ست غنية حكايات زيزي

لمحة نيوز

قرّب الصورة من عينيه.
استني... الراجل ده أنا أعرفه!
مارتا قربت هي كمان، وبصت للصورة بتركيز.
أما إستيلا، فكانت قاعدة مكانها، بتحاول تعرف إيه اللي ممكن يكون في الصورة ويخلّي ماركوس يتفاجئ بالشكل ده.
ماركوس أشار للراجل وقال
ده ريكاردو فيريرا، المدير التنفيذي للشركة اللي بنتكلم عنها!
مارتا شهقت.
مستحيل! ريكاردو كان بيزور المؤسسة القديمة قبل ما يتعيّن في منصبه الحالي. بس أنا مكنتش أعرف إن لورديس كانت موجودة وقتها.
لورديس بصتلهم باستغراب.
إنتوا تعرفوا الراجل ده؟
ماركوس رد أيوه يا لورديس. ده الشخص اللي اسمه ظهر في المستندات اللي مارتا جابتها.
لورديس سكتت شوية، وبعدها فتحت الخطاب القديم.
وقالت أنا مش فاهمة كل التفاصيل اللي بتتكلموا عنها، لكن فاكرة كويس اليوم اللي اتصورت فيه الصورة دي. المبنى ده كان دار صغيرة لرعاية الأطفال اللي ملهمش أهل، وأنا كنت بشتغل هناك وبساعد في المطبخ وتنظيم التبرعات.
ماركوس بص لها بدهشة.
دار رعاية أطفال؟ أنا كنت فاكر إنك كنتِ بتشتغلي في مطبخ مدرسة وقتها!
ابتسمت لورديس وقالت كنت بشتغل في أكتر من مكان عشان أقدر أعيش. وفي الفترة دي، كنت بروح الدار بعد شغلي الأساسي، أساعدهم على قد ما أقدر.
وبعدين بصت لمارْكوس بحنان.
وإنت يا ابني، لما لقيتك جعان في الشارع، مكنتش أعرف إنك هتبقى صاحب مطعم كبير. أنا شفت طفل محتاج الأكل، فاديته أكل. الموضوع كان بسيط بالنسبة لي.
ماركوس مسك إيدها، وعينيه لمعت بالدموع.
بس بالنسبة لي، عمري ما كان بسيط. إنتِ كنتِ سبب إني أحس إن الدنيا لسه فيها خير.
لورديس نزلت عينيها للخطاب وقالت
الجواب ده وصلني من إدارة الدار بعد ما قفلوها بسنين. كان فيه كلام عن نقل سجلات التبرعات والأوراق القديمة لمؤسسة تانية. أنا احتفظت بيه عشان كنت خايفة إن حاجات مهمة تضيع.
مارتا طلبت منها، بكل احترام، إنها تسمحلها تقرأ الخطاب.
لورديس وافقت، فبدأت مارتا تقرأه بصوت مسموع.
الخطاب كان بيشرح إن بعض سجلات التبرعات القديمة لازم تتراجع، لأن فيه مبالغ اتسجلت في دفاتر الدار، لكن مفيش مستندات كافية توضح إزاي اتصرفت.
مارتا رفعت عينيها بسرعة.
ده ممكن يكون مهم جدًا! المؤسسة اللي اتكلمنا عنها اتأسست بعد الفترة دي بسنين، لكن لو فيه سجلات قديمة اتنقلت ليها، يبقى لازم نعرف إذا كانت فيه أي صلة بين الملفات.
ماركوس قال بحزم هنعمل ده بالطريقة القانونية. هنحتفظ بالخطاب، ونخلي محامي مستقل يراجع المستندات، من غير ما نتهم أي شخص قبل ما نتأكد.
إستيلا كانت بتسمع الكلام، ووشها بقى شاحب.
لكنها فجأة قامت من مكانها وقالت
أنا مش هفضل قاعدة هنا أسمع اتهامات مبطنة! أنا مش مسؤولة عن دار رعاية اتقفلت من عشرين سنة، ومش مسؤولة عن كل ورقة قديمة حد يطلعها من شنطته!
مارتا ردت بهدوء محدش اتهمك يا إستيلا. إحنا بنحاول نفهم اللي حصل.
