امي وهي في سكرات الموت
أمي كانت ست بسيطة قوي، ست شقية طول عمرها، عاشت عمرها كله على نصبة شاي صغيرة في مصر القديمة، تحت بيتنا على أول الشارع، تصحى قبل الفجر، تولع البوتاجاز الصغير، تحط البراد، وتفضل تضحك للناس وهي بتصب الشاي كأنها بتصب طبطبة مش مشروب، عمرها ما ردت حد، ولا كسرت بخاطر إنسان، الغلبان عندها كان ملك، والجعان كانت تشبع قبل عيالها، وأنا كبرت وأنا شايفة ده بعيني ومفتكراه عادي لحد ما كبرت وفهمت إن اللي كانت بتعمله ده مش عادي ولا سهل
لما تعبت، تعبها جه فجأة، جسمها ضعف مرة واحدة، ودخلت في دوامة مستشفيات وأدوية، ولما رجعناها البيت قالوا خلاص مفيش في الإيد حاجة غير الدعاء، يومها اتلمّيت الستات، قرايب وجيران ومعارف، وكل واحدة داخلة بقلب تقيل وخوف مكتوم، وأنا واقفة جنب السرير ماسكة إيدها اللي كانت ساقعة وبتترعش، رعشة مش رعشة مرض، رعشة خوف، رعشة واحدة حاسة إنها بتغرق، دموعها نازلة من غير صوت، وعينيها مفتوحة
الستات بدأوا يهمسوا، دي حالتها صعبة، دي شكلها سوء خاتمة، استغفروا، قولوا الشهادة، وأنا سامعاهم ومخي بيصرخ، سوء خاتمة إيه؟ أمي؟ أمي اللي عمرها ما أذت نملة؟ أمي اللي كانت بتخاف تزعل حد؟ كنت حاسة إن في حاجة غلط، إن المشهد ناقص حاجة، إن في مفتاح مش لاقيينه
الوقت كان تقيل، الساعة بتمر كأنها يوم، وهي على نفس الحال، ترعش، تعيط، تبص في السقف، وفجأة من غير أي مقدمات، سمعنا خبط على باب البيت، مش خبط عادي، خبط عنيف، مفزع، يخوف، كأن حد بيضرب الباب برجليه، قلوبنا وقفت، وبعدها زعيق، ناس بتزعق، غور من هنا يا مجنون، امشي، سيبنا في حالنا، خناقة برا، صوت رجالة وناس بتجري
في اللحظة دي أمي انتفضت، جسمها كله اتحرك، إيديها ورجليها بترفص، صوتها طلع مبحوح، كأنها بتستنجد، واحدة من الستات صرخت وقالت
دخل معاذ
معاذ العبيط، زي ما الناس كانت بتقول، الشاب الغلبان اللي كل شوارع مصر القديمة عارفاه، اللي عمره ما أذى حد، ولا شتم، ولا زعق، ولا حتى دافع عن نفسه، كان دايمًا ساكت، مبتسم، بياكل على الله، كل يوم الصبح ييجي يقعد عند نصبة الشاي، أمي تديه سندوتش وكوباية شاي، من غير ما يطلب، من غير ما يستنى شكر، وناس كتير كانت تقولها بلاش، ده خسارة، ده مش طبيعي، وهي كانت ترد دايمًا نفس الرد، سيبوهولي، ده حبيب قلبي
كان لو زعل، لو الدنيا قست عليه، ييجي يقعد جنبها، يحط راسه في حجرها، ويعيط زي طفل، وهي تطبطب عليه وتضحكه وتقول له ربنا معاك يا ضنايا
دخل علينا بهدومه المتوسخة، وشعره المنكوش، ووشه اللي باين فيه تعب الدنيا كله، وقف قدام السرير، بص لأمي بصة طويلة، وأمي بصتله نظرة عمري ما أنساها، نظرة فيها شوق وراحة وانتظار
وفجأة، أمي سكتت
العياط وقف، الرعشة هديت،
معاذ قرب خطوة خطوة، مش خايف، مش متلخبط، كأنه عارف هو جاي ليه، مد إيده ومسَك إيد أمي، وأنا واقفة متجمدة، قلبي بيدق في وداني، وفجأة سمعت صوته
مش صوته اللي نعرفه
صوت هادي، ثابت، تقيل، مليان وقار، كأنه صوت واحد تاني خالص
قال جملة واحدة
قال: متخافيش يا أمي… ربنا باعتني أطمنك… الخير اللي عملتيه فيَّ وفي غيري واقفلك دلوقتي قدامك… وإنتي مش لوحدك
الجملة وقعت علينا زي الصاعقة
أمي ابتسمت
ابتسامة هادية، مطمئنة، دموعها وقفت، عينيها لمعت، نفسها بقى منتظم، كأن حد شال حمل سنين من على صدرها
بس معاذ ما وقفش
كمّل وقال، وأنا سامعة وصوت قلبي بيترجف: فاكرة لما كنتي بتقوليلي إن ربنا ما بينساش حد؟ فاكرة لما كنتي تدي وأنا عمري ما طلبت؟ أنا مش جي لوحدي… كل لقمة أكلتيها لحد جعان… كل كسرة خاطر جبريتيها…