خانة الذكريات
من يومها باب الجراج بقى مفتوح. اللوحات بقت على حيطان البيت. مش عشان أوجعه ولا عشان أوجع نفسي. لكن عشان أفهم إن القلب أوسع مما كنت متخيلة. ممكن يشيل حب قديم اتكسر وحب عاش وكبر وربى عيال في نفس الوقت.
وبعد شهور قليلة الست اللي كانت في المستشفى رحلت بهدوء. هنري فضل قاعد جنبها لآخر نفس. لما رجع البيت دخل الجراج وقعد ساعات.
لما خرج كان شايل لوحة واحدة بس.
لوحة لست ست عجوزة قاعدة على كرسي قديم وشعرها أبيض وفي عينيها حزن وطيبة بس الملامح كانت أنا. أنا بكل تجاعيدي. بكل سنيني. مش نسخة شابة من حد تاني.
ناولني اللوحة وقال
دي أول
مرة أرسمك إنتي من غير ما أدور على حد غيرك في الملامح.
وقتها بس حسيت إن الستين سنة ماكانوش وهم. كانوا رحلة راجل تايه لقى بيته متأخر بس لحق يقوله إنه بيته فعلا.
وأصعب حقيقة اتعلمتها
إن الحب مش دايما بيبدأ صح
بس أحيانا لو استحمل بينتهي صادق.
وفي ليلة هادية بعد ما البيت نام وساعة الحيطة بتعدي الثواني بصوت مسموع أكتر من أي وقت فات قعدت قدام الشباك أبص على الشارع اللي عدى عليه عمر كامل من خطوتي وخطوته. افتكرت كل لحظة شك كل دمعة نزلت في صمت وكل مرة قلبي سألني هو أنا كنت الاختيار ولا التعويض
بس الحقيقة اللي وجعتني في الأول هي نفسها اللي صحتني. أنا ما كنتش ظل حد. أنا كنت الست اللي شاركته ستين سنة أكل ومرض وضحك وخسارة ونجاح.
آه يمكن قلبي ما كانش أول محطة في حياته
لكن كنت أنا الرحلة كلها.
الحب مش سباق مين يوصل الأول.
الحب مين يكمل للآخر.
وهو كمل معايا. ما سابش إيدي يوم. ما غابش عن وجعي. ما قصرش في مسؤوليته ولا في حضنه. يمكن كان شايل ذكرى قديمة جواه بس اللي عاشه واللي بناه واللي حافظ عليه كان معايا أنا.
في الليلة دي دخل علي بهدوء قعد جنبي من غير كلام مسك إيدي بنفس الطريقة اللي كان بيعملها وإحنا عندنا عشرين سنة. إيده كانت أضعف بس دفاها لسه هو هو. بصلي وقال
أنا لو اتولدت ألف مرة كنت هدور عليكي برضه.
المرة دي ما شكتش.
لأن العيون ما بتكدبش
فهمت إن الإنسان ممكن يبدأ حكايته بخبطة غلط
بس العشرة الطويلة هي اللي بتكتب الفصل الأخير.
ومش مهم كنت إيه في أول صفحة.
المهم كنت مين في آخر سطر.
وأنا كنت اسمه اللي بيندهه وهو بيصحى وكنت صورته في جيبه وكنت الدعوة اللي بيتمتم بيها قبل ما ينام. كنت الست اللي فضلت واقفة لما الزمن هده من جوه.
الحب مش مثالي.
الحب مش أبيض وأسود.
الحب أوقات بيبقى مكسور بس لو فضل واقف رغم الكسر يبقى حقيقي.
النهارده وأنا عندي 78 سنة ما بقاش يهمني إذا كنت أول دقة قلبه.
يكفيني إني كنت آخر نبضة سكنت فيه.
ويمكن دي أقسى وأجمل حقيقة في نفس الوقت
إن بعض القلوب بتتعلم تحب صح متأخر.
بس