ابو مراتي
أدهم.
بصيت للضابط.
يعني إيه؟
قال
يعني يوسف من عيلتك لكن مش ابنك.
ثم بص لي بجدية.
والأغرب من كده إننا لقينا في قاعدة البيانات عينة قديمة من والدك
سكت.
العينة دي مطابقة ليوسف.
نورهان شهقت.
وأنا فضلت واقف مش قادر أتكلم.
يعني يوسف
ابن أبويا.
لكن لو كان ده صحيح
فمين أنا؟!
وفي نفس اللحظة، وصلني تسجيل جديد من عمي.
فتحته.
صوته كان هادي
دلوقتي عرفت أول جزء من الحقيقة.
سكت ثواني.
ثم قال
بس لسه ما عرفتش الحقيقة الأخطر يوسف مش أخوك، وأبوك الحقيقي لسه عايش الجزء الثامن أبويا الحقيقي لسه عايش!
فضلت ماسك الموبايل، وإيدَي بتترعش.
الجملة الأخيرة لعمي كانت بتتردد في دماغي
أبوك الحقيقي لسه عايش.
بصيت لنورهان، لقيتها بتبكي ومش قادرة تبص في عيني.
قلت لها
إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت راسها بسرعة.
والله ما كنت أعرف إن أبوك الحقيقي عايش أنا كل اللي عرفته من عمي إن فيه سر متعلق بولادتك.
الضابط تدخل
أدهم، لازم نوقف الكلام ده دلوقتي ونركز على مكان عمك ويوسف.
قلت له
لأ أنا عايز الحقيقة الأول.
وفجأة، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت راجل كبير
أدهم؟
سكت.
الصوت كمل
أنا الشخص اللي طول عمرك فاكره مات.
حسيت بقلبي بيقف.
إنت مين؟
قال
أنا أبوك.
قعدت على الكرسي من الصدمة.
إنت فين؟
في المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها.
فين؟!
البيت القديم بتاع أمك.
قفلت المكالمة، وبصيت للضابط.
لازم نروح هناك.
لكن قبل ما نتحرك، نورهان نادتني
أدهم خد دي.
مدت إيدها تحت الوسادة، وطلعت مفتاح صغير.
عمي سابهولي قبل ما يمشي.
أخدت المفتاح.
مفتاح إيه؟
قال لي إنك لما تسمع إن أبوك الحقيقي عايش، هتفهم إن المفتاح ده لازم يكون معاك.
خرجنا من المستشفى.
بعد حوالي ساعة، وصلنا للبيت القديم.
المكان كان مهجور، والباب متهالك.
دخلت وأنا ماسك المفتاح.
بدأنا نفتش.
ولا حاجة.
لحد ما لاحظت إن فيه لوحة قديمة معلقة على الحائط.
حركتها.
وراها باب صغير.
دخلت المفتاح.
طَق.
الباب اتفتح.
كان وراه ممر ضيق بين الحيطان.
مشينا لحد ما وصلنا لغرفة تحت الأرض.
وهناك
كان فيه راجل قاعد على كرسي.
شعره أبيض، ووشه مرهق، لكنه كان شبه أبويا بشكل مخيف.
أول ما شافني، وقف.
عينيه اتمَلَت بالدموع.
كبرت يا أدهم.
وقفت مكاني.
إنت أبويا؟
هز راسه.
أيوه.
قربت منه، لكني وقفت قبل ما ألمسه.
فين كنت؟
بحاول أحميك.
تحميني من مين؟! من عيلتي؟ من أبو نورهان؟ من عمي؟ ولا من نفسي؟!
تنهد.
من الحقيقة.
ضحكت بسخرية من شدة الصدمة.
كل الناس بتقول إنها بتحميني بالحقيقة! كل واحد فيكم خبّى حاجة، وفي الآخر مراتي اتضربت وابني مات!
وشه اتغير.
أنا عارف.
إزاي عارف؟
سكت.
ثم قال
لأن اللي حصل لنورهان ماكانش أول محاولة.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قبل جوازكم، حاولوا يمنعوها منك. ولما فشلوا، بدأوا يدوروا على نقطة ضعف تانية.
إيه النقطة دي؟
بص لي مباشرة.
يوسف.
