رحلة التخييم

لمحة نيوز

 بس كل يوم كنت بصحى وأفتكر إن أسوأ لحظة في حياتي لما اتزقيت بره العربية كانت في الحقيقة بداية صحوة كبيرة لأن الحقيقة إن اللي يقدر يرميك على الطريق من غير رحمة عمره ما كان سند ولا أمان وأنا اتعلمت إن الأمان مش كلمة بتتقال في أول الطريق لكن فعل بيتثبت لما الدنيا تضلم والنهارده لما بسوق أنا وكاليب على نفس الطريق أوقات ببص للكتف اللي وقفت عليه ساعتها وقلبي يدق بس مش من الخوف لكن من القوة لأني خرجت من هناك مكسورة شوية بس مش مهزومة وابتديت حياة جديدة من غير حد يقرر إمتى أنزل من العربية أو يسيبني في نص الطريق.

بعد الحكم ما صدر وخرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد كاليب كنت فاكرة إن أصعب مرحلة عدّت وإن اللي جاي هيبقى مجرد ترتيب حياة جديدة وخلاص لكن الحقيقة إن البداية الحقيقية كانت لسه قدامي لأن الجروح اللي بتبقى جوا مش بتختفي بحكم محكمة ولا بورقة مختومة رجعت البيت اللي كنت بسيبه كل يوم وأنا فاكرة إنه أمان ولقيته ساكت بطريقة تخوف كأن الحيطان نفسها مستنية تسمع أنا هعمل إيه قعدت على الكنبة وكاليب نايم على رجلي وبصيت حواليا

وافتكرت كل مرة براين كان يقعد في نفس المكان ده ويتكلم عن المستقبل وعن البيت الأكبر والسفر والخطط الكبيرة وازاي كنا بنصدق إننا فريق واحد وابتديت أستوعب قد إيه الواحد ممكن يعيش سنين جنب حد من غير ما يعرفه بجد الأيام الأولى كانت مليانة مكالمات من محامين وإجراءات وتحذيرات إن ممكن يحاول يستفزني أو يضغط عليا عشان أتنازل عن جزء من الحضانة وفعلاً بدأ يبعت رسايل طويلة يتكلم فيها بنبرة الضحية مرة يقول إنه ندمان ومرة يتهمني إني دمرت أسرته ومرة يهدد إنه هيستأنف الحكم لكن المرة دي ما كنتش بخاف ولا بتلخبط بقيت باخد كل رسالة وأبعتها لمحاميتي وأقفل الموبايل وأرجع أعمل أكل لكاليب أو أذاكر له أو أضحك معاه كأن الحياة قررت تديني فرصة أعيد ترتيب أولوياتي من أول وجديد كاليب في الأول كان بيصحى من النوم مفزوع ويسألني بابا هيرجع يسيبنا تاني كنت بضمه وأقوله لأ يا حبيبي محدش هيقدر يعمل كده تاني ومش بس عشان القانون لكن عشان أنا بقيت أقوى ومع الوقت ابتدى يرجع يضحك تاني ويرسم عربيات وطرق في كشكوله بس المرة دي كان دايمًا يرسم عربية واقفة جنب
الرصيف ومامته واقفة جنبها ماسكة إيده وكل ما أشوف الرسمة دي قلبي يوجعني شوية وأحمد ربنا شوية أكبر وجع اكتشفته مش إنه سابنا على الطريق لكن إنه كان مستعد يضحي بابنه عشان يكسب قضية أو يبدأ حياة تانية وده إداني قوة غريبة إني أواجهه في جلسة الزيارة الأولى لما دخل القاعة المخصصة للزيارات تحت الإشراف كان باين عليه إنه متضايق من القيود حاول يبتسم لكاليب ويكلمه بلطف زيادة عن اللزوم وأنا كنت قاعدة بعيد أراقب من غير ما أتكلم ولما خلصت الساعة وخرج كاليب حضني جامد وقال لي أنا مش عايز أروح معاه لوحدي يا ماما ساعتها عرفت إن إحساسي يوم الطريق ما كانش وهم ولا مبالغة كان حدسي بيحاول يصرخ وأنا اللي كنت بسكته سنين بحجة الاستقرار والمظاهر والهدوء الكداب الشهور عدت وابتديت أرجع شغلي بالتدريج وفتحت حساب بنكي باسمي بس وعملت خطة مالية جديدة وتعلمت أراجع كل ورقة قبل ما أمضيها وتعلمت إن الثقة مش معناها غمض العينين وبراين حاول مرة أخيرة يلعب دور الندمان جه البيت من غير ميعاد ووقف قدام الباب وقال إنه خسر كل حاجة وإن الست اللي كان ناوي يبدأ
معاها سابته لما المشاكل كبرت وإنه عايز نرجع عشان خاطر كاليب بصيت له بهدوء غريب ما كنتش أعرف إني أملكه وقلت له إحنا خلاص مش نفس الناس اللي كانوا راكبين العربية اليوم ده إنت اخترت تمشي وإحنا اخترنا نعيش ومشيت وقفلت الباب بهدوء من غير صريخ ولا دموع لأن أقسى وداع مش بيبقى بصوت عالي لكن بقرار ثابت وبعد سنة كاملة أخدت كاليب في رحلة صغيرة على نفس الطريق بس المرة دي أنا اللي سايقة وأنا اللي محددة الاتجاه وقفنا في استراحة قريبة من المكان اللي كل حاجة فيه اتغيرت ونزلنا نمشي شوية في الهوا وكاليب مسك إيدي وبصلي وقال ماما إحنا بأمان صح ابتسمت وقلت له آه يا حبيبي إحنا بأمان لأن الأمان مش في وجود حد جنبنا الأمان في إننا نعرف نمشي لوحدنا وما نقعش حتى لو حد حاول يسيبنا في نص الطريق ومن يومها كل ما أعدي بالعربية وأشوف الكتف اللي كنت واقفة عليه فاكرة صوت الأبواب وهي بتتقفل وصوت الموتور وهو بيبعد لكن بدل ما أحس بضعف بحس بقوة لأن اللحظة اللي حد حاول فيها يمحيني من حياته كانت هي اللحظة اللي أنا فيها بدأت أكتب حياتي بإيدي من جديد.

تم نسخ الرابط