سر نضارتي

لمحة نيوز

ضحكت أختي وهي بتكسر نظارتي وما كانتش تعرف إنها في اللحظة دي كسرت مستقبلها هي مش أنا لأن الضحكة اللي طلعت من بقها كانت آخر ضحكة ليها في حياتي حتى لو هي ما فهمتش ده غير بعد سنين. الصالون الكبير في فيلا عيلة السيوفي اتشل من الحركة صمت تقيل كأنه حط إيده على رقبة كل واحد في ال بني آدم اللي كانوا واقفين يتفرجوا وأنا واقفة في النص أو بالأصح تايهة لأن أول ما النظارة طارت من على وشي وارتطمت بالأرض الباركيه اللامعة واتحولت حتت متناثرة الدنيا كلها اتطفت في عيني مش ظلمة كاملة لأ ضباب كثيف يخنق يخليك حاسس إنك لو مديت إيدك مش هتلاقيها بس اللي كان واضح ومسموع أكتر من أي حاجة هو صوت ضحكة نهى أختي الكبيرة ضحكة رفيعة مسمومة بتلسع وداني وتفكرني بكل مرة حاولت تكسرني قبل كده. قالت وهي ميلة علي قدام الناس بنبرة شماتة رخيصة يا عيني يا سلمى كده مش هتعرفي تقري بنود القايمة ولا تشوفي العقد اللي هتمضي عليه بكرة ولا إيه يا عروسة وكانت عيونها بتلمع وهي بتبص ناحية أحمد خطيبي وكأنها بتقول للكل إن اللي واقفة قدامهم دي طماعة عميانة داخلة على فلوس مش من حقها. الناس شهقت همهمة خفيفة سرت في القاعة أحمد شد على إيده بغضب وأنا حسيت بنظرات الشفقة بتنهش في ضهري اللحظة اللي أي واحدة تانية كانت هتنهار فيها وتعيط وتستخبى بس الغريب إني ما حسيتش بالانكسار حسيت بحاجة تانية خالص حاجة باردة وهادية زي لما الواحد فجأة يفتكر سر خطير في عز المصيبة. نزلت على ركبي بهدوء ولميت حتتين

