في ليلة الكريسماس حكايات زيزي
— الشركة دي جزء من شغلي. كنت بستخدمها في معاملات خاصة، وماكنتش عايز أقلقك.
ضحكت بمرارة وقلت:
— معاملات خاصة؟ بفلوسي أنا؟ لمدة سنين؟!
رفع صوته:
— إنتِ كنتِ بتساعديني بمزاجك! ماحدش أجبرك!
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
لأني فعلًا كنت بساعده بمزاجي، وبكل الحب اللي في قلبي. لكني ماوافقتش في يوم إني أموّل حاجة ماعرفش حقيقتها.
قلتله وأنا بحاول أسيطر على دموعي:
— أنا ساعدتك عشان إنت ابني، مش عشان أكون بنك مفتوح بالنسبالك. واللي حصل ليلة امبارح مش هنساه بسهولة.
اتغيرت ملامحه فجأة، وكأنه افتكر سبب مجيئه الحقيقي.
قعد على طرف الكنبة وقال بصوت أهدى:
— اسمعيني يا ماما. أنا محتاج منك خدمة أخيرة. فيه ورق لازم تمضي عليه النهارده، وبعدها هشرحلك كل حاجة.
بصيتله بشك.
— ورق إيه؟
فتح شنطته وطلع ملف أزرق، وحطه على الترابيزة قدامي.
— مجرد مستندات لتسوية مالية. لو مضيتي عليها، هقدر أرتب كل التزاماتي، وبعدها هرجعلك كل فلوسك.
ما مدتش إيدي ناحية الملف.
افتكرت تحذير كلير: «مهما قالك، ما تمضيش على أي ورقة يطلبها منك».
سألته:
— وليه لازم أمضي النهارده بالذات؟
اتردد، وبعدها قال:
— لأن عندي موعد مع البنك، ولو الورق ده ماتقدمش، ممكن أخسر البيت.
في اللحظة دي، ربطت بين كلامه وبين التحويلات اللي وقفتها.
لكن قبل ما أقدر أرد، سمعت صوت تليفوني بيرن.
رسالة جديدة من كلير.
فتحتها من غير ما أخلي دانيال يشوف الشاشة.
كانت كاتبة:
«مارجريت، افتحي الملف الأزرق من آخر صفحة، واقري اسم صاحب التوقيع المطلوب. دانيال مش هيقولك الحقيقة أبدًا لو ماعرفش إنك اكتشفتي بنفسك».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
رفعت عيني لدانيال، لقيته بيراقبني باهتمام، وكأنه بيحاول يعرف مين اللي بيكلمني.
قلتله بهدوء:
— هحتاج وقت أقرا الورق ده كويس قبل ما أمضي أي حاجة.
اعترض فورًا:
— مافيش وقت يا ماما! لازم نخلص النهارده!
رديت بحزم:
— يبقى تستنى. دي فلوسي، ودي مسؤوليتي، ومش همضي على حاجة مش فاهمها.
قام من مكانه بعصبية، لكنه ساب الملف على الترابيزة، وقال وهو متجه ناحية الباب:
— إنتِ مش متخيلة إنتِ بتعملي إيه. لما تعرفي الحقيقة، يمكن تندمي إنك وقفتي جنبي بالطريقة دي.
خرج وقفَل الباب وراه بقوة.
استنيت لحد ما سمعت صوت عربيته وهي بتبعد، وبعدها رجعت للملف الأزرق.
فتحته من آخر صفحة زي ما كلير قالتلي.
كانت فيه خانة خاصة بتوقيع الضامن، وتحتها اسمي بالكامل!
لكن الصدمة الحقيقية ماكانتش في اسمي.
كانت في عنوان العقار المذكور في المستندات.
العنوان ماكانش عنوان بيت دانيال.
كان عنوان مبنى تجاري في مدينة تانية، وأنا عمري ما سمعت إنه اشترى أو استأجر أي عقار هناك.
وفي الصفحة اللي قبل الأخيرة، لقيت إشارة إلى مبلغ ضخم من المال، والتزام مالي باسمي، وتاريخ استحقاق بعد أيام قليلة.
لو مضيت على الورق ده، كنت ممكن أتحمل مسؤولية التزامات مالية ماكنتش أعرف عنها أي حاجة.
قفلت الملف فورًا، وحطيته في درج مكتبي.
وبعدين اتصلت بكلير.
