المرأة الإيطالية وسر الشقة المهجورة .. حصريآ علي موقع لمحة... بقلم الهواري
وللمرة الأولى…
كان الصوت قادمًا من داخلها.
لم تكن لوتشيا متأكدة متى توقّف الليل عن كونه ليلًا.
الساعة على الحائط كانت تشير إلى 3:00 فجرًا بالضبط…
ومنذ ذلك الحين لم تتحرّك ثانية واحدة.
لم يكن هناك صوت.
لا خطوات.
لا همسات.
لا شيء.
وهذا…
كان أسوأ.
جلست على حافة السرير في شقتها الجديدة، في مدينة لم تزُرها من قبل، في مبنى حديث، نظيف، بلا تاريخ. لا طابق علوي مأهول، لا جيران مسنين، لا شقق مختومة بالشمع.
ومع ذلك…
كانت تشعر به.
ليس فوقها.
ليس خلفها.
بل… داخلها.
في البداية، ظنّت أن الأمر مجرد صدمة نفسية. الطبيب قال ذلك. الشرطي قال ذلك. ابنتها ترجّتها أن تصدّق ذلك.
لكن الأطباء لا يفسّرون لماذا تشعر أحيانًا بأن قدمها اليسرى تتحرّك من تلقاء نفسها…
ولا يفسّرون لماذا تستيقظ أحيانًا وهي واقفة في منتصف الغرفة، تتنفّس بصعوبة، وكأنها كانت تمشي منذ ساعات.
في الليلة الثالثة، حدث ما لم تكن مستعدة له.
استيقظت على إحساس غريب…
كأن شخصًا ما يقيس جسدها من الداخل.
ليس ألمًا.
بل فحصًا.
حاولت أن تصرخ، لكن فمها لم يتحرّك.
حاولت أن ترفع يدها، لكن أصابعها ارتعشت فقط.
ثم…
سمعت الخطوات.
لكن هذه المرة…
لم تكن تُسمَع.
كانت تُـشعَر.
اهتزاز خفيف في عظامها.
إيقاع بطيء… مألوف.
كعب…
ثم سكون…
ثم مشط القدم…
نفس طريقة ماركو.
انفجرت بالبكاء دون صوت.
وفي داخل رأسها، جاء الهمس.
أوضح من أي وقت مضى.
— "البيوت لا تختار… نحن نختار."
تدفقت الصور في عقلها كالسيل.
ليست ذكرياتها.
ذكريات غيرها.
امرأة قديمة، تنام في شقة باردة، تسمع الخطوات لأول مرة.
رجل يصرخ في الظلام، يتوسل، قلبه يتوقف.
طفل يختبئ تحت السرير، يراقب ظلًا بلا جسد.
ثم…
ماركو.
رأته كما لم تره من قبل.
واقفًا.
مفتوح العينين.
ينظر إلى السقف.
وهو يهمس:
— "دخل… ولم يخرج."
فهمت.
الشيء لم يكن يسكن الشقق.
كان يسكن الفراغات.
المساحات المنسية.
بين طابق وطابق.
بين حلم ويقظة.
بين شخص وآخر.
وكان يحتاج…
وعاءً.
في اليوم التالي، عادت لوتشيا إلى المبنى القديم.
كان مغلقًا، محاطًا بشريط أصفر، لكن أحدًا لم يمنعها.
كأن المكان ينتظرها.
صعدت السلالم ببطء.
كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها.
دخلت شقتها القديمة.
الغبار ما زال هناك.
لكن آثار الأقدام… لم تعد متجهة نحو غرفة النوم.
كانت…
خارجة.
صعدت إلى الشقة العلوية.
إلى شقة ماركو.
فتحت السقف.
نظرت إلى الفراغ.
لم يكن مظلمًا.
كان… عميقًا.
شعرت بالشيء يتحرّك داخلها.
لم يعارض.
لم يمنعها.
بل…
ترك لها التحكم.
لأول مرة.
همست، بصوت لم تعرفه:
— "أنا
وجّهت الإحساس…
الخطوات…
الخوف…
دفعتهم جميعًا إلى الفراغ.
اهتز المبنى.
انطفأت الأنوار.
وساد صمت مطلق.
سقطت لوتشيا أرضًا.
عندما استيقظت، كانت في المستشفى.
المبنى القديم… هُدم بعد أسبوع.
قالوا إن السبب "خلل إنشائي".
لوتشيا تعيش الآن بهدوء.
تنام جيدًا.
تمشي كثيرًا.
لكن أحيانًا…
عندما تمر بجانب مبنى قديم…
تشعر بشيء ما ينصت.
ليس لها.
لشخص آخر.
وفي الثالثة فجرًا،
في مدينة أخرى،
امرأة أخرى توقفت فجأة…
ونظرت إلى السقف.
وسمعت…
خَط… خَط… خَط…
لم تعد لوتشيا تعدّ الأيام.
الوقت عاد يسير بشكل طبيعي، لكن إحساسها به لم يعد كما كان. الساعة لم تعد عدوًا، والرقم 3:00 لم يعد يوقظ الرعب فورًا… على الأقل ليس دائمًا.
قال الأطباء إن ما حدث كان “تفريغًا عصبيًا حادًا”.
قالت ابنتها إن الأمكنة القديمة تترك ندوبًا.
وقالت لوتشيا لنفسها إنها نجت.
لكن الحقيقة…
أن الناجين لا يسمعون شيئًا.
وهي…
كانت تسمع.
ليس خطوات.
ليس همسات.
بل فراغًا.
فراغًا ينتظر.
مرت شهور.
انتقلت لمدينة ثالثة، ثم رابعة. اختارت دائمًا طوابق أرضية. مبانٍ حديثة. جدران سميكة. لا سلالم خشبية، لا أسقف منخفضة.
ومع ذلك، في كل مكان، كان هناك دائمًا نفس الإحساس:
كأن الهواء فوقها أوسع مما ينبغي.
كأن
في إحدى الليالي، استيقظت قبل الفجر بدقائق.
ليس بسبب كابوس.
بل بسبب يقين.
جلست على السرير، وأغمضت عينيها.
ولأول مرة…
هي التي استمعت.
لم يكن الصوت خارجيًا.
ولا داخليًا.
كان بين الاثنين.
وفهمت.
الشيء لم يُدمَّر.
ولم يُطرد.
ولم يُحبس.
لقد تعلّم.
تعلّم أن البيوت تُهدم.
والناس يرحلون.
لكن العادة… تبقى.
الخطوات لم تكن وسيلة ترويع.
كانت لغة.
إيقاعًا يُعلِم الفراغ أن هناك من يصلح ليُسكَن.
ماركو لم يكن ضحية صدفة.
ولا المرأة الأولى.
ولا الطفل.
كلهم كانوا…
مناسبين.
وفي تلك اللحظة، شعرت لوتشيا بشيء يتحرّك بهدوء شديد في أعماقها. ليس سيطرة، ولا ألم. بل نقل.
كأن حملاً ثقيلاً يُسلَّم من يد إلى يد.
سمعت صوتًا أخيرًا، ليس همسًا، بل تقريرًا باردًا:
— "انتهى دورك."
شهقت.
وانقطع الإحساس.
في الصباح، شعرت بخفة لم تعرفها منذ سنوات. لا صداع. لا توتر. لا فراغ فوق رأسها. خرجت للمشي، تنفّست بعمق، وابتسمت لأول مرة بلا خوف.
كانت حرة.
وفي نفس اليوم…
في مدينة أخرى، في مبنى آخر، في طابق ثالث فوق امرأة تعيش وحدها…
توقفت الساعة عند 2:57 فجرًا.
وسُمِع أول صوت.
دوم…
ثم بعده بلحظة:
دوم…
خطوات بطيئة.
ثقيلة.
منتظمة.
وكأن شيئًا ما عاد لتوّه إلى
لكن هذه المرة…
لم يكن يبحث عن بيت.
كان يبحث عن شخص
لا يصرخ فورًا.
لا يهرب سريعًا.
شخص يُصغي.
لأن الفراغ،
حين يتعلّم…
لا ينسى.
انتهت الحكاية.
الهواري....
خاص بناشري موقع أيام فقط