الشحاذ والعمياء

لمحة نيوز

زينب عمرها ما شافت الدنيا بعينيها، بس كانت بتحس بقسوتها في كل نفس بتاخده، اتولدت كفيفة في بيت بيعبد الشكل وبيقدّس المراية، أخواتها كانوا قمَر قدام الناس، فساتين وألوان وضحكات عالية، أما هي فكانت بالنسبة لأبوها غلطة عمره، حاجة لازم تتحط في أوضة مقفولة ويتقفل عليها بالمفتاح، أمها كانت الحضن الوحيد اللي بيقول لها إن ربنا ما بياخدش حاجة غير لما يحط مكانها نور تاني، لكن النور ده انطفى بدري، ماتت وهي عندها خمس سنين، ومن يومها أبوها قلب حجر، بقى يناديها “البتاعة دي”، ولو حد سأله عنها يقول “حمل تقيل وربنا يخلصني منه”، كبرت وهي سامعة الهمس والضحك ووقع الخطوات اللي بتبعد عنها، لحد ما في يوم وهي عندها واحد وعشرين سنة

دخل عليها أوضتها من غير ما يخبط، رمى في حجرها قماشة تقيلة وقال ببرود يخوف: جوازك بكرة، قلبها دق بعنف، جواز مين ومين اللي يرضى بيا؟ رد بصوت مليان شماتة: شحاذ من اللي بيقفوا قدام الجامع، إنتي عمياء وهو فقير، لايقين على بعض قوي، وفي اليوم اللي بعده اتعمل فرح شبه الجنازة، زغاريد باهتة ونظرات شفقة وضحك مستخبي، أبوها مسك إيدها وزقها ناحية الراجل وقالها خدي دراعه، الناس كانت تهمس “العمياء والشحاذ اتلم المتعوس على خايب الرجا”، ورمى شنطتها في الأرض وقال للراجل دي بقت مشكلتك إنت دلوقتي شيلها عني ومشي من غير ما يبص وراه، الراجل اللي قالوا اسمه يوشع ما ردش، مسك إيدها بهدوء ومشي بيها لحد طرف القرية عند كشك طين صغير، قعدها
على الأرض برفق، وهي كانت مستنية الإهانة أو الصراخ أو حتى الندم، لكن اللي حصل أول ليلة هزّها من جوه، عملها شاي بإيدين حنينة، فرش لها بطانيته الوحيدة وقالها نامي إنتي جوا وأنا هنام عند الباب، وصوته كان دافي وهو بيسألها بتحبي إيه؟ نفسك في إيه؟ محدش قبل كده سألها السؤال ده، الأيام عدت وهو كل يوم ياخدها عند النهر ويوصف لها الشمس عاملة إزاي لما بتلمع على الميه، والطيور وهي بتخبط جناحاتها، والشجر وهو بيتهز مع الهوا، كان كلامه يرسم صور جواها لدرجة إنها كانت تحس إنها شايفة، لأول مرة ضحكت من قلبها، لأول مرة حد يناديها باسمها “زينب” كأنه كنز مش عبء، وفي ليلة مسكت إيده وسألته إنت طول عمرك شحاذ؟ سكت شوية وقال مش طول عمري،
وما قالش أكتر، لكن جواها كان فيه إحساس إن الحكاية أكبر، وفي يوم نزلت السوق لوحدها تتعلم تمشي بعصاية بسيطة كان جابهالها، وفجأة حد شدها بعنف، كان صوت أختها آمنة مليان سم: إنتي لسه عايشة؟ لسه بتلعبي دور الزوجة مع الشحاذ؟ زينب رفعت راسها بثبات وقالت أنا مبسوطة، آمنة ضحكت وقالت إنتي متعرفيش هو مين، هو مش شحاذ يا زينب، إنتي اتضحك عليكي، الكلمة دي فضلت ترن في ودنها لحد ما رجعت البيت وقلبها بيرتعش، استنت لحد ما دخل، ولما سمعت خطواته قالتله بصوت حاد قولي الحقيقة إنت مين وليه عملت فيا كده؟ ساعتها سكت لحظة طويلة، وبعدين فجأة ركع قدامها ومسك إيديها وقال بصوت مهزوز سامحيني، أنا مش شحاذ، أنا ابن أكبر تاجر في البلد،

تم نسخ الرابط