سوزان
"هل وصل بكِ البخل إلى هذا الحد؟ الرجل مات! لن يأخذ ماله معه! أكرمي مثواه الأخير على الأقل!"
نظرت إليّ بعيون جافة جداً، خالية من الدموع، وقالت بصوت مبحوح:
"ياسر.. الستر أهم من المظاهر. دعنا نرثي أخاك بسلام".
"الستر؟" صرخت فيها. "أنتِ عار علينا! اخرجي من هنا! .. من كان يربطنا بكِ قد توفى.. لا نريد رؤيتك مرة أخرى! "
خرجت ريهام مطأطأة الرأس
لم تحضر العزاء ..
شعرت أنني ثأرت لكرامة أخي.
في صباح اليوم التالي،
عندما ذهبت للبنك، لبدء اجراءات الميراث.
جلستُ أمام مدير الفرع، الذي كان صديقاً مقرباً للمرحوم "كمال"..
وطلبت كشف حساب التركة.
نظر إلي طويلاً ثم أخرج ملفاً أحمر اللون وقال بتردد:
" البقاء لله يا أستاذ ياسر.. ولكن يؤسفني أن أخبرك أن حسابات المرحوم كلها مدينة. الرصيد صفر، وهناك مديونيات للبنك تتجاوز 20 مليوناً. "
صرختُ فيه:
"مستحيل!
أدار الشاشة نحوي وقال بهدوء:
"كما ترى.. الفيلا والسيارات مرهونة للبنك منذ عامين. المصنع كان يعمل بخسارة ويغطيها بالقروض."
ثم أشار إلى سطر في كشف الحساب تتكرر فيه إيداعات شهرية ضخمة:
"انظر هنا يا أستاذ ياسر.. هذه التحويلات التي كانت تغطي فوائد القروض وتمنع سجن أخيك طوال العامين الماضيين، مصدرها حساب مدام ريهام."
شعرت بالدوار..
أكمل المدير:
"بحكم تعاملي معها، علمت أنها باعت الشقة التي ورثتها عن والدها ومجوهراتها أيضاً، وكانت تحول راتبها بالكامل للبنك.. كانت تسدد أقساط المظاهر الكاذبة التي كان يُصر عليها كمال الله يرحمة ."
"كما ترى في كشف الحساب ..
هي من كانت تدفع أقساط النوادي، ومصاريف مدارس الأولاد التي كان كمال يتكفل بها سابقاً..".
"لماذا؟" همستُ بصوت مخنوق.
صمت قليلاً ثم قال:
"كمال كما تعرف.. كانت
"لذلك ريهام كانت تُجمل هذة الصورة' أمامكم وأمام المجتمع بمالها ودمها .. خوفاً من أن يُقدم زوجها علي شئ سئ بسبب افلاسه او تراجع مستواه الاجتماعي .. ".
خرجتُ من البنك وأنا لا أرى أمامي.
تذكرتُ وجهها الشاحب في الجنازة.
لم تكن عيناها جافتين لأن قلبها قاسي كما ظننت..
بل من الجفاف العاطفي والمادي الذي عاشته لسنوات وهي تحمل جبلاً من الأسرار وحدها.
لم تكن بخيلة أو شيطانة كما ظننت..
بل فقط لم يتبق معها ثمن الكفن الغالي.. والمظاهر الكاذبة ..
بدأت الصورة تكتمل أمامي،
سقطت كل تفسيرات الغضب واحدة تلو الأخرى،
لذلك لم أحتمل الانتظار…
ركضت إلى شقتها..
طرقتُ الباب بجنون.
فتحت ريهام الباب.
كانت ترتدي ملابس البيت البسيطة...
قلتُ بصوتٍ مكسور:
«سامحينا يا ريهام… أنا وأهلي لم نكن نعلم شيئًا عن هذه الديون.
ثم أضفت:
"كنا نظنكِ تستولين على ماله… لكن اكتشفنا أنك كنتِ تسترين عيبه.. "
بكت ريهام للمرة الأولى منذ وفاة أخي.
بكت بحرقة امرأة ظُلمت من أناسٍ كان يُفترض أن يكونوا أول الداعمين لها في هذه المحنة..
قالت لي وهي تمسح دموعها:
"كمال كان طيب يا ياسر، لكنه كان عبداً للمظاهر".
"لم أستطع أن أكسره في حياته.. ولم أرد أن أفضحه في مماته".
ساد صمت طويل بعد كلماتها،
صمت لم نجد فيه ما يُقال، بل ما يجب أن يُفعل.
لذلك وفي نفس اليوم،
جلسنا معها أنا وأهلي،
لا لنلوم أحدًا هذه المرة…
بل لنبدأ معًا التخطيط لكيفية سداد ما تبقى من الديون..
بعنا سياراتنا،
ووضعنا مدخراتنا تحت تصرفها.
ليس لأننا ملزمين بذلك قانونياً..
ولكن لأن كل فرد منا مدينُ لها بما قامت به من أجل أخي والعائلة،
ما فعلته زوجة أخي علمنا:
أن المظاهر كثيرًا ما تخدعنا…
وأن خلف كل صورة مثالية نراها، قد توجد
لو عجبتك القصة، نتمنى تشاركنا رأيك في التعليقات