قلت
يوسف ابنك؟
هز راسه.
أيوه.
سكت لحظة.
لكن ليه اتخفى؟
أبويا الحقيقي قعد، وفتح صندوق صغير.
طلع منه ملف قديم.
يوسف اتولد من تسع سنين، وفي نفس السنة اللي حصل فيها حادث غيّر مصير عيلتنا.
فتح الملف.
كانت فيه صورة لأمي.
وصورة لرضيع.
وشهادة ميلاد.
ثم ورقة مكتوب فيها
تم تغيير الهوية لحماية الطفل من الاستهداف.
بصيت له
مين كان عايز يؤذيه؟
رد
الشخص اللي كان بيموّل أبو نورهان.
مين؟
رفع عينه ليا.
رجل واحد كان عارف إن يوسف هو الوريث القانوني الحقيقي لأموال الشركة.
اسمه؟
قبل ما يقول الاسم، سمعنا صوت عربية وقفت برا.
أبويا وقف فجأة.
لازم تمشي.
الضابط طلع سلاحه.
مين اللي وصل؟
أبويا بص ناحية الباب وقال
وصلوا لنا.
سمعنا خطوات بتقرب.
خطوة
خطوة
وبعدين الباب اتفتح.
دخل عمي.
لكن المرة دي ماكانش لوحده.
كان ماسك إيد يوسف.
والطفل أول ما شافني، جري ناحيتي.
عمو أدهم!
حضنته.
وعمي وقف قدامنا وقال
دلوقتي مفيش فايدة من الهروب.
بصيت له
إنت كنت بتحميني ولا بتلعب بيا؟
قال
كنت بحاول أصلح غلطة أبوك.
أبويا الحقيقي صرخ
متقولش غلطة! إنت كنت جزء من الخطة من البداية!
عمي بص له بغضب.
وأنت اللي بدأت كل حاجة!
الضابط تدخل
كفاية! الاتنين هيتكلموا قدامي.
لكن قبل ما أي حد يتكلم، عمي طلع ورقة من جيبه.
دي آخر ورقة كتبها أبوك قبل ما يختفي.
ناولها لي.
فتحتها.
وكان أول سطر فيها
يا أدهم لو وصلت للورقة دي، يبقى لازم تعرف إن الرجل اللي ربيته طول عمرك مش هو أبوك الوحيد
وتحت السطر كان فيه اسم.
اسم رجل لم أسمعه في حياتي.
رفعت عيني.
مين ده؟
أبويا الحقيقي غمض عينيه.
وعمي سكت.
أما يوسف، فبص لي وقال ببساطة
أنا شفته قبل كده.
التفت له بسرعة.
مين شفته؟
أشار للورقة.
وقال
الراجل اللي مكتوب اسمه هنا هو اللي كان بيزور بابا كل أسبوع النهاية الحقيقة اللي دفنتها العيلة سنين
فضلت واقف ماسك الورقة، وببص للاسم المكتوب عليها.
الضابط أخدها مني وراجع الاسم بسرعة، وبعد ثواني قال
الاسم ده موجود في سجلات الشركات القديمة وكان هو الممول الرئيسي للصندوق الأسود.
بصيت لعمي
يعني هو اللي كان ورا كل حاجة؟
هز راسه.
أيوه لكن فيه حاجة لازم تعرفها. أبوك حاول يوقفه من سنين، ولما فشل، خبّى يوسف وغير هويته عشان يحميه.
أبويا الحقيقي كمل
وأنا اختفيت لأنهم كانوا بيراقبوا كل خطوة بعملها. عشت سنين بعيد عنك عشان ما يوصلوش ليك.
بصيت له بغضب ممزوج بوجع
طب ليه ما رجعتش؟
نزل عينيه.
كنت خايف إن رجوعي يعرّضك للخطر.
سكت لحظة، ثم قلت
والنتيجة؟ مراتي اتضربت وهي حامل، وابني مات، وعيلتي كلها عاشت في كذبة.
محدش رد.
في اللحظة دي، الضابط تلقى اتصالًا.
سمعناه يقول
أيوه نفذوا إذن النيابة فورًا.
قفل الهاتف وبص لنا
الممول الرئيسي وأبو نورهان وثلاثة من إخواتها والدكتور وكل المتورطين اتحفظ عليهم، والتحقيقات بدأت رسميًا.
