سماح و محمود

لمحة نيوز

سماح ابتدت حياتها مع محمود وكأنها صفحة جديدة، بيت صغير، أيام روتينية عادية، صباح ومساء، شغل، أكلة، كلام بسيط، ضحك قليل هنا وهناك، وكل حاجة كانت طبيعية للوهلة الأولى، بس الكذب اللي جواها كان بيكبر كل يوم، كان سر ثقيل على قلبها، كل مرة محمود يبص فيها كان قلبها يدق أسرع، كل مرة يسمع فيه كلمة عن الصحة أو الفيروسات كان يتجمد دمها، وكل مرة أخو محمود يزورهم ويحكي عن الحياة أو عن الناس كان يحسها على وشها بتحاول تخفي حاجة.
مع مرور الأيام، بدأت علامات التعب تظهر على محمود، حرارة بسيطة، تعب بدون سبب، شحوب، بس هو كان واثق إنها حاجة بسيطة، نزلة برد أو إرهاق الشغل، ومحدش حواليه كان يعرف الحقيقة غير سماح اللي كل يوم كانت بتحاول تسيطر على الموقف بالكذب، بالابتسامة، بالتصرف الطبيعي، كانت بتحاول تقنع نفسها قبل أي حد إن كل حاجة تمام.
لكن أهل محمود بدأوا يحسوا إن في حاجة غلط، ومفيش حاجة بتمشي عادي، والأخو كان مستمر في الشك، لدرجة إنه بدأ يضغط على محمود: “اعمل تحليل، تأكد لنفسك، احنا بنحبك وعايزين مصلحتك”، ومحمود حاول يتجاهل، لكنه حس بالقلق، وفي يوم من الأيام قرر ياخد خطوة، وراح عند سماح بكل هدوء وقال لها: “أنا عايز نعمل تحليل، بس عايزك تبقي صريحة

معايا، أنا مستعد أقف جنبك مهما حصل”.
سماح قدام الكلام ده حسّت إن الوضع بدأ يخرج عن السيطرة، حسّت بالخوف الحقيقي، بالضغط اللي مش قادره تتحمله، عرفت إن السر مش حيبقى مخفي للأبد، وإن أي لحظة ممكن كل حاجة تنكشف. لكنها، بدل مواجهة الحقيقة، قررت تلعب لعبة تانية، لعبة الرشوة والخداع، دفعت لأخو محمود 100 جنيه علشان يرجع يقول لمحمود: “التحليل سليم، مفيش حاجة”، وده كان أخطر قرار في حياتها، لأن ده كان بيعني إن حياة محمود على المحك، إن المرض بيقرب منه يوم بعد يوم بدون علمه.
ومحمود بدأ فعلاً يحس بتعب أكبر، حرارة مستمرة، قيء، ضعف وهزال، وكل يوم بيزيد، وكل يوم بيستغرب ليه مفيش تحسن، كان فاكر إنها مجرد نزلة برد أو إرهاق طبيعي، لكن اللي حوله ساكتين، محدش حابب يبوح له بالحقيقة، حتى أمه كانت عارفة، ومع ذلك كانت ساكتة، ساعدت سماح في الخداع، وكل يوم كان بيتحول لمأساة صغيرة بتتجمع لليوم الكبير اللي حيكشف كل حاجة.
وفي لحظة ما، واحد من أصحاب محمود قرر يقول له الحقيقة بصراحة: “سماح عندها إيـ.ـدز، وكل اللي حصل كان مخبي عنك”، محمود حس إن الدنيا اتقلبت حواليه، قلبه اتلخبط، مش قادر يستوعب، مش قادر يصدق، لكنه في نفس الوقت حس بالغضب والحزن كلها مع بعض، وراح
لمواجهة سماح، وقفت قدامه، بقت مش قادرة تكذب، عيونها على الأرض وقالت بصوت واهن: “أيوه… عندي”.
محمود حس بصدمة أكبر، وحس بالمسؤولية، حبها كان كبير، كان مستعد يموت عشانها لو احتاجت، بس مكنش مستعد يكون سبب موت لنفسه، قال لها: “أنا كنت هقف جنبك مهما حصل، بس مكنتش عايزك تكوني سبب موتي”، وسماح ردّت بردة فيها برود وغموض: “اللي حصل نصيبك”.
هنا القارئ بيقف عند نقطة حرجة جدًا، هل محمود هيقدر يتحكم في غضبه؟ هل هيتصرف بحكمة ويواجه الحقيقة؟ هل علاقته بسماح هتنتهي ولا لسة فيه فرصة للتصالح؟ والأخطر، هل المرض اللي اتخبي عن قصد، حيستمر في التأثير على حياته ولا الحقيقة حتظهر قبل ما يكون فات الأوان؟
بعد مواجهة الحقيقة، محمود بدأ يحس بالصدمة الحقيقية، قلبه متلخبط، جسمه ضعيف، حرارة مستمرة، قيء، تعب متواصل، وكل يوم بيصحو على أعراض جديدة، وكل يوم بيحس إن حياته بدأت تتغير للأبد، ومفيش حد حواليه حاسس بالأزمة، كل واحد ساكت، خايف، أو متواطئ في الكذب اللي سماح بدأت تديره بشكل محترف، هي كل يوم بتظهر طبيعية، ضحك، كلام عادي، محاولات لإخفاء الحقيقة قدام أي حد، وحتى أمام محمود نفسه أحيانًا كانت بتحاول تضحك أو تهزر، وكل مرة تحس إنه قرب يكتشف أكتر كانت بتلعب لعبة
جديدة من الخداع، تدفع رشوة صغيرة هنا، أو كلمة هنا، أو حركة خفيفة تغيّر كل الصورة.
أهله محمود كانوا عارفين حاجات صغيرة، بدأوا يشكوا، يحسوا إن في حاجة غلط، بس كل واحد منهم خايف يواجه، أو خايف يتدخل، أو خايف على سمعته، وكل يوم الخطر بيكبر، ومع الوقت، علامات المرض بدأت توضح بشكل أكبر، وبدأت الناس حواليه تلاحظ، واللي كان مجرد تعب بدأ يتحول لحقيقة صعبة: محمود مش بس تعبان، ده جسده بدأ يتآكل بشكل ملحوظ، وهزال واضح، حرارة متقطعة، ضعف شديد، لكن سماح كانت موجودة دايمًا، بتقدم نفسها كالملاك الطيب، مبتضحكش على الناس قدامهم، بس كل ده كان كذب، كل ده كان تحكم في الموقف، كل ده كان لعبة موت صامتة بتقود لليوم الكبير.
وفي يوم، واحد من أصحابه اللي بدأ يشك قرر يواجهه بكل صراحة، قال له: “محمود، انت مش عارف الحقيقة، ومش مستعد تسمعها؟ سماح… عندها إيــدز من زمان، وكل اللي حصل كانت لعبة”، محمود حس بالصدمة، حس بالغضب، بالخذلان، بالندم، لكنه بنفس الوقت حس بخوف شديد، خوف على حياته، خوف على صحته، خوف على أي خطوة ياخدها بعد كده، ومفيش وقت للتردد، لازم يواجه، لازم يعرف الحقيقة كلها، مش جزء منها، لازم يعرف مين واقف قدامه ومين وراه، ومين ساعد في الكذب ده ومين
ساكت.

تم نسخ الرابط