ردت من أول رنة، وكأنها كانت مستنياني.
قلت لها:
— إنتِ كنتِ عارفة إنه هيطلب مني أمضي على الورق ده؟
تنهدت وقالت:
— أيوه، وكنت خايفة إنه يوصلك قبل ما تعرفي الحقيقة.
سألتها:
— طيب، إيه حكاية المبنى التجاري؟ وإيه علاقة الشركة بكل ده؟
سكتت فترة طويلة، وبعدها قالت:
— من حوالي سنة، دانيال دخل في مشروع جديد مع شخص كان بيثق فيه جدًا. في البداية، قال لي إن المشروع هيغيّر حياتنا، وإننا أخيرًا مش هنحتاج مساعدتك المادية. لكنه بعد فترة بدأ يطلب منك مبالغ أكبر، وكل مرة كان بيقول إن فيه أزمة مختلفة.
حسّيت بقبضة في صدري.
كملت كلير:
— ولما سألته عن الفلوس، قال لي إنها بتتسدد في مصاريف البيت والتزاماتنا. لكن من كام أسبوع، لقيت مستندات بالصدفة، واكتشفت إن فيه ديون والتزامات مرتبطة بالمشروع. ولما واجهته، طلب مني ما أقولكيش أي حاجة.
سألتها بصوت منخفض:
— وليه سكتي؟
ردت وهي بتعيط:
— خفت على أولادي يا مارجريت. خفت إن البيت يضيع، وخفت إن دانيال ياخد قرارات أسوأ لو واجهته. لكن لما عرفت إنه ناوي يطلب توقيعك على مستندات جديدة، ماقدرتش أسكت أكتر من كده.
كنت لسه بحاول أستوعب كلامها، لما قالت جملة خلتني أعتدل في قعدتي:
— فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. الشركة اللي فلوسك كانت بتتحول لحسابها... مش مجرد شركة استخدمها دانيال في مشروعه.
سألتها بسرعة:
— أمال إيه؟
قالت:
— اسم دانيال موجود في مستندات تأسيسها، لكن فيه اسم تاني موجود معاها، وده الاسم اللي شفته في ورقة كان مخبيها في مكتبه.
طلبت منها تقولي الاسم، لكنها رفضت.
— مش هقدر أقولك اسم من غير ما أتأكد من الورق اللي عندي. لكن أقدر أقابلك النهارده وأوريكي نسخة من المستندات.
اتفقنا نتقابل بعد الظهر في مكان عام.
قفلت المكالمة، وقعدت أبص من الشباك، وأنا بحاول أستوعب إن ابني اللي كنت فاكرة إني عارفة عنه كل حاجة، ممكن يكون مخبي عني سر بالحجم ده.
لكن قبل ميعاد المقابلة بنص ساعة، وصلني إيميل من عنوان مجهول.
كان عنوان الرسالة:
«قبل ما تتهمي ابنك، لازم تعرفي مين اللي كان بيستفيد فعلًا من تحويلاتك».
فتحت الإيميل، ولقيت مرفق واحد بس: صورة لمستند قديم عليه توقيع دانيال، وتوقيع شخص تاني.
كبّرت الصورة عشان أقدر أقرا الاسم التاني بوضوح.
وأول ما شوفته، حسّيت ببرودة تسري في جسمي.
لأن الاسم ماكانش غريب عليّا.
ده كان اسم شخص من أقرب الناس ليا، شخص كنت بثق فيه ثقة عمياء، وكنت فاكرة إنه عمره ما ممكن يشاركني في أي حاجة من غير ما يقولي.
لكن اللي خلاني أرتعب فعلًا، كان التاريخ المكتوب أسفل التوقيع.
المستند اتوقّع قبل ما أبدأ أساعد دانيال ماديًا بأربع سنين كاملة!
يعني إيه؟
وهل المساعدة اللي كنت ببعتها لابني طول السنين دي كانت جزء من خطة بدأت قبل ما أعرف عنها أي حاجة؟
مسكت تليفوني واتصلت بالشخص اللي اسمه ظهر في المستند.
أول ما رد، قلتله من غير مقدمات:
— أنا محتاجة أشوفك النهارده، وفي موضوع قديم لازم تفسّرهولي.
ساد الصمت على الطرف التاني.
وبعد ثواني، سمعت صوته بيقول جملة واحدة:
— مارجريت... مين اللي ورّاك الورق ده؟!