أما باقي إخوات نورهان، فتم ضبطهم تباعًا بعد ظهور تسجيلات المستشفى وشهادات العاملين.
كل حاجة اتوثقت.
الاعتداء على نورهان.
محاولة العبث بملفها الطبي.
الرشوة.
التلاعب بالمستندات.
ومحاولة تهريب يوسف.
رجعت المستشفى.
نورهان كانت لسه ضعيفة، لكن حالتها بدأت تستقر.
قعدت جنبها ومسكت إيدها.
قالت بصوت مبحوح
عرفت الحقيقة؟
هزيت راسي.
عرفت جزء كبير منها.
دموعها نزلت.
وابني؟
سكت.
مسحت دموعها وقلت
ابننا هيفضل ابننا، مهما حصل. ومحدش هيقدر يمسح وجوده من حياتنا.
حضنتني، وانفجرنا إحنا الاتنين في البكاء.
ماكانش فيه كلام يقدر يصلح اللي حصل.
لكن كان فيه حق لازم يرجع.
بعد شهور من التحقيقات والمحاكمات، بدأت الحقائق تظهر واحدة وراء التانية.
اتثبت إن أبو نورهان وإخواتها خططوا لإجبارها على الانفصال عني، وإن الاعتداء عليها كان بهدف إرهابها وإجبارها على التوقيع على مستندات تخص الوصاية والأموال.
أما الدكتور، فتمت محاسبته على التلاعب بالملف الطبي ومحاولة تغيير الإجراءات الخاصة بنورهان.
والأهم
اتكشف إن يوسف كان طفلًا من عائلة أبي، وتم إخفاؤه وتغيير هويته لحمايته من الصراع على أموال الشركة.
وبعد الإجراءات القانونية وإثبات النسب، حصل يوسف على حقه كاملًا، واتحط تحت رعاية آمنة بعيدًا عن كل الأشخاص اللي استغلوه.
أما أنا
فماعدتش مهتم أعرف مين الأقوى.
ولا مين عنده نفوذ أكبر.
ولا مين يقدر يخوف التاني.
لأني فهمت متأخر إن القوة الحقيقية مش في عدد التليفونات اللي ترن لما تبعت رسالة
القوة الحقيقية إنك تستخدم كل اللي عندك عشان تحمي المظلوم، وتسيب القانون ياخد مجراه.
وبعد فترة، خرجت نورهان من المستشفى.
رجعت البيت، لكن البيت كان مختلف.
غرفة الطفل اللي كنا مجهزينها فضلت مقفولة فترة طويلة.
وفي يوم، دخلت نورهان الغرفة، حطت إيدها على السرير الصغير، ودموعها نزلت.
وقفت جنبها.
قالت
هنقدر نبدأ من جديد؟
بصيت لها وقلت
مش هنبدأ من جديد إحنا هنكمل، بس من غير خوف.
ابتسمت وسط دموعها.
ومن اليوم ده، قررنا إن اللي حصل يفضل درس مش نهاية حياتنا.
يوسف بقى فرد من عيلتنا، ونورهان بدأت رحلة علاج طويلة عشان تتعافى من إصاباتها، وأنا قطعت كل صلة بكل شبكة الأسرار والنفوذ اللي ورثتها عن أبي.
أما أبويا الحقيقي، فاختار يعيش بعيدًا عن الأضواء، بعد ما أدلى بكل شهادته للجهات المختصة.
وقبل ما يمشي، قال لي
أنا خسرت سنين من عمرك ومهما عملت مش هقدر أرجعهم.
بصيت له وقلت
مش هقدر أنسى لكن ممكن أختار إني ما أعيش باقي عمري أسير للماضي.
ومشيت.
لأول مرة من سنين، من غير أسرار.
ومن غير تهديدات.
ومن غير ما أحتاج أثبت لأي حد أنا مين.
لأن حق نورهان رجع بالقانون، والحقيقة ظهرت، والناس اللي ظلموها اتحاسبوا وأنا وهي قررنا نعيش باقي عمرنا بعيد عن كل الصراعات اللي سرقت مننا أغلى حاجة.
أما ابننا
ففضل اسمه محفور في قلوبنا للأبد.