنا مش هختار كريم علشان الورق، ومش هرفضه علشان اللي حصل. لو رجع لحياتي، لازم يرجع علشان أنا اخترته... مش علشان حد قرر نيابة عني.
أحمد ابتسم وقال
كده بالضبط كان جدك عايزك تبقي.
وبعد شهور...
كان كريم واقف قدام بيت أحمد، من غير أهل ولا مظاهر ولا وعود كبيرة.
بس ماسك كتاب صغير.
لما حنان خرجت، مدّهولها وقال
المرة دي جاي أسألك سؤال واحد بس.
حنان ابتسمت
قول.
قال
ينفع نبدأ من الصفر... من غير شقة، ولا فلوس، ولا ضغط من حد؟
حنان بصت له طويلًا.
وبعدين ابتسمت ابتسامة هادية.
ينفع... بس المرة دي أنا اللي هقول إمتى.
ضحك كريم.
ومن بعيد، كانت نرمين واقفة جنب أمها، ولأول مرة بتبتسم لحنان من غير مقارنة ولا غيرة.
وانتهت الحكاية...
مش بزواج ولا بانتقام.
لكن بأهم حاجة ضاعت من العيلتين سنين طويلة
الحقيقة. والحق في الاختيار.

تم نسخ الرابط