وفي اللحظة دي، فهمت إن الشخص ده ماكانش متفاجئ بوجود المستند... كان مرعوب إني عرفته!
فضلت ماسكة التليفون على ودني، مستنية منه يفسّرلي اللي بيحصل، لكنه بدل ما يجاوبني، كرر سؤاله بصوت متوتر:
— مارجريت، جاوبيني! مين اللي ورّاك المستند ده؟
قلتله بحدة:
— أنا اللي بسألك يا روبرت! إيه علاقتك بالشركة اللي فلوسي كانت بتتحول لحسابها؟ وليه اسمك موجود في مستند اتوقّع من سنين، قبل ما أبدأ أساعد دانيال؟
روبرت كان صديق عيلة قديم، وواحد من أقرب الناس لزوجي الراحل. بعد وفاة جوزي، فضِل واقف جنبي في مواقف كتير، وكان دايمًا بيقولّي إنه شايف دانيال زي ابنه.
عشان كده، لما سمعت صوته وهو بيقول:
— الموضوع أعقد مما تتخيلي، ومش هينفع نتكلم في التليفون.
حسيت إن كل حاجة كنت واثقة فيها بتنهار قدامي.
اتفقنا نتقابل في نفس اليوم، الساعة تلاتة العصر، في كافيه هادي بعيد عن بيتنا.
قبل ما أقفل، سألته سؤال أخير:
— روبرت، هل دانيال كان عارف إن اسمك موجود في المستند ده؟
اتأخر في الرد، وبعدها قال:
— أيوه، لكنه ماكانش يعرف كل حاجة.
وقفل الخط.
فضلت الجملة دي ترن في ودني.
ماكانش يعرف كل حاجة.
يعني فيه أسرار تانية لسه مستخبية؟
الساعة اتنين ونص، لبست معطفي، وحطيت نسخة المستند في شنطتي، وخرجت من البيت.
لكن قبل ما أوصل للكافيه، تليفوني رن.
كان دانيال.
المرة دي رديت.
قال بصوت هادي بشكل غريب:
— ماما، أنا آسف على اللي حصل الصبح. كنت متوتر، وماكانش ينفع أتكلم معاكي بالطريقة دي.
ما رديتش فورًا.
كمل كلامه:
— عارف إنك زعلانة مني بسبب ليلة الكريسماس، وعارف إني غلطت لما قفلت الباب في وشك. بس إنتِ أمي، وأنا مش عايز أخسرك.
للحظة، قلبي ضعف.
مهما حصل، ده ابني اللي ربيته، واللي سهرت جنبه لما كان مريض، واللي فرحت بأول يوم مدرسة ليه، واللي كنت بتمنى أشوفه دايمًا ناجح ومستقر.
لكن بعدين افتكرت وقفته قدامي وهو بيطلب مني أمضي على أوراق مش فاهمة محتواها.
فسألته:
— لو فعلًا مش عايز تخسرني، ليه طلبت مني أمضي على مستندات ممكن تحملني مسؤولية ديون أنا ماعرفش عنها حاجة؟
سكت.
وبعدين قال:
— مين قالك إن المستندات دي فيها ديون؟
قلبي انقبض.
أنا ماكنتش قلتله إن كلير حذرتني، ولا إني قرأت التفاصيل اللي في الملف.
قلتله:
— أنا قريت الورق يا دانيال.
رد بسرعة:
— طيب، اسمعيني. ماتروحيش تقابلي روبرت النهارده.
وقفت مكاني فجأة.
— إنت عرفت منين إني هقابله؟
ما ردش.
كررت السؤال:
— دانيال، إنت عرفت منين إني هقابل روبرت؟
قال بصوت منخفض:
— لأنه مش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنه هو يا ماما.
وبعدها قفل المكالمة.
وصلت الكافيه قبل ميعاد المقابلة بعشر دقايق.
اخترت ترابيزة جنب الشباك، وطلبت قهوة، لكن ما قدرتش أشرب منها رشفة واحدة.
فضلت أبص للباب كل شوية، لحد ما روبرت دخل أخيرًا.
كان شايل حقيبة جلدية قديمة، وملامحه مرهقة، كأنه ما نامش من أيام.
قعد قدامي، وحط الحقيبة على الترابيزة، لكنه ما فتحهاش.
قال:
— مارجريت، قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن فيه حاجات عملتها زمان كنت فاكر إني بحمي بيها العيلة.
سألته: