سر الطفل

لمحة نيوز

في الصبح بدري، الشمس كانت لسه طالعة بالعافية، والأم كانت واقفة قدام المراية بتظبط طرحتها وهي بتبص لابنها اللي لابس شنطته الصغيرة، عينه لمعة فرح وخوف في نفس الوقت، أول يوم حضانة في مكان جديد. قلبها كان مقبوض بس حاولت تخبي ده بابتسامة. الأب وقف على باب الشقة، قرب منهم، باس ابنه على راسه وقالها: خلي بالك منه، ده كل اللي ليا في الدنيا. هزت راسها ووعدته، ومسكِت إيد ابنها ونزلوا. وهي ماشية حسّت بوخزة غريبة في صدرها، إحساس مش مفهوم، بس قالت لنفسها تعب وخلاص.
على الناحية التانية من الشارع، كانت الجارة واقفة ورا الستارة، عينيها ثابتة عليهم، ابتسامة مش طبيعية على وشها. همست لنفسها: فاكرة إنك خدتِ كل حاجة؟ لأ… لسه الحساب طويل.
قدام باب الحضانة، الأم سلمت على المعلمة الجديدة. ست هادية قوي، كلامها موزون زيادة عن اللزوم، ابتسامة خفيفة بس عينيها باردة. الأم قالت لها برجاء: ابني لسه صغير، أول مرة يبعد عني، خلي بالك منه. المعلمة ردت بهدوء: اطمني، ده في عيني. بس الجملة دخلت قلب الأم تقيلة.
اليوم عدّى، والأطفال لعبوا وضحكوا، إلا إن المعلمة في آخر اليوم أخدت الطفل على جنب، بعيد عن باقي العيال، ربتت

على خده وادته حلاوة. فرح بيها قوي. قالت له بصوت واطي: تحب أجيب لك زيها بكرة؟ عينه نورت وقال آه. قربت أكتر وهمست: بس لما مامتك تسخن الأكل، حط الحاجة دي، وما تقولش لحد، ده سر بينا. الطفل هز راسه من غير ما يفهم، السر بالنسبة له لعبة، والحلاوة مكافأة.
بعدها بساعات، المعلمة كلمت حد بصوت واطي، وكلمات قليلة اتقالت واتقفلت المكالمة، وفلوس اتنقلت، وضمير اتدفن.
في نفس الوقت، الجارة كانت بتخطط لخطوة تانية. مسكت الموبايل وكلمت الأب، كلام ملفوف، تلميحات، تشويه. قالت له إن مراته بتتصرف تصرفات غريبة، وإنها سمعتها بتقول كلام يخوف. الأب اتجنن، صرخ، ودافع، وقفل في وشها. الجارة ضحكت ضحكة باردة، كانت عارفة إن الشك أول ما يدخل، بيعيش.
الطفل رجع  أمه، ضحك، قال يومه كان حلو. ما قالش عن الكيس الصغير، وهي ما فتشتش، لأنها كانت واثقة… واللي بنحبهم عمرنا ما نفتشهم.
في البيت، الأم دخلت المطبخ، حطت الحلة على النار، والطفل طلع الكيس، وقف لحظة، حس بحاجة غلط، افتكر همسة المعلمة وكلمة “سر”، بس قلبه الصغير كان محتار. في اللحظة دي، الأب دخل فجأة، كان راجع بدري على غير العادة. شاف ابنه واقف قدام الحلة، حس بحاجة
مش مظبوطة. سأله: إيه اللي في إيدك؟ الطفل اتلخبط، عينه دمعت، وقال كل حاجة مرة واحدة.
الدنيا وقفت.
الأم سابت الحلة، جسمها ارتعش، فهمت الإحساس اللي كان معاها من الصبح. الأب  
الطفل نام في   الليلة دي، وهي صاحية، تبص في وشه وتعيط بصوت واطي. فهمت إن الشر ممكن يلبس وشوش هادية، وإن الثقة لازم تبقى واعية، مش عمياء.
بعد شهور، الحياة رجعت تمشي، بس الأم بقت أقوى، والأب أقرب، والطفل كبر شوية… بس فضل دايمًا فاكر إن أي سر يخوف، ما يبقاش سر.
والقصة دي فضلت تتقال، مش علشان تخوف، لكن علشان تفوق، إن الأطفال أمانة، وإن أقرب خطر ساعات بييجي بابتسامة هادية وكلمة “اطمني”.
بعد اللي حصل، البيت ما بقاش هو هو. الحيطان واقفة بس الروح متكسّرة. الأم كانت كل ما تبص لابنها تحس إن قلبها كان هيقف للأبد في اللحظة اللي شافته واقف قدام الحلة. كانت كل شوية تقوم من النوم مفزوعة، تقوم تجري عليه تتأكد إنه بيتنفس، تحط إيدها على صدره وتعيط من غير صوت. الأب كان باين عليه جامد، بس في الحقيقة كان بيتاكل من جوه، إحساس الذنب كان بينهش فيه، فكرة إن الشر كان قريب قوي وهو ما شافش.
الطفل نفسه اتغير. بقى يسكت كتير، يلعب
لوحده، وكل ما حد يقوله “سر” يتجمد مكانه. مرة في نص الليل صحي يعيط ويقول: ميس قالت ما أقولش. الأم  لحد ما نام، ودموعها غرقت شعره.
التحقيقات اشتغلت، والموضوع كبر. طلع إن المعلمة مش أول مرة تعمل كده، بس أول مرة حد ينتبه قبل فوات الأوان. ملفات قديمة اتفتحت، حضانات اتقفلت، وناس كتير كانت ساكتة بقالها سنين بدأت تتكلم. كل واحدة كانت فاكرة إنها لوحدها اكتشفت إنها مش لوحدها.
الجارة؟ لما اتواجهت، انهارت. طلعت كل اللي جواها: غيرة، كره، إحساس بالنقص، سنين وهي بتبص على حياة غيرها وتتمنى تزول. كانت فاكرة إن الانتقام هيهديها. بس وهي في القسم، كانت قاعدة لوحدها، لا فلوس نفعتها ولا ضحكتها الباردة. الشر لما يتكشف، بيبقى  وضعيف.
الأم دخلت في رحلة علاج نفسي، مش عيب ولا ضعف. كانت عايزة تبقى أم حقيقية، مش بس موجودة. اتعلمت تسمع، تسأل، تبص في عيون ابنها مش بس على وشه. اتعلمت إن الحب محتاج وعي، وإن “اطمني” كلمة كبيرة ما تتقالش بسهولة.
الأب قرر يغير شغله علشان يبقى قريب. قال لنفسه: الفلوس تيجي وتروح، بس العيال لو راحوا ما يرجعوش. بقى يوصل ابنه بنفسه، يستناه،  قدام الناس من غير كسوف. كان عايز
يعوّض كل ثانية خوف.

تم نسخ الرابط