إستيلا بصتلها بغضب إنتِ بالذات آخر واحدة تتكلم عن الحقيقة! إنتِ مشيتي من الشركة وسِبتي وراكي مشاكل كتير، ودلوقتي رجعتي عشان تنتقمي مني!
مارتا اتأثرت بالكلام، لكنها ما رفعتش صوتها.
أنا مش جاية أنتقم. أنا جاية أقدّم اللي عندي، والجهات المختصة هي اللي تقرر إذا كان فيه مخالفة ولا لأ.
ماركوس تدخل وقال كفاية. محدش هيضغط على حد، ومحدش هيسمح لنفسه يهدد شاهد أو يمنعه من تقديم مستنداته.
إستيلا سكتت، لكن نظراتها كانت بتقول إنها لسه مش مقتنعة.
وفي اللحظة دي، موبايل ماركوس رن.
كان المحامي اللي طلب منه مراجعة الملف.
ماركوس رد، وسمع كلامه باهتمام، وبعدها قال
تمام، ابعتلي نسخة من المستندات اللي وصلتكم، وخلي كل حاجة محفوظة زي ما هي. مش عايز أي ورقة تتعدل أو تضيع.
قفل المكالمة، وبص لمارتا.
المحامي أكد إن فيه نسخة من سجل قديم موجودة في أرشيف المؤسسة، وإنهم هيطلبوا حفظها وفحصها رسميًا.
مارتا أخدت نفس عميق.
لكن لورديس كانت لسه باصة للصورة القديمة.
وفجأة، لمست بإصبعها وش طفل صغير واقف في الصف الأول.
وقالت بصوت واطي
يا خبر... أنا كنت ناسية إن الصورة دي موجودة أصلًا.
ماركوس بص للصورة مرة تانية.
الطفل كان واقف جنب لورديس، لابس قميص قديم، ووشه باين عليه الخجل.
ماركوس قرب الصورة من عينيه، وبعدها بص للورديس بصدمة.
لورديس... هو الطفل ده... أنا؟
لورديس ابتسمت والدموع في عينيها.
أيوه يا ماركوس. دي أول صورة اتصورتلك في الدار، بعد ما بدأت أساعدك. إنت كنت وقتها رافض تقف مع باقي الأطفال، وكنت مستخبي ورايا.
ماركوس أخد الصورة بإيدين مرتعشتين.
كل الذكريات رجعت له مرة واحدة.
كان فاكر إنه عاش طفولته من غير أي صور، وإن مفيش حد احتفظ بأي ذكرى ليه من الأيام دي.
لكن لورديس كانت محتفظة بصورة من أصعب أيام حياته، وشايلة في قلبها ذكريات طفل كان محتاج حد يحسسه بالأمان.
وفجأة، قلب الصورة على ضهرها.
كان فيه تاريخ قديم، وتحته جملة مكتوبة بخط اليد
إلى ماركوس الصغير... يومًا ما هتعرف إن الخير اللي بتاخده النهارده، ممكن يكون سبب في إنك تساعد ناس كتير بكرة.
ماركوس ما قدرش يمنع دموعه.
بص للورديس وقال إنتِ احتفظتي بيا في ذاكرتك كل السنين دي؟
ردت إنت وكل طفل احتاج حد يقف جنبه. أنا مكنتش مستنية إنك ترجعلي حاجة. كنت بس بتمنى إنك تكبر وتعيش حياة أحسن.
ماركوس باحترام وامتنان، والموجودين في المطعم اتأثروا بالمشهد.
لكن وسط اللحظة المؤثرة دي، مارتا لاحظت حاجة غريبة في الخطاب القديم.
في آخر صفحة، كان فيه اسم شخص مذكور باعتباره المسؤول عن استلام سجلات التبرعات وقت نقلها من دار الرعاية.
مارتا قرأت الاسم، وبعدها رفعت عينيها ببطء ناحية ماركوس.
ماركوس... لازم تشوف الاسم ده.
ماركوس أخد الورقة.
وأول ما قرأ الاسم، اختفت الابتسامة من وشه.
لأن الاسم ما كانش اسم إستيلا، ولا اسم مارتا، ولا حتى اسم ريكاردو.
كان اسم والد ماركوس نفسه!
ماركوس فضل باصص للورقة، مش قادر يستوعب إزاي والده، اللي مات من سنين، ممكن يكون له علاقة بسجلات دار الرعاية القديمة.
