امي وهي في سكرات الموت
الستات بدأت تعيط، ناس وقعت على الكراسي، وأنا حسيت إن جسمي كله بيقشعر
وبعدين قال الجملة اللي كسرتنا كلنا: الناس فاكرة إن الرحمة بتبان في آخر ثانية… بس الرحمة شغالة من أول ثانية في العمر… وإنتي كنتي عايشة في الرحمة طول عمرك
أمي مسكت إيده وضغطت عليها، وبصتلي، أول مرة تبصلي بنظرة وداع هادية من غير خوف، شفايفها اتحركت وقالت الشهادة، ونَفَسها طلع آخر مرة، وهي مبتسمة
في اللحظة دي معاذ سحب إيده بهدوء، بص حواليه، ووشه رجع زي ما كان، بسيط، بريء، وقال بصوت واطي: خلاص… ومشي
من يومها وأنا عرفت إن سوء الخاتمة مش في الشكل ولا في الرعشة ولا في الدموع، وإن ربنا بيبعت رحمته بأشكال إحنا عمرنا ما نتخيلها، وإن أمي ما كانتش بتطعم مجنون ولا غلبان، كانت بتطعم طريقها للجنة، حتة حتة، من غير ما تعرف، وربنا ما نسيش.
بعد ما معاذ خرج، البيت فضل ساكت سكات يخوّف أكتر من الزعيق، سكات تقيل كأن الحيطان نفسها مش قادرة تستوعب اللي حصل، الستات كانوا بيبصوا
واحدة من الستات قالت بصوت مرتعش ده كان إيه اللي حصل ده، والتانية ردت وهي بترتجف والله إحنا شفنا حاجة مش طبيعية، واحدة تالتة قالت ده ولي من أولياء الله، وواحدة رابعة قالت لا ده ملاك، وكل واحدة بتحاول تفسر اللي شافته على قد عقلها وخوفها، وأنا ساعتها افتكرت كل مرة شفت فيها معاذ قاعد على الرصيف قدام نصبة الشاي، الناس بتعدي من جنبه كأنه مش موجود، أطفال يضحكوا عليه،
بعد الدفنة بأيام، الشارع كله اتكلم، حكاية معاذ بقت على كل لسان، ناس تقول إنه اختفى، ناس تقول إنه اتجنن أكتر، بس الحقيقة إن معاذ من يومها ما ظهرش تاني، لا عند النصبة ولا في الشارع ولا في أي حتة في مصر القديمة، كأنه تبخر، سألت عليه ناس كتير، محدش شافه، ومحدش عرف يوصل له، وكأن مهمته خلصت
الغريب بقى إن بعد موت أمي، حاجات كتير اتغيرت في حياتي من غير ما أسعى، رزق جه من حتت ما كنتش متخيلاها، ناس كنت فاكرة إنهم نسيوها جم يسألوا عليا ويفتكروا خيرها، واحدة تحكيلي إنها كانت بتدعي لأمي كل ليلة عشان زمان أكلتها من غير مقابل، واحد يقول إنها وقفت جنبه في يوم أسود في حياته، وأنا كل ما أسمع حكاية أحس إن أمي لسه عايشة، بس بأثرها
وفي ليلة من الليالي، بعد الأربعين، كنت قاعدة لوحدي في نفس الأوضة،
أمي كانت واقفة، لابسة أبيض، وشها منور، ومعاذ واقف جنبها، بس مش بهيئته القديمة، كان لابس نضيف، واقف مستقيم، عينيه ثابتة، مبتسم، قالتلي بصوتها اللي وحشني ما تحكميش على حد من شكله، ربنا بيخبي أعظم جنوده في أضعف الصور، وقالتلي خلي بالك، اللي بيبان ضعف قدام الناس، بيبقى قوة في ميزان السما
صحيت وأنا قلبي هادي، لأول مرة من يوم موتها، فهمت إن اللي حصل ما كانش رعب، كان درس، درس في إن الرحمة ما بتيجيش دايمًا في صورة شيخ ولا دعاء عالي، ساعات بتيجي في صورة شاب الناس بتسميه عبيط، بس قلبه شايل مفاتيح، ومن يومها وأنا كل ما أشوف حد مكسور أو مهمَّش، أفتكر أمي، وأفتكر معاذ، وأفتكر إن في لحظة ما، في آخر الطريق، ممكن يكون هو ده اللي واقف يطمني وأنا داخلة على