من فريم النظارة ورفعت وشي ناحيتها وقلت بصوت واصل لآخر القاعة ما تقلقيش يا نهى أنا شايفة كويس قوي الجملة وقعت زي حجر في مية راكدة نهى ضحكت بتوتر وقالت شايفة إيه وهي فاكرة إني بهذي وما كانتش تعرف إن النظارة دي طول عمرها ما كانت أكتر من ستار مش ضرورة. الحقيقة اللي محدش يعرفها واللي خبيتها من وأنا عندي 8 سنين من يوم ما دكتور الرمد بص في عيني وقال لماما بنتك نظرها سليم بس عندها حاجة اسمها تكيف بصري محتاجة نظارة مؤقتة اليوم ده اتغير مسار حياتي لأن أمي خافت علي من الحسد ومن كلام الناس وخلت النظارة علامة ثابتة ومع الوقت بقت جزء من شخصيتي وأنا استسلمت لحد ما اكتشفت إن النظارة مش بس بتخبيني دي كمان بتخليني أشوف الناس على حقيقتهم. نهى بالذات كانت دايما شايفة النظارة نقطة ضعف تتريق تقلل تقول قاع الكوباية والدحيحة وتضحك لما حد يمدح ذكائي الغيرة كانت بتاكلها خصوصا بعد خطوبتي لأحمد الشاب اللي كل بنات البلد كانت بتحلم باسمه. في اللحظة دي في القاعة وأنا شايفة الضباب بس سامعة كل نفس فهمت لعبتها فهمت إنها مش بس عايزة تكسرني دي عايزة تشكك أحمد وأهله في نواياي. وقفت مسحت إيدي في فستاني ولفيت وشي ناحية أهل أحمد وقلت بهدوء ثابت اسمحولي أعتذر عن الموقف بس قبل ما نكمل حابة أوضح حاجة بسيطة وساعتها خلعت بقايا النظارة وحطيتها على الترابيزة وبصيت ناحية نهى وابتسمت النظارة دي ما كانتش ضعف نظر كانت اختيار همهمة أعلى نهى وشها شحب أحمد قرب خطوة وأنا كملت من
غيرها أنا شايفة كل حاجة شايفة الغيرة شايفة النوايا شايفة اللي بيمثل حب وهو مليان حقد وبصيت عليها مباشرة وشايفة أخت ما استحملتش تشوف أختها سعيدة. الصدمة خلت نهى تلخبط حاولت تضحك وتحور بس الكلمات خانتها وأحمد طلب من الكل يسمع وسألني قدامهم يعني إيه اختيار ساعتها حكيت حكيت كل حاجة من غير دموع من غير انفعال حكاية بنت لبست نظارة عشان ترتاح من وجع الناس واكتشفت إن الوجع الحقيقي جاي من أقرب حد ليها. كل كلمة كنت بقولها كانت بتغرق نهى أكتر لحد ما أم أحمد نفسها قامت وقالت كفاية وبصت لنهى بنظرة قاطعة اللي عملتيه ده عيب وما يرضيش ربنا وفي ثانية واحدة اتقلب المشهد من شفقة علي لإدانة ليها والضحكة اللي بدأت الحكاية اتحولت لرجفة في شفايفها. الليلة خلصت والعزومة اتفضت وأحمد مسك إيدي وقال أنا شايفك من غير نظارة ومن غير أي حاجة أما نهى فخسرت أكتر من حفلة خسرت صورتها ومكانتها وأهم حاجة خسرت قدرتها إنها تأذيني تاني لأن في اليوم اللي كسرت فيه نظارتي أنا شفت شفت بوضوح عمري ما شفته قبل كده وعرفت إن في انتصارات هادية ما بتحتاجش صوت بس بتسيب أثر عمره ما يروح.
القصة الثانية 
أنا ممرضة.
في حياتي رأيت أشياء كثيرة
أشياء لا يستطيع الناس حتى تخيلها.
لكن لا شيء ترك أثرا في قلبي
مثلها هي
امرأة في الخامسة والسبعين من عمرها
كانت مقتنعة أن لديها أفضل أبناء في العالم.
كل صباح وأنا أعدل الغطاء فوقها
كانت تتحدث عنهم بابتسامة مليئة بالفخر.
لدي ثمانية ثمانية أبناء
رائعين
كانت تقول.
وتذكر أسماءهم واحدا واحدا.
كانت تحكي لي كيف ربتهم وحدها
كم من الليالي التي لم تنم فيها
وكم تعبت لتوفر لهم كل شيء
التعليم البيت الأرض.
فعلت كل شيء من أجلهم
كانت تكرر.
ولهذا أعرف أنهم سيأتون
عاجلا أم آجلا سيدخلون من ذلك الباب.
كنت أومئ برأسي.
لأن الإيماء أحيانا
أسهل من كسر قلب.
مرت الأيام.
ثم الأسابيع.
وذلك الباب
ظل مغلقا.
كل مساء كانت تسألني
وصوتها يضعف قليلا في كل مرة
يا ممرضة لماذا لا يسمحون لأبنائي بالدخول
ألا يعلمون أنني هنا
وفي كل مرة
كان حلقي يضيق.
لأن الحقيقة كانت
لم يأت أحد.
لم يسأل أحد عنها.
لم يتصل أحد.
لا أحد.
لم يكن لأنهم ممنوعون من الدخول.
بل لأنهم لم يريدوا الدخول.
الوحيد الذي كان يأتي
كان زوجها.
رجل متعب
عيناه مثقلتان بالأرق.
كان ينام خارج المستشفى
على كرسي
ملتفا بمعطف قديم.
كل بضع ساعات يدخل ويسأل
كيف حال زوجتي العجوز الصغيرة
هل تحتاج شيئا
هل أكلت
وبينما كان هو يحترق ببطء من القلق والتعب
كان الأبناء الثمانية
بخير تام شكرا جزيلا.
في أحد الأيام أمسكت بيدي
وعيناها مليئتان بالأمل
اليوم سيأتون أليس كذلك
لم أكن أعرف ماذا أقول.
لأن هناك حقائق
لا يعلمونك إياها في كلية التمريض.
ولا أحد يعلمك
كيف تخبر أما
أعطت كل شيء
أنها تركت وحدها تنتظر.
في ذلك اليوم فهمت شيئا
ما زال يثقل قلبي
ليس كل الأطفال الذين يربون تربية حسنة
يعرفون كيف يكونون أبناء صالحين
عندما يحين الوقت فعلا.
وبينما كانت تواصل التفاخر
بأفضل أبناء
في العالم
كان الوحيد الحاضر حقا
زوجا متعبا
يحب حتى آخر نفس
ولا يملك سوى
تم نسخ الرابط