لورديس لاحظت صدمته، فسألته مالك يا ابني؟ إنت تعرف الاسم ده؟
ماركوس رد بصوت متقطع ده اسم أبويا... بس أنا طول عمري كنت فاكر إنه مكنش يعرف أي حاجة عن الدار دي.
مارتا قالت وجود اسمه في الخطاب مش معناه إنه ارتكب أي مخالفة. ممكن يكون استلم الأوراق بصفته متبرع أو ممثل لجهة تانية. لازم نعرف الحقيقة قبل ما نستنتج أي حاجة.
ماركوس هز راسه، لكنه كان واضح إنه اتأثر.
لأنه لأول مرة، بدأ يشك إن فيه جزء من تاريخ عيلته ما كانش يعرف عنه أي حاجة.
وبينما هو بيحاول يستوعب المفاجأة، لورديس مدت إيدها للظرف مرة تانية، وطلعت منه ورقة أخيرة كانت مطوية جوه بطانة الظرف.
وقالت
استنوا... فيه جواب تاني. أنا عمري ما فتحته، لأن المكتوب عليه كان اسم والدك، وافتكرت إنه خطاب شخصي مش من حقي أقراه.
ماركوس رفع عينيه بسرعة.
الورقة كانت مختومة بختم قديم، وعلى واجهتها مكتوب بخط واضح
إلى السيد ألبوكيركي... بخصوص الطفل ماركوس والسبب الحقيقي وراء دخوله دار الرعاية.
ماركوس حس إن قلبه بيدق بعنف.
لأن الجواب ده ممكن يفسر جزءًا من ماضيه اللي عمره ما فهمه.
لكن هل والده كان بيحاول يحميه من سر كبير، ولا كان فيه سبب تاني خالص وراء دخوله دار الرعاية؟
ماركوس مد إيده ناحية الخطاب، وبدأ يفتح الختم ببطء...
يتبع...
الجزء السادس 
ماركوس فتح الخطاب اللي بقاله سنين مستخبي، لكن أول سطر قراه خلّاه يشك إن كل اللي كان يعرفه عن طفولته ناقص!
ماركوس كان ماسك الخطاب بإيد بتترعش.
طول عمره كان فاكر إن طفولته الصعبة مجرد حكاية قديمة، وإنه لما كبر ونجح وفتح مطعمه، قدر أخيرًا يقفل الصفحة دي من حياته.
لكن دلوقتي، قدامه جواب مكتوب من سنين طويلة، وعليه اسم أبوه، وبيتكلم عن السبب الحقيقي وراء دخوله دار الرعاية.
بص للورديس وقال
إنتِ متأكدة إن الجواب ده كان جوه الظرف من زمان؟
لورديس هزّت راسها.
أيوه يا ابني. الظرف وصلني بعد ما الدار اتقفلت، وأنا احتفظت بيه زي ما هو. مكنتش أعرف إن جواه حاجة تخصك.
ماركوس فتح الخطاب وبدأ يقرأ بصوت مسموع
السيد ألبوكيركي المحترم،
بالإشارة إلى الظروف الخاصة بالطفل ماركوس، نرجو من سيادتكم الحضور لمراجعة ملفه، والتأكد من استكمال المستندات الخاصة برعايته، حيث إن بعض الأوراق المقدمة عند تسجيله لا تتفق مع البيانات الموجودة في السجلات القديمة.
ماركوس وقف عن القراءة.
البيانات مش متفقة؟ يعني إيه؟
مارتا ردت بحذر
ممكن يكون فيه خطأ إداري، أو مستند ناقص. الخطاب لوحده مش كفاية عشان نعرف حصل إيه.
ماركوس كمّل قراءة باقي الصفحة، لكن مفيش تفاصيل إضافية. كان فيه توقيع مسؤول الدار وتاريخ قديم، وبعده رقم ملف مكتوب بخط صغير.
ماركوس بص للورديس وقال
أنا محتاج أعرف الحقيقة. أنا قضيت سنين طويلة مش فاهم ليه حياتي بدأت بالشكل ده.
لورديس مسحت دموعها وقالت
هساعدك على قد ما أقدر يا ابني، بس لازم تعرف إني مكنتش أعرف كل حاجة عن ظروفك. أنا كنت بشوفك طفل محتاج الحنان والأمان، وده كل اللي كان يهمني وقتها.
ماركوس هز راسه، 
وده أكتر من كفاية يا لورديس.
