سر الطفل
بعد سنة، الطفل دخل حضانة جديدة. مكان صغير، ناس معروفين، أبواب مفتوحة. في أول يوم، مسك إيد أمه جامد. قالت له: لو أي حد قالك تعمل حاجة وتخبيها عني، تيجي تقوللي على طول. بص لها وسأل: حتى لو قاللي دي مفاجأة؟ ابتسمت رغم الدموع وقالت: حتى المفاجآت.
في يوم عرض بسيط في الحضانة، الطفل طلع المسرح. نسي كلامه لحظة، وبص على أمه. هي ابتسمت وهزت راسها. كمل. صوت صغير، بس واثق. الأب صفق، والأم بكت، بس المرادي دموع فخر.
القصة ما انتهتش عند حادثة، انتهت عند قرار. قرار إنهم ما يعيشوش في خوف، بس عمرهم ما يناموا غافلين. إنهم يحكوا لغيرهم، يفوقوا غيرهم، وما يسكتوش.
والطفل؟ كبر شوية شوية، بس جواه درس كبير: إن صوته مهم، وإن اللي بيحبك عمره ما يطلب منك سر يخوفك.
والأم كل ليلة قبل النوم، كانت وتهمس: ربنا ستر. وربنا ما بيسيّبش.
عدّت سنين.
الطفل
كان شاطر في دراسته، هادي زيادة عن اللزوم، يحب يقعد لوحده يرسم. أغلب رسوماته كانت بيوت، شبابيكها مقفولة، وباب واحد مفتوح دايمًا. المدرّسة مرة سألت أمه: ابنك ذكي، بس حساس قوي. الأم ابتسمت ابتسامة فاهمه، وقالت: ربنا يحميه.
الأم نفسها اتغيرت. بقت أم تانية. تسمع أكتر ما تتكلم. ما تستهينش بأي كلمة. لما ابنها يقول “حاسس بحاجة وحشة” كانت توقف الدنيا وتسمع. كانت عارفة إن الخطر مش دايمًا بييجي بشكل واضح، أحيانًا بييجي همسة.
في يوم، وهي بتنضف درج قديم، لقت شنطة الحضانة القديمة. قلبها دق بسرعة. فتحتها بحذر، كأنها
الأب؟ بقى يحكي القصة لناس تانية. في القعدة، في الشغل، لأي حد عنده طفل. مش بأسماء، مش بتفاصيل، لكن برسالة واحدة: “اسمع ابنك… حتى لو كلامه مش واضح”. ناس كانت تستغرب، بس في ناس كانت تروح له بعد كده وتقول: كلامك فرّق.
وفي يوم، حصل اللي محدش كان متوقعه.
في المدرسة، ولد صغير جه لابنها وقال له: المُدرسة قالتلي ما أقولش لحد.
الجملة وقفت الزمن.
ابنها حس بقشعريرة. نفس البرودة اللي حسّها وهو صغير. بص للولد، نزل لمستواه، وقال له بهدوء غريب على سنه:
تعالى نروح نقول لماما بتاعتك.
الولد خاف. قال له: قالتلي ده سر.
رد عليه من غير تردد:
السر اللي يخوف… مش سر.
راحوا فعلًا. الدنيا اتقلبت. طلع الموضوع بسيط ومش
الليل ده، وهو نايم، الأم قعدت جنبه، افتكرت اليوم اللي كان ممكن تخسره فيه للأبد. حطت إيدها على صدره، نفس الحركة القديمة، بس المرة دي بابتسامة.
كبر أكتر. دخل جامعة. اختار يدرس علم نفس. ما قالش لحد السبب الحقيقي، بس جواه كان عارف. كان عايز يفهم البشر، يفهم إزاي الشر أحيانًا يلبس وشوش هادية، وإزاي كلمة واحدة ممكن تنقذ.
وفي محاضرة عن الأطفال والصدمات، الدكتور قال جملة بسيطة:
“أغلب اللي بينقذوا غيرهم… كانوا في يوم محتاجين إنقاذ.”
ابتسم.
القصة ما خلصتش، لأنها مش حادثة… دي سلسلة قرارات.
قرار أم ما سكتتش.
قرار أب ما استهانش.
وقرار طفل… كبر، واختار إنه يكسر الدائرة.
ويمكن أهم حاجة في الحكاية كلها، إن الشر خسر.
مش لأنه اتعاقب
لكن لأن أثره ما انتقلش.