لكن صوتها اختنق في حلقها فمسكتها بقوة وأخذت أهدئها بينما كل جزء من جسدي كان متوترا ومشدودا كوتر الوتر كنت أسمع في الخلفية أصواتا خافتة غير مفهومة همسات متقطعة أو خطوات صغيرة تتبعنا في الممرات لكن لم يكن هناك أحد لأرى جسده أو شكله حاولت أن أرفع صوتي وأتحدث لها بصوت هادئ كل شيء سيكون بخير سنخرج من هنا لكنها كانت ترتجف وتختنق بالدموع عيونها تتسع من الخوف وفمها يرتجف بينما كانت تحاول تفسير ما رأته في العلية شعرت برعشة تسري في كامل جسدي وكأن كل خلاياي تدرك أن المنزل ليس عاديا لم تعد الأبواب صلبة بل بدت لي مرنة وكأنها تتحرك قليلا كلما اقتربنا منها وكل ظل على الجدران كان يبدو أكبر من حجمه الطبيعي ويمتد بشكل غريب على الأرض أخرجت هاتفي وحاولت إضاءة الطريق لكن الضوء بدا ضعيفا أمام الظلال الثقيلة التي كانت تتحرك في كل زاوية شعرت أن شيئا ما يراقبنا من الأعلى أو ربما من داخل الحائط نفسه وكل خطوة كانت تتطلب جرأة شديدة وكنت أحاول أن أسمع أي صوت يدل على شيء طبيعي لكن كل ما كان يصل إلى أذني كان همسا مكتوما كأنه يحاول جذبنا إلى الداخل مرة أخرى ارتجف قلبي بشدة عندما سمعنا صوت خطوات سريعة
تعلو الممر وكأن شخصا يركض خلفنا بسرعة لكن عندما التفتنا لم نجد أحدا فقط الظلال تراقبنا من النوافذ والرفوف حاولت أن أهدئ نفسي وقلت لها نحن قريبون من الخروج فقط استمري بالركض لكن خطواتنا لم تعد هادئة بل أصبحت سريعة وكل صرير خشبي تحت أقدامنا كان كصفعة على أعصابنا عندما وصلنا إلى الباب الأمامي شعرت أنه مغلق بقوة وكأن قوة خفية لا تريد لنا الهروب حاولت فتحه لكنه لم يرد على الدفع أكثر من مرة ثم فجأة فتح الباب بمفرده بهدوء غريب وكأن المنزل نفسه يسمح لنا بالهروب بعد أن اختبر صبرنا شعرت بسلسلة من النسيم البارد تجتاح جسدي وأنا أخرج ابنتي خارج المنزل إلى الهواء الطلق الليل كان صامتا بشكل غريب القمر خافت والإضاءة من المصابيح البعيدة تلقي بظلال طويلة على الأشجار والشارع لم نعد نتحدث فقط كنا نركض بعيدا عن المنزل دون أن ننظر خلفنا حتى وصلنا إلى السيارة جلست ابنتي على المقعد الأمامي عيناها مازالت ممتلئة بالدموع وأنا أحاول أن أتنفس بهدوء لكن قلبي لم يهدأ بعد شعرت أنه مهما ابتعدنا عن المنزل فإن الظلال أو الروح التي اختبأت فيه لا تزال تلاحقنا في عقولنا وفي أحلامنا بعد أيام حاولنا العودة
فقط للتأكد من أن المنزل هادئ لكن كل شيء بدا طبيعيا بشكل مخادع الأرضيات لم تصدر أي صوت الأبواب لم تتحرك ولكن لم نستطع الدخول لم نستطع الوقوف بالقرب من العلية كانت هناك شعور غريب يختلط بالخوف والدهشة يجعلنا نرتجف بمجرد النظر إلى السقف أو الزوايا شعور بأن شيء لم ينته وأن المنزل لا يزال يختزن الأسرار في كل زاوية كل ليلة قبل النوم كنا نتذكر الليلة التي خرجنا فيها من العلية تفاصيل الظلال الأصوات الرياح المفاجئة الصرير وكيف أن قلب ابنتي الصغير كان يعرف قبلنا أن هناك خطرا قريبا ولم نكن نحن قادرين على رؤيته أدركت أن ذكاء الأطفال حدسهم قدرتهم على ملاحظة الأشياء التي نحن نتجاهلها ربما هو ما أنقذنا من ليلة الرعب تلك ومع ذلك لم أستطع نسيان ما رأته ابنتي ولم أستطع نسيان الشعور بأن المنزل نفسه بظلاله وأصواته كان حيا بطريقة غير طبيعية وأنه شاهد على أحداث لم نكن نعلمها بعد وأن كل خطوة في الظلام يمكن أن تكشف ما هو أبعد من قدراتنا على الفهم.
منذ اللحظة التي غادرنا فيها المنزل ظلت صورة العلية تطاردني في كل مكان كل زاوية مظلمة في بيتنا الجديد كانت تذكرني بالظلال التي رأتها ابنتي وكيف أن الهواء
بدا وكأنه يتنفس معنا لم أستطع النوم لأسابيع كل أصوات الليل كانت تتضخم في أذني صوت الرياح بين الأشجار يصبح صراخا مكتوما صرير البلاط تحت أقدامنا في الممرات البعيدة يصبح خطوات قريبة وكأن شيئا يتحرك خلفنا وفي كل مرة أغلق فيها عيني أرى الظلال تتحرك على الجدران تتجمع في الزوايا تتلوى ككائن حي يراقبنا أحيانا أستيقظ لأجد ابنتي جالسة على سريرها عيناها واسعة والخوف يظهر فيها تقول بصوت خافت أمي شعرت أنه يراقبنا الليلة وكأنها لم تنس اللحظة أبدا كنت أحاول شرح لها أن كل شيء أصبح آمنا لكن حدسها لم يغب لحظة واحدة وحدسها كان صحيحا شيء ما لم ينته شيء ما بقي في المنزل القديم يتنفس يراقب ينتظر الوقت المناسب للعودة بدأت أبحث عن تاريخ المنزل عن أي شيء يمكن أن يفسر الظلال والأصوات اكتشفت أن هذا المنزل كان مملوكا لعائلة قديمة قبلنا عائلة اختفت فجأة قبل أكثر من خمسين عاما الجيران يتحدثون عن ضحكات وأصوات في الليل عن أضواء تتحرك في العلية ولا أحد يجرؤ على الاقتراب وبالفعل العلية التي رأت فيها ابنتي الظل لم تكن مجرد عشوائية بل كانت مركزا لأحداث غريبة وغامضة دارت فيها قصص لا أحد يريد تذكرها بدأت