لكن إستيلا، اللي كانت واقفة بعيد، بدأت تحس إن الموضوع خرج تمامًا عن سيطرتها.
هي دخلت المطعم عشان تتغدى، وكانت متخيلة إن كل حاجة ممكن تتحل بمكالمة تليفون أو شوية كلام عن مكانتها الاجتماعية.
دلوقتي بقت قدامها مراجعة مالية، وشاهدة معاها مستندات، وخطاب قديم ممكن يفتح ملف من الماضي.
قررت إنها تمشي.
لمّت شنطتها، وخطت ناحية الباب، لكن صوت ماركوس وقفها.
مدام إستيلا، قبل ما تمشي، أحب أوضحلك إن مراجعة العقد هتتم بشكل مستقل، وإن أي مستندات تخص الموضوع لازم تتسلّم للجهات المختصة. محدش هنا هيصدر حكم على حد.
إستيلا ردت بعصبية
أنا سمعت الكلام ده. ومش محتاجة حد يفهمني حقوقي!
ماركوس ما ردش على نبرتها، لكنه قال
تمام. تواصلي مع محامي شركتك، وخلي أي رد رسمي ييجي من خلاله.
إستيلا خرجت من المطعم بسرعة، لكن أول ما ركبت عربيتها، انفجرت في البكاء من شدة التوتر.
مش لأنها ندمت بالضرورة على اللي عملته مع لورديس، لكن لأنها بدأت تخاف من العواقب اللي ممكن تواجهها لو اتضح إن فيه مخالفات فعلًا في ملفات الشركة.
وفي نفس الوقت، جوه المطعم، ماركوس كان بيتكلم مع المحامي في التليفون.
طلب منه يبدأ إجراءات مراجعة الخطاب القديم، والتواصل مع أرشيف دار الرعاية السابق، عشان يتأكدوا من أصل المستندات ومصدرها.
وبعد ما قفل، مارتا قالتله
فيه حاجة لازم أقولها لك. لما كنت بشتغل في الشركة، سمعت إن سجلات دار الرعاية اتنقلت لأرشيف خاص، وإن فيه ملفات ما اتراجعتش من سنين.
ماركوس سألها
تفتكري نقدر نوصل لها؟
مارتا ردت
لو الأرشيف لسه موجود، ممكن. بس لازم نعرف مين الجهة اللي استلمته، ونتأكد إننا بنتعامل مع نسخ أصلية.
لورديس كانت ساكتة، وفجأة قالت
أنا فاكرة حاجة!
ماركوس لف ناحيتها بسرعة.
إيه يا لورديس؟
قالت وهي بتحاول تفتكر
قبل ما الدار تتقفل بفترة، جه راجل وسأل عنك. كان معاه ورق كتير، وطلب يشوف ملفك. أنا وقتها كنت بشتغل في المطبخ، وسمعته بيتكلم مع المديرة عن عيلتك.
ماركوس اتنفس بعمق.
فاكرة شكله؟
لورديس هزت راسها بأسف.
مش قوي. كنت مشغولة بالأطفال، والسنين عدّت. بس فاكرة إنه ساب ظرف عند المديرة، وبعدها بكام يوم سمعت إن فيه حد من عيلتك سأل عليك.
ماركوس حس إن قلبه بيدق أسرع.
حد من عيلتي؟ مين؟
لورديس فكرت شوية، وبعدها قالت
مش قادرة أفتكر الاسم، لكن فاكرة إن المديرة قالت إنه شخص كان يعرف والدك.
مارتا بصت لماركوس وقالت
يبقى لازم نراجع السجلات قبل ما نربط الأحداث ببعض.
ماركوس وافق، لكنه كان واضح إنه مش هيقدر يرتاح قبل ما يعرف الحقيقة.
بعد يومين، وصل للمحامي رد من الجهة المسؤولة عن أرشيف دار الرعاية.
كان فيه سجل قديم متاح للفحص، لكن بعض صفحاته اتضررت بسبب التخزين، وكان لازم يتراجع بمعرفة مختص.
ماركوس قرر يروح بنفسه، وطلب من لورديس تيجي معاه لو كانت مستعدة.
وافقت، وراحت معاه في اليوم المحدد.
لما وصلوا للأرشيف، استقبلهم الموظف المسؤول، وبدأ

تم نسخ الرابط