الشحاذ والعمياء

لمحة نيوز

 وأبوي هو اللي كان شريك أبوكي زمان، لكن حصل بينهم خلاف كبير، أبوكي خد فلوس مش من حقه واتسبب في إفلاسنا، أبوي مات مقهور وأنا فضلت سنين بحاول أقف على رجلي من تاني، ولما رجعت البلد من شهور سمعت حكايتك، سمعت إزاي أبوكي بيعاملك، وسمعت إنه بيدور على حد يرميكي عليه عشان يتخلص منك، ما قدرتش أسيبك تتباعي لحد يستغلك أو يذلك، فتنكرت ووقفت قدام الجامع أستنى اليوم اللي هيعرض فيه عليا الجوازة، كنت عارف إنه شايفك عبء، لكن أنا شفت فيكي إنسانة تستاهل تتحب، اتجوزتك عشان أحميكي مش عشان أذلك، وكنت ناوي لما ييجي الوقت المناسب أرجع حقي وحقك قدام الكل، زينب كانت سامعة وقلبها بيخبط، مش من الخيانة لكن من الصدمة، قالتله يعني كل ده كان تمثيل؟ قالها لا، الفقر كان تمثيل لكن مشاعري كانت الحقيقة الوحيدة في حياتي، أنا بحبك من أول مرة

سمعت صوتك وإنتي بتقولي لأبوكي حاضر رغم قسوته، ومن يومها وأنا عارف إن قوتك مش في عينيكي لكن في قلبك، بعدها بأيام قليلة حصلت المواجهة اللي غيرت كل حاجة، يوشع أخدها بإيده وراحوا على بيت أبوها، كان واقف قدام الناس كلها وقال بصوت عالي إنه رجع يسترد حق أبوه، وإن الديون اللي على الراجل لازم تتسدد، وإنه يقدر يفضحه قدام البلد كلها، أبوها حاول يتريق ويقوله ده شحاذ، لكنه اتفاجئ لما شاف رجال من البلد بيحترموا يوشع وينادوه باسمه الحقيقي ويقولوا إنه بقى من أكبر المستثمرين بعد ما نجح في تجارته بره القرية، الناس بدأت تبص لأبوها بنظرة مختلفة، وزينب كانت واقفة جنبه ماسكة دراعه بثبات، لأول مرة تحس إن حد واقف في ضهرها مش بيزقها لقدام عشان يتخلص منها، يوشع قال قدام الكل أنا مش جاي أفضحك ولا أخرب بيتك، أنا جاي أقولك إن البنت اللي
كنت شايفها لعنة هي أكبر نعمة في حياتي، ولو الزمن رجع بيا هختارها ألف مرة حتى لو كنت فعلاً شحاذ، الكلمات دي خلت همس الناس يتحول لصمت، وأبوها لأول مرة ما لاقاش رد، الأيام اللي بعد كده كانت بداية جديدة، يوشع بنا بيت حقيقي مش كشك طين، لكنه فضل ياخدها كل يوم عند النهر، يفضل يوصف لها الدنيا بنفس الشغف، وقرر يصرف على علاجها في أكبر المستشفيات، وبعد شهور من المتابعة والدكاترة قالوا إن فيه عملية ممكن ترجعلها جزء من بصرها، العملية كانت مخاطرة، لكنها مسكت إيده وقالت حتى لو ما شفتش بعيني يكفيني إني شفت الدنيا بقلبك، دخلت العملية وهو واقف برا بيترعش أكتر منها، ساعات طويلة عدت كأنها سنين، ولما خرج الدكتور بابتسامة وقال إن العملية نجحت جزئياً وإنها هتبدأ تشوف نور وضلال وأشكال، يوشع انهار من البكاء، وبعد أيام لما فتحت عينيها
لأول مرة وشافت نور باهت قدامها، أول صورة وضحت تدريجياً كانت ملامح راجل واقف قدامها ودموعه مغرقة وشه، سألت بصوت مبحوح إنت يوشع؟ ضحك وقال أيوه، قالتله كنت متخيلة صوتك أجمل من كده، فضحك أكتر، ومع الوقت بقت تشوف الدنيا ألوان مش كاملة لكنها كفاية تشوف وشه، وتشوف الشجر اللي كان يوصفه لها، وتشوف نفسها في المراية مش كعبء لكن كست قوية عدت من النار وخرجت نور، أما أبوها ففضل وحيد مع ندمه، حاول مرة يزورهم، وزينب استقبلته بهدوء مش انتقام، قالتله أنا سامحتك بس عمري ما هنسى، عشان الجرح علمني أختار نفسي، وفي حضن يوشع فهمت إن القيمة مش في عينين بتشوف الشكل لكن في قلب يشوف الروح، وهكذا البنت اللي اتقال عليها عار بقت سيدة يُحكى عن قصتها، والراجل اللي مثل دور الشحاذ أثبت إن أحياناً أعظم الناس بيخفوا نورهم لحد ما يلاقوا حد يستاهل
يشوفه.

تم نسخ الرابط