سلمت نفسها لقسم الشرطة بقلم نور محمد
يا فندم أنا جاية أسلم نفسي أنا قتلتهم!
الجملة نزلت على قسم الشرطة زي حجر تقيل اتحدف في مية راكدة الصوت واطي بس واضح واللي قالته مش ست مجرمة ولا راجل متشرد دي طفلة طفلة لسه مكملتش خمس سنين واقفة على رجليها بالعافية حضنها فاضي بس عينها مليانة خوف أكبر من سنها بمراحل
الوقت كان آخر النبطشية القسم زحمة لاسلكي بيصرخ عساكر داخلة وعساكر خارجة ناس بتزعق وناس بتعيط وفجأة الباب الحديد اتفتح ودخل راجل وست باين عليهم الفقر والشقا هدومهم بسيطة ووشوشهم شاحبة وفي النص بينهم طفلة صغيرة زي القمر شعرها منكوش خدودها حمرا من كتر العياط وعينيها منفوخة كأنها ما نامتش من أيام
الأب كان ماسك إيدها بإحكام كأنه خايف تطير منه والأم وراهم بتكتم شهقتها في طرف الطرحة وكل اللي في القسم بص عليهم باستغراب لحد ما الأب وقف قدام مكتب الاستقبال بلع ريقه وصوته طلع مكسور
لو سمحت يا باشا ممكن نقابل الضابط المناوب دقيقة بس
العسكري رفع عينه من الدفتر وبص له من فوق لتحت
خير يا حاج في إيه محضر خناقة وبعدين إيه اللي جايب الطفلة في وقت زي ده
الأب أخد نفس طويل وبص لبنته اللي كانت ماسكة في جلابيته وبتترعش
يا فندم البنت
في اللحظة دي كان الرقيب إسماعيل معدي سمع الحوار ووقف مكانه قلبه شده منظر الطفلة قرب منهم ونزل على ركبه قدامها عشان يبقى في مستواها وابتسم ابتسامة هادية
إزيك يا بطلة مالك زعلانة كده إيه الجريمة اللي مضايقاكي ومخلياكي مش عارفة تنامي
الطفلة بصت له شوية عينيها ثابتة على وشه لا خوف ولا لعب مسحت دموعها بكم الفستان وقربت من ودنه وهمست بكلمة واحدة
الكلمة دي خلت وش الرقيب يبيض وقف فجأة كأن حد لسعه نار وبص للأب والأم وبعدين بص للعسكري وقال بصوت ناشف
هات الضابط المناوب فورا
بعد دقائق كان الضابط قاعد في المكتب والطفلة قدامه ماسكة لعبة صغيرة متكسرة
اسمك إيه يا حبيبتي
مريم
وعندك كام سنة
خمسة إلا شوية
الضابط حاول يضحك
طيب يا مريم إنت قولتي إنك قتلتي ناس مين دول
مريم بصت للأرض وقالت بصوت واطي
العيال
الجو سكت الأم شهقت والأب اتلخبط
عيال مين يا مريم
رفعت عينيها وبصت له
اللي
الرقيب إسماعيل حس بقشعريرة
بييجوا فين
في الأوضة لما ماما وبابا يناموا
الأم وقعت على الكرسي
إنت بتقولي إيه يا بنتي!
الطفلة كملت كأنها بتحكي حكاية
كانوا يخوفوني يضحكوا عليا يقولولي محدش هيصدقك
الضابط شد الكرسي وقرب
وبعدين
أنا زقيتهم
زقيتيهم فين
في البير
اللحظة دي القسم كله اتقلب محضر اتفتح قوة طلعت على العنوان اللي قالت عليه الطفلة بيت قديم في منطقة شعبية وفي آخر الحوش بير مهجور وبعد ساعات من البحث الحقيقة طلعت تقيلة مش جثث ولا دم لكن لعب أطفال مكسورة هدوم صغيرة وآثار وجود أطفال كتير كانوا مستخبيين هناك
التحقيقات كشفت إن المكان كان وكر عصابة بتستغل أطفال الشارع يدخلوا البيوت بالليل يخوفوا الأطفال الصغيرة ويهددوهم عشان يسرقوا أو يبتزوهم ومريم لما اتخضت منهم زقتهم وهي بتصرخ هربوا وسابوا المكان وهي فضلت فاكرة إنها قتلتهم
الطفلة كانت شايلة ذنب مش ذنبها وخوف مش بتاعها وضمير أكبر من سنها بكتير
قبل ما يمشوا مريم بصت للرقيب إسماعيل وقالت
أنا دلوقتي مش قاتلة
ابتسم ومسح على شعرها
لا يا بطلة إنت شجاعة
والقسم رجع زحمة واللاسلكي اشتغل بس محدش نسي اليوم اللي طفلة
محدش في القسم قدر ينام الليلة دي رغم إن القضية اتحطت تحت بند اشتباه عصابة واترفعت تقارير إلا إن صورة مريم وهي واقفة وسط الرجالة عينيها مليانة ذنب كانت لسه معلقة في الهوا زي دخان تقيل
الرقيب إسماعيل رجع بيته الفجر قعد على السرير وفضل باصص في الحيطة دماغه بتعيد همسة الطفلة أنا زقيتهم وهو عارف كويس إن الخوف ساعات بيعمل في روح الطفل اللي السكاكين ما تعملوش
تاني يوم الصبح إسماعيل طلب إذن ونزل المنطقة بنفسه مش بصفة رسمية بصفة بني آدم البيت كان ضيق سقفه واطي ريحة رطوبة الأم قاعدة جنب مريم بتحاول تأكلها بالعافية والبنت سرحانة كل ما تسمع صوت خطوة تفزع
أول ما شافته دخل مريم استخبت ورا أمها
قال بهدوء فاكرة عم إسماعيل
بصت له بحذر وهزت راسها
قعد على الأرض طلع من جيبه دمية صغيرة كان جايبها مخصوص
دي شجاعة زيك
الدمية ما فرحتهاش بس مسكتها وده كان إنجاز
الأم انفجرت عياط
بقالها شهور كده يا حضرة الرقيب بتصرخ من النوم تقول في حد واقف في حد بيضحك وأنا فاكرة خيال طفل طلعت أنا اللي عميانة
إسماعيل
حد كان بيقعد مع مريم لوحدها
الأب سكت